التفاسير

< >
عرض

إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ
١
وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ
٢
وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ
٣
وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ
٤
وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ
٥
وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ
٦
وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ
٧
وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ
٨
بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ
٩
وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ
١٠
وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ
١١
وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ
١٢
وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ
١٣
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ
١٤
-التكوير

في التكوير وجهان: أن يكون من كوّرت العمامة إذا لففتها، أي: يلف ضوءها لفاً فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها؛ لأنها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطاً غير ملفوف. أو يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها؛ لأنّ الثواب إذا أريد رفعه لفّ وطوي؛ ونحوه قوله: { يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء } [الأنبياء: 104] وأن يكون من طعنه فجوّره وكوّره: إذا ألقاه، أي: تلقى وتطرح عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، فإن قلت: ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية؟ قلت: بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر يفسره كوّرت؛ لأنّ «إذا» يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط {ٱنكَدَرَتْ } انقضت قال:

أَبْصَرَ خِرْبَانٌ فَضَاءَ فَانْكَدَرْ

ويروى في الشمس والنجوم: أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 98]، {سُيّرَتْ } أي على وجه الأرض وأبعدت. أو سيرت في الجوّ تسيير السحاب كقوله { وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ } } [النمل: 88] والعشار في جمع عشراء، كالنفاس في جمع نفساء: وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزّها {عُطِّلَتْ } تركت مسيبة مهملة. وقيل: عطلها أهلها عن الحلب والصر، لاشتغالهم بأنفسهم وقرىء «عطلت» بالتخفيف {حُشِرَتْ } جمعت من كل ناحية. قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. وقيل: إذا قضى بينها ردّت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته. كالطاووس ونحوه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حشرها موتها. يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة. وقرىء «حشرت» بالتشديد {سُجِّرَتْ } قرىء بالتخفيف والتشديد، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، أي: ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً. وقيل: ملئت نيراناً تضطرم لتعذيب أهل النار. وعن الحسن: يذهب ماؤها فلا تبقى فيها قطرة {زُوّجَتْ } قرنت كل نفس بشكلها وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد. وقيل بكتبها وأعمالها. وعن الحسن هو كقوله: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَـٰثَةً } [الواقعة: 7] وقيل: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين وأد يئد مقلوب من آد يؤد: إذا أثقل. قال الله تعالى: { وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا } [البقرة: 255]، لأنه إثقال بالتراب: كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها: ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية؛ وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيبيها وزينيها، حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليهاالتراب، حتى تستوي البئر بالأرض. وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة؛ فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابناً حبسته فإن قلت: ما حملهم على وأد البنات؟ قلت: الخوف من لحوق العار بهم من أجلهنّ. أو الخوف من الإملاق، كما قال الله تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } [الإسراء: 31]، وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، فهو أحق بهنّ. وصعصعة بن ناجية ممن منع الوأد؛ فبه افتخر الفرزدق في قوله:

وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ فَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ تُوأَدِ

فإن قلت: فما معنى سؤال المؤودة عن ذنبها الذي قتلت به؛ وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟ قلت: سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى: {أأنت قلت للناس...} إلى قوله: { ...سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ } [المائدة: 116]، وقرىء «سألت»، أي: خاصمت عن نفسها، وسألت الله أوقاتلها؛ وإنما قيل {قُتِلَتْ } بناء على أن الكلام إخبار عنها؛ ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت. فقيل: قتلت أو كلاهما حين سئلت لقيل: قتلت. وقرأ ابن عباس رضي عنهما: قتلت، على الحكاية وقرىء «قتلت»، بالتشديد، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب، وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤدة من الذنب: فما أقبح به، وهو الذي لا يظلم مثقال ذرّة أن يكرّ عليها بعد هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد، وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه سئل عن ذلك، فاحتجّ بهذه الآية «نشرت» قرىء بالتخفيف والتشديد، يريد: صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب. عن قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك، ثم تنشر يوم القيامة، فلينظر رجل ما يملي في صحيفته وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(2271) "يحشر الناس عراة حفاة" فقالت أمّ سلمة: كيف بالنساء؟ فقال: شغل الناس يا أمّ سلمة قالت: وما شغلهم؟ قال: نشر الصحف فيها مثاقيل الذرّ ومثاقيل الخردل» ويجوز أن يراد: نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم. وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك، وهي صحف غير صحف الأعمال {كُشِطَتْ } كشفت وأزيلت، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء وقرأ ابن مسعود «قشطت» واعتقاب الكاف والقاف كثير. يقال: لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور {سُعّرَتْ } أوقدت إيقاداً شديداً وقرىء «سعرت» بالشديد للمبالغة. قيل: سعرها غضب الله تعالى وخطايا بني آدم {أُزْلِفَتْ } أدنيت من المتقين، كقوله تعالى: { وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ } [ق: 31]، قيل: هذه اثنتا عشرة خصلة. ست منها في الدنيا، وست في الآخرة. و{علمت} هو عامل النصب في { إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوّرَتْ } وفيما عطف عليه. فإن قلت: كل نفس تعلم ما أحضرت، كقوله: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } [آل عمران: 30] لا نفس واحدة فما معنى قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ }؟ قلت: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه. ومنه قوله عز وجل: { رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } [الحجر: 2] ومعناه: معنى كم وأبلغ منه. وقول القائل:

قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرَّا أَنَامِلُهُ

وتقول لبعض قوّاد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رب فارس عندي. أو لا تعدم عندي فارساً، وعنده المقانب: وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه. ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده، فضلا أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ قارئاً قرأها عنده، فلما بلغ {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ (14)} قال: وانقطاع ظهرياه.