التفاسير

< >
عرض

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
١٥
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى
١٦
ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
١٧
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ
١٨
وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ
١٩
فَأَرَاهُ ٱلآيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ
٢٠
فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ
٢١
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ
٢٢
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ
٢٣
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ
٢٤
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلآخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ
٢٥
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ
٢٦
-النازعات

{ٱذْهَبْ} على إرادة القول. وفي قراءة عبد الله «أن اذهب» لأنّ في النداء معنى القول. هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا؛ كما تقول: هل ترغب فيه، وهل ترغب إليه {إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ } إلى أن تتطهر من الشرك، وقرأ أهل المدينة «تزكى» بالإدغام {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبّكَ } وأرشدك إلى معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه {فَتَخْشَىٰ} لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال الله تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } } [فاطر: 28] أي العلماء به؛ وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله: أتى منه كل خير. ومن أمن: اجترأ على كل شرّ. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:

(1265) "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل" بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك في قوله: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } [طه: 44]، {ٱلأَيَةَ ٱلْكُبْرَىٰ } قلب العصا حية لأنها كانت المقدمة والأصل، والأخرى كالتبع لها؛ لأنه كان يتقيها بيده، فقيل له: أدخل يدك في جيبك، أو أرادهما جميعاً، إلا أنه جعلهما واحدة؛ لأن الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها {فَكَذَّبَ } بموسى والآية الكبرى، وسماهما ساحراً وسحراً {وَعَصَىٰ } الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر، وأنّ الطاعة قد وجبت عليه {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ } أي لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً، يسعى: يسرع في مشيته. قال الحسن كان رجلاً طياشاً خفيفاً. أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته، وأريد: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ يفعل، فوضع{أَدْبَرَ } موضع: أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال {فَحَشَرَ } فجمع السحرة، كقوله: { فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ } [الشعراء: 53]. {فَنَادَىٰ } في المقام الذي اجتمعوا فيه معه. أو أمر منادياً في الناس بذلك. وقيل قام فيهم خطيباً فقال تلك العظيمة. وعن ابن عباس: كلمته الأولى: { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } [القصص: 38] والآخرة: { أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } [النازعات: 34]. {نَكَالَ } هو مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله؛ كأنه قيل: نكل الله به نكال الآخرة والأولى والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم. يعني الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. وعن ابن عباس: نكال كلمتيه الآخرة، وهي قوله: {أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } والأولى وهي قوله: { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى } [القصص: 28]، وقيل: كان بين الكلمتين أربعون سنة. وقيل عشرون.