التفاسير

< >
عرض

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ
٢٢٢
-البقرة

جامع البيان في تفسير القرآن

يعني تعالى ذكره بقوله:{ وَيَسَألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ} ويسألك يا مـحمد أصحابك عن الحيض وقيل «الـمـحيض» لأن ما كان من الفعل ماضيه بفتـح عين الفعل وكسرها فـي الاستقبـال، مثل قول القائل: ضرب يضرب، وحبس يحبس، ونزل ينزل، فإن العرب تبني مصدره على المفعَل والاسم على المفعِل مثل المضَرب والـمضرِب من ضربت، ونزلت منزِلاً ومَنْزَلاً. ومسموع فـي ذوات الياء الألف والياء المعيش والمعاش والمعيب والمعاب، كما قال رؤبة فـي المعيش:

إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ الـمَعِيشِوَمَرَّ أعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي

وإنـما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذكر لنا عن الـحيض، لأنهم كانوا قبل بـيان الله لهم ما يتبـينون من أمره، لا يساكنون حائضاً فـي بـيت، ولا يؤاكلونهنّ فـي إناء، ولا يشاربونهنّ، فعرّفهم الله بهذه الآية أن الذي علـيهم فـي أيام حيض نسائهم أن يجتنبوا جماعهنّ فقط دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن ومآكلتهن ومشاربتهن. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ وَيَسَألُونَكَ عَنِ الـمَـحِيضِ } حتـى بلغ: {حَّتـى يَطْهُرْنَ} فكان أهل الـجاهلـية لا تساكنهم حائض فـي بـيت، ولا تؤاكلهم فـي إناء، فأنزل الله تعالـى ذكره فـي ذلك، فحرم فرجها ما دامت حائضاً، وأحلّ ما سوى ذلك: أن تصبغ لك رأسك، وتؤاكلك من طعامك، وأن تضاجعك فـي فراشك إذا كان علـيها إزار مـحتـجزة به دونك.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وقد قـيـل: إنهم سألوا عن ذلك، لأنهم كانوا فـي أيام حيضهنّ يجتنبون إتـيانهنّ فـي مخرج الدم ويأتونهن فـي أدبـارهن. فنهاهم الله عن أن يقربوهن فـي أيام حيضهن حتـى يطهرن، ثم أذن لهم إذا تطهرن من حيضهن فـي إتـيانهن من حيث أمرهم بـاعتزالهن، وحرم إتـيانهن فـي أدبـارهن بكل حال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنـي مـجاهد، قال: كانوا يجتنبون النساء فـي الـمـحيض، ويأتونهنّ فـي أدبـارهنّ، فسألوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله:{ وَيَسَألُونَكَ عَنِ الـمَـحِيضِ} إلـى:{ فإذَا تَطَهَّرْنَ فأتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} فـي الفرج ولا تعدوه.

وقـيـل: إن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابت بن الدحداح الأنصاري.

حدثنـي بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ قُلْ هُوَ أذًى}.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: قل لـمن سألك من أصحابك يا مـحمد عن الـمـحيض هو أذى. والأذى: هو ما يؤذى به من مكروه فـيه، وهو فـي هذا الـموضع يسمى أذى لنتن ريحه وقذره ونـجاسته، وهو جامع لـمعان شتـى من خلال الأذى غير واحدة.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي البـيان عن تأويـل ذلك علـى تقارب معانـي بعض ما قالوا فـيه من بعض، فقال بعضهم قوله:{ قُلْ هُوَ أذًى} قل هو قذر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {قُلْ هُوَ أذًى} قال: أما أذى: فقذر.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {قُلْ هُوَ أذًى} قال: قل هو أذى، قال: قذر.

وقال آخرون: قل هو دم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله:{وَيَسَألُونَكَ عَنِ الـمَـحِيضِ قُلْ هُوَ أذًى} قال: الأذى: الدم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فـاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِـي الـمَـحِيض}ِ.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله:{ فـاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِـي الـمَـحِيضِ } فـاعتزلوا جماع النساء ونكاحهنّ فـي مـحيضهن. كما:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله:{ فـاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِـي الـمَـحِيضِ }يقول: اعتزلوا نكاح فروجهنّ.

واختلف أهل العلـم فـي الذي يجب علـى الرجل اعتزاله من الـحائض، فقال بعضهم: الواجب علـى الرجل اعتزال جميع بدنها أن يبـاشره بشيء من بدنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا عوف، عن مـحمد، قال: قلت لعبـيدة: ما يحلّ لـي من امرأتـي إذا كانت حائضاً؟ قال: اللـحاف واحد، والفراش شتـى.

حدثنـي تـميـم بن الـمنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: ثنا مـحمد، عن الزهري، عن عروة، عن ندبة، مولاة آل عبـاس قالت: بعثتنـي ميـمونة ابنة الـحرث، أو حفصة ابنة عمر، إلـى امرأة عبد الله بن عبـاس، وكانت بـينهما قرابة من قبل النساء، فوجدت فراشها معتزلاً فراشه، فظننت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشه فراشها، فقالت: إنـي طامث، وإذا طمثت أعتزل فراشي. فرجعت فأخبرت بذلك ميـمونة أو حفصة، فردّتنـي إلـى ابن عبـاس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لقد كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم ينام مع الـمرأة من نسائه، وإنها لـحائض، وما بـينه وبـينها إلا ثوب ما يجاوز الركبتـين.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب وابن عون، عن مـحمد، قال: قلت لعبـيدة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قال: الفراش واحد، واللـحاف شتـى، فإن لـم يجد إلا أن يردّ علـيها من ثوبه ردّ علـيها منه.

واعتل قائلو هذه الـمقالة بأن الله تعالـى ذكره أمر بـاعتزال النساء فـي حال حيضهن، ولـم يخصص منهن شيئاً دون شيء، وذلك عامّ علـى جميع أجسادهنّ واجب اعتزال كل شيء من أبدانهن فـي حيضهن.

وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالـى ذكره بـاعتزاله منهن موضع الأذى، وذلك موضع مخرج الدم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنـي عيـينة بن عبد الرحمن بن جوشن، قال: ثنا مروان الأصغر، عن مسروق بن الأجدع، قال: قلت لعائشة: ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الـجماع.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، وحدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا عن عائشة أنها قالت: وأين كان ذو الفراشين وذو اللـحافـين؟

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحرم علـى الرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: فرجها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن كتاب أبـي قلابة: أن مسروقاً ركب إلـى عائشة، فقال: السلام علـى النبـيّ وعلـى أهل بـيته فقالت عائشة: أبو عائشة مرحبـاً فأذنوا له، فدخـل فقال: إنـي أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستـحيـي فقالت: إنـما أنا أمك وأنت ابنـي. فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت له: كل شيء إلا فرجها.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، قال: ثنا حجاج، عن ميـمون بن مهران، عن عائشة قالت له: ما فوق الإزار.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أيوب، عن نافع: أن عائشة قالت فـي مضاجعة الـحائض: لا بأس بذلك إذا كان علـيها إزار.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب، عن أبـي معشر قال: سألت عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ فقالت: كل شيء إلا الفرج.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عن مـحمد بن عمرو، عن مـحمد بن إبراهيـم بن الـحارث قال: قال ابن عبـاس: إذا جعلت الـحائض علـى فرجها ثوبـاً أو ما يكفّ الأذى، فلا بأس أن يبـاشر جِلْدُها زَوْجَها.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا يزيد، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس أنه سئل: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قال: ما فوق الإزار.

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا الـحكم بن فضيـل، عن خالد الـحذاء، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: اتق من الدم مثل موضع النعل.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة، عن أم سلـمة، قالت فـي مضاجعة الـحائض: لا بأس بذلك إذا كان علـى فرجها خرقة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، عن سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، قال: للرجل من امرأته كل شيء ما خلا الفرج يعنـي وهي حائض قال: يبـيتان فـي لـحاف واحد، يعنـي الـحائض إذا كان علـى الفرج ثوب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ عن عوف عن الـحسن. قال: يبـيتان فـي لـحاف واحد يعنـي الـحائض إذا كان علـى الفرج ثوب.

حدثنا تـميـم، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن لـيث، قال: تذاكرنا عند مـجاهد الرجل يلاعب امرأته وهي حائض، قال: اطعن بذكرك حيثما شئت فـيـما بـين الفخذين والألـيتـين والسرة، ما لـم يكن فـي الدبر أو الـحيض.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن عامر، قال: يبـاشر الرجل امرأته وهي حائض؟ قال: إذا كفّت الأذى.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنـي عمران بن حدير، قال: سمعت عكرمة يقول: كل شيء من الـحائض لك حلال غير مـجرى الدم.

وعلة قائل هذه الـمقالة، قـيام الـحجة بـالأخبـار الـمتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبـاشر نساءه وهن حيض، ولو كان الواجب اعتزال جميعهن لـما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلـما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، علـم أن مراد الله تعالـى ذكره بقوله:{ فـاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِـي الـمَـحِيضِ }هو اعتزال بعض جسدها دون بعض. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون ذلك هو الـجماع الـمـجمع علـى تـحريـمه علـى الزوج فـي قبلها دون ما كان فـيه اختلاف من جماعها فـي سائر بدنها.

وقال آخرون: بل الذي أمر الله تعالـى ذكره بـاعتزاله منهن فـي حال حيضهن ما بـين السرة إلـى الركبة، وما فوق ذلك ودونه منها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن شريح، قال له: ما فوق السرّة. وذكر الـحائض.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يزيد، عن سعيد بن جبـير، قال: سئل ابن عبـاس عن الـحائض: ما لزوجها منها؟ فقال: ما فوق الإزار.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أيوب وابن عون، عن مـحمد، قال: قال شريح: له ما فوق سرتها.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن واقد بن مـحمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، قال: سئل سعيد بن الـمسيب: ما للرجل من الـحائض؟ قال: ما فوق الإزار.

وعلة من قال هذه الـمقالة صحة الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما:

حدثنـي به ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سلـيـمان الشيبـانـي وحدثنـي أبو السائب، قال: حدثنا حفص، قال: ثنا الشيبـانـي، قال: ثنا عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: سمعت ميـمونة، تقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يبـاشر امرأة من نسائه وهي حائض أمرها فـاتّزرت».

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن الشيبـانـي، عن عبد الله بن شداد، عن ميـمونة: «أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يبـاشرها وهي حائض فوق الإزار».

حدثنـي سفـيان بن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها فـاتزرت بإزار ثم يبـاشرها.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن الشيبـانـي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبـيه، عن عائشة، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن تأتزر ثم يبـاشرها.

ونظائر ذلك من الأخبـار التـي يطول بـاستـيعاب ذكر جميعها الكتاب قالوا: فما فعل النبـيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك فجائز، وهو مبـاشرة الـحائض ما دون الإزار وفوقه، وذلك دون الركبة وفوق السرّة، وما عدا ذلك من جسد الـحائض فواجب اعتزاله لعموم الآية.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن للرجل من امرأته الـحائض ما فوق الـمؤتزر ودونه لـما ذكرنا من العلة لهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَلا تَقْرَبُوهُنّ حتَّـى يَطْهُرْنَ}.

اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم:{ حتـى يَطْهُرْنَ} بضم الهاء وتـخفـيفها، وقرأه آخرون بتشديد الهاء وفتـحها. وأما الذين قرءوه بتـخفـيف الهاء وضمها فإنهم وجهوا معناه إلـى: ولا تقربوا النساء فـي حال حيضهن حتـى ينقطع عنهن دم الـحيض ويطهرن. وقال بهذا التأويـل جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن مهدي ومؤمل، قالا: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله:{ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ} قال: انقطاع الدم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان أو عثمان بن الأسود:{ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ} حتـى ينقطع عنهن الدم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد الله العتكي، عن عكرمة فـي قوله:{ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ } قال: حتـى ينقطع الدم.

وأما الذين قرءوا ذلك بتشديد الهاء وفتـحها، فإنهم عنوا به: حتـى يغتسلن بـالـماء وشدّدوا الطاء لأنهم قالوا: معنى الكلـمة: حتـى يتطهرن أدغمت التاء فـي الطاء لتقارب مخرجيهما.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: «حَّتـى يَطَّهَّرْنَ» بتشديدها وفتـحها، بـمعنى: حتـى يغتسلن، لإجماع الـجميع علـى أن حراماً علـى الرجل أن يقرب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتـى تطهر.

وإنـما اختلف فـي التطهر الذي عناه الله تعالـى ذكره، فأحلّ له جماعها، فقال بعضهم: هو الاغتسال بـالـماء، ولا يحلّ لزوجها أن يقربها حتـى تغسل جميع بدنها. وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة. وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانها.

فإذا كان إجماع من الـجميع أنها لا تـحلّ لزوجها بـانقطاع الدم حتـى تطهر، كان بـينا أن أولـى القراءتـين بـالصواب أنفـاهما للبس عن فهم سامعها، وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان فـي قراءة قارئها بتـخفـيف الهاء وضمها ما لا يؤمن معه اللبس علـى سامعها من الـخطإ فـي تأويـلها، فـيرى أن للزوج غشيانها بعد انقطاع دم حيضها عنها وقبل اغتسالها وتطهرها.

فتأويـل الآية إذا: ويسألونك عن الـمـحيض، قل هو أذى، فـاعتزلوا جماع نسائكم فـي وقت حيضهن، ولا تقربوهنّ حتـى يغتسلن فـيتطهرن من حيضهن بعد انقطاعه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فإذَا تَطَهّرْنَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله:{ فإذَا تَطَهّرْنَ فأْتُوهُنَّ} فإذا اغتسلن فتطهرن بـالـماء فجامعوهن.

فإن قال قائل: أففرض جماعهنّ حينئذ؟ قـيـل: لا. فإن قال: فما معنى قوله إذا:{ فأْتُوهُنَّ}؟ قـيـل: ذلك إبـاحة ما كان منع قبل ذلك من جماعهنّ وإطلاق لـما كان حظر فـي حال الـحيض، وذلك كقوله: { وَإذَا حَلَلْتُـمْ فـاصْطادُوا } وقوله: { فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } [الجمعة: 10] وما أشبه ذلك.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله{ فإذَا تَطَهّرْنَ} فقال بعضهم: معنى ذلك: فإذا اغتسلن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: فإذَا تَطَهّرْنَ يقول: فإذا طهرت من الدم وتطهرت بـالـماء.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنـي مـحمد بن مهدي ومؤمل، قالا: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فإذَا تَطَهّرْنَ} فإذا اغتسلن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد الله العتكي، عن عكرمة فـي قوله: {فإذَا تَطَهّرْنَ} يقول: اغتسلن.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان أو عثمان بن الأسود:{ فإذَا تَطَهّرْنَ} إذا اغتسلن.

حدثنا عمران بن موسى، ثنا عبد الوارث، ثنا عامر، عن الـحسن فـي الـحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجها حتـى تغتسل وتـحلّ لها الصلاة.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم أنه كره أن يطأها حتـى تغتسل يعنـي الـمرأة إذا طهرت.

وقال آخرون: معنى ذلك فإذا تطهرن للصلاة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا لـيث، عن طاوس ومـجاهد أنهما قالا: إذا طهرت الـمرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرها بـالوضوء قبل أن تغتسل إذا أدركه الشبق فلـيُصِب.

وأولـى التأويـلـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى قوله:{ فإذَا تَطَهّرْنَ } فإذا اغتسلن لإجماع الـجميع علـى أنها لا تصير بـالوضوء بـالـماء طاهراً الطهر الذي يحلّ لها به الصلاة، وأن القول لا يخـلو فـي ذلك من أحد أمرين: إما أن يكون معناه: فإذا تطهرن من النـجاسة فأتوهن. وإن كان ذلك معناه، فقد ينبغي أن يكون متـى انقطع عنها الدم فجائز لزوجها جماعها إذا لـم تكن هنالك نـجاسة ظاهرة، هذا إن كان قوله:{ فإذَا تَطَهّرْنَ} جائزاً استعماله فـي التطهر من النـجاسة، ولا أعلـمه جائزاً إلا علـى استكراه الكلام أو يكون معناه: فإذا تطهرن للصلاة فـي إجماع الـجميع من الـحجة علـى أنه غير جائز لزوجها غشيانها بـانقطاع دم حيضها، إذا لـم يكن هنالك نـجاسة دون التطهر بـالـماء إذا كانت واجدته أدلّ الدلـيـل علـى أن معناه: فإذا تطهرن الطهر الذي يجزيهن به الصلاة. وفـي إجماع الـجميع من الأمة علـى أن الصلاة لا تـحلّ لها إلا بـالاغتسال أوضح الدلالة علـى صحة ما قلنا من أن غشيانها حرام إلا بعد الاغتسال، وأن معنى قوله:{ فإذَا تَطَهّرْنَ } فإذا اغتسلن فصرن طواهر الطهر الذي يجزيهن به الصلاة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} فقال بعضهم: معنى ذلك: فأتوا نساءكم إذا تطهرن من الوجه الذي نهيتكم عن إتـيانهن منه فـي حال حيضهن، وذلك الفرج الذي أمر الله بترك جماعهنّ فـيه فـي حال الـحيض. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي أبـان بن صالـح، عن مـجاهد، قال: قال ابن عبـاس فـي قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} يقول: فـي الفرج لا تعدوه إلـى غيره، فمن فعل شيئا من ذلك فقد اعتدى.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا خالد الـحذاء، عن عكرمة فـي قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } قال: من حيث أمركم أن تعتزلوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا أبو صخر، عن أبـي معاوية البجلـي، عن سعيد بن جبـير أنه قال: بـينا أنا ومـجاهد جالسان عند ابن عبـاس أتاه رجل فوقـف علـى رأسه، فقال: يا أبـا العبـاس أو يا أبـا الفضل ألا تشفـينـي عن آية الـمـحيض؟ قال: بلـى فقرأ:{ وَيَسألُونَكَ عَنِ الـمَـحِيضِ} حتـى بلغ آخر الآية، فقال ابن عبـاس: من حيث جاء الدم، ثم أُمرت أن تأتـي.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عن عمرة، عن مـجاهد، قال: دبر الـمرأة مثله من الرجل. ثم قرأ:{ وَيَسألُونَكَ عَنِ الـمَـحِيضِ} إلـى:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} قال: من حيث أمركم أن تعتزلوهن.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} قال: أمروا أن يأتوهن من حيث نهوا عنه.

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنـي مـجاهد:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} فـي الفرج، ولا تعدوه.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} يقول: إذا تطهرن فأتوهنّ من حيث نُهي عنه فـي الـمـحيض.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان أو عثمان بن الأسود:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} بـاعتزالهنّ منه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} أي من الوجه الذي يأتـي منه الـمـحيض طاهراً غير حائض، ولا تعدوا ذلك إلـى غيره.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } قال: طواهر من غير جماع ومن غير حيض من الوجه الذي يأتـي الـمـحيض ولا يتعدى إلـى غيره. قال سعيد: ولا أعلـمه إلا عن ابن عبـاس.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} من حيث نهيتـم عنه فـي الـمـحيض. وعن أبـيه عن لـيث، عن مـجاهد فـي قوله:{ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} من حيث نهيتـم عنه، واتقوا الأدبـار.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي، عن يزيد بن الولـيد، عن إبراهيـم فـي قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} قال: فـي الفرج.

وقال آخرون: معناه: فأتوهن من الوجه الذي أمركم الله فـيه أن تأتوهن منه، وذلك الوجه هو الطهر دون الـحيض. فكان معنى قائل ذلك فـي الآية: فأتُوهنّ من قُبْل طهرهنّ لا من قُبْل حيضهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } يعنـي أن يأتـيها طاهرا غير حائض.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن أبـي رزين فـي قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} قال: من قُبْل الطهر.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مـحمد بن يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي رزين بـمثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبـي رزين: {فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} يقول: ائتوهن من عند الطهر.

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: ثنا علـيّ بن هاشم، عن الزبرقان، عن أبـي رزين:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} قال: من قُبْل الطهر، ولا تأتوهن من قبل الـحيض.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد الله العتكي، عن عكرمة قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} يقول: إذا اغتسلن فأتوهنّ من حيث أمركم الله يقول: طواهر غير حُيَّض.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} قال: يقول طواهر غير حُيَّض.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله:{ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} من الطهر.

حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك: فأتوهن طُهَّرا غير حيض.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } قال: ائتوهن طاهرات غير حيض.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} قال: طُهَّرا غير حيض فـي القبل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأتوا النساء من قبل النكاح لا من قبل الفجور. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علـيّ قال: ثنا وكيع، قال: ثنا إسماعيـل الأزرق، عن أبـي عمر الأسدي، عن ابن الـحنفـية:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ } قال: من قبل الـحلال من قبل التزويج.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك عندي قول من قال: معنى ذلك: فأتوهن من قُبْل طهرهن وذلك أن كل أمر بـمعنى فنهي عن خلافه وضده، وكذلك النهي عن الشيء أمر بضده وخلافه. فلو كان معنى قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ فأتوهنّ } من قبل مخرج الدم الذي نهيتكم أن تأتوهن من قبله فـي حال حيضهن، لوجب أن يكون قوله:{ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتـى يَطْهُرْنَ } تأويـله: ولا تقربوهنّ فـي مخرج الدم دون ما عدا ذلك من أماكن جسدها، فـيكون مطلقاً فـي حال حيضها إتـيانهن فـي أدبـارهنّ. وفـي إجماع الـجميع علـى أن الله تعالـى ذكره لـم يطلق فـي حال الـحيض من إتـيانهنّ فـي أدبـارهن شيئاً حرّمه فـي حال الطهر ولا حرم من ذلك فـي حال الطهر شيئاً أحله فـي حال الـحيض، ما يعلـم به فساد هذا القول.

وبعد: فلو كان معنى ذلك علـى ما تأوّله قائلو هذه الـمقالة لوجب أن يكون الكلام: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، حتـى يكون معنى الكلام حينئذ علـى التأويـل الذي تأوّله، ويكون ذلك أمرا بإتـيانهن فـي فروجهن، لأن الكلام الـمعروف إذا أريد ذلك أن يقال: أتـى فلان زوجته من قبل فرجها، ولا يقال: أتاها من فرجها إلا أن يكون أتاها من قبل فرجها فـي مكان غير الفرج.

فإن قال لنا قائل: فإن ذلك وإن كان كذلك، فلـيس معنى الكلام: فأتوهن فـي فروجهن، وإنـما معناه، فأتوهن من قبل قبلهن فـي فروجهن، كما يقال: أتـيت هذا الأمر من مأتاه. قـيـل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شك أن مأتـى الأمر ووجهه غيره، وأن ذلك مطلبه. فإن كان ذلك علـى ما زعمتـم، فقد يجب أن يكون معنى قوله:{ فأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ} غير الذي زعمتـم أنه معناه بقولكم: ائتوهن من قبل مخرج الدم ومن حيث أمرتـم بـاعتزالهن، ولكن الواجب أن يكون تأويـله علـى ذلك: فأتوهنّ من قبل وجوههنّ فـي أقبـالهن، كما كان قول القائل ائت الأمر من مأتاه إنـما معناه: اطلبه من مطلبه، ومطلب الأمر غير الأمر الـمطلوب، فكذلك يجب أن مأتـى الفرج الذي أمر الله فـي قولهم بإتـيانه غير الفرج. وإذا كان كذلك وكان معنى الكلام عندهم: فأتوهن من قبل وجوههنّ فـي فروجهنّ، وجب أن يكون علـى قولهم مـحرّما إتـيانهنّ فـي فروجهن من قبل أدبـارهن، وذلك إن قالوه خرج من قاله من قـيـل أهل الإسلام، وخالف نصّ كتاب الله تعالـى ذكره وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الله يقول:{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فأْتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُـمْ } وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي إتـيانهن فـي فروجهن من قبل أدبـارهن.

فقد تبـين إذا إذ كان الأمر علـى ما وصفنا فساد تأويـل من قال ذلك: فأتوهنّ فـي فروجهنّ حيث نهيتكم عن إتـيانهن فـي حال حيضهن، وصحة القول الذي قلناه، وهو أن معناه: فأتوهن فـي فروجهن من الوجه الذي أذن الله لكم بإتـيانهن، وذلك حال طهرهن وتطهرهن دون حال حيضهن.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِـينَ ويُحِبُّ الـمُتَطَهِّرِينَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِـينَ} الـمنـيبـين من الإدبـار عن الله وعن طاعته إلـيه وإلـى طاعته وقد بـينا معنى التوبة قبل.

واختلف فـي معنى قوله:{ ويُحِبُّ الـمُتَطَهِّرِينَ } فقال بعضهم: هم الـمتطهرون بـالـماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا طلـحة، عن عطاء قوله:{ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِـينَ} قال: التوابـين من الذنوب،{ ويُحِبُّ الـمُتَطَهِّرِين} قال: الـمتطهرين بـالـماء للصلاة.

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا طلـحة، عن عطاء، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن طلـحة بن عمرو، عن عطاء:{ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِـينَ} من الذنوب لـم يصيبوها{ ويُحِبُّ الـمُتَطَهِّرِينَ} بـالـماء للصلاة.

وقال آخرون: معنى ذلك إن الله يحب التوابـين من الذنوب، ويحب الـمتطهرين من أدبـار النساء أن يأتوها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا إبراهيـم بن نافع، قال: سمعت سلـيـمان مولـى أم علـي، قال: سمعت مـجاهداً يقول: من أتـى امرأته فـي دبرها فلـيس من الـمتطهرين.

وقال آخرون: معنى ذلك: «ويحب الـمتطهرين» من الذنوب أن يعودوا فـيها بعد التوبة منها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد:{ يُحِبُّ التَّوابِـينَ} من الذنوب لـم يصيبوها، {ويُحِبُّ الـمُتَطَهِّرِينَ } من الذنوب: لا يعودون فـيها.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن الله يحبّ التوّابـين من الذنوب، ويحبّ الـمتطهرين بـالـماء للصلاة لأن ذلك هو الأغلب من ظاهر معانـيه. وذلك أن الله تعالـى ذكره ذكر أمر الـمـحيض، فنهاهم عن أمور كانوا يفعلونها فـي جاهلـيتهم، من تركهم مساكنة الـحائض ومؤاكلتها ومشاربتها، وأشياء غير ذلك مـما كان تعالـى ذكره يكرهها من عبـاده. فلـما استفتـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أوحى الله تعالـى إلـيه فـي ذلك، فبـين لهم ما يكرهه مـما يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنه يحبّ من خـلقه من أناب إلـى رضاه ومـحبته، تائبـا مـما يكرهه. وكان مـما بـين لهم من ذلك أنه قد حرم علـيهم إتـيان نسائهم وإن طهرن من حيضهن حتـى يغتسلن، ثم قال:{ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَّتـى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهّرْنَ فأْتُوهُنّ } فإن الله يحبّ الـمتطهرين، يعنـي بذلك الـمتطهرين من الـجنابة والأحداث للصلاة، والـمتطهرات بـالـماء من الـحيض والنفـاس والـجنابة والأحداث من النساء. وإنـما قال: ويحبّ الـمتطهرين، ولـم يقل الـمتطهرات، وإنـما جرى قبل ذلك ذكر التطهر للنساء لأن ذلك بذكر الـمتطهرين يجمع الرجال والنساء، ولو ذكر ذلك بذكر الـمتطهرات لـم يكن للرجال فـي ذلك حظ، وكان للنساء خاصة، فذكر الله تعالـى ذكره بـالذكر العام جميع عبـاده الـمكلفـين، إذ كان قد تعبد جميعهم بـالتطهر بـالـماء، وإن اختلفت الأسبـاب التـي توجب التطهر علـيهم بـالـماء فـي بعض الـمعانـي واتفقت فـي بعض.