التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٢١
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٢٢
-آل عمران

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

إعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يعرض ويتولى بقوله {وإن تُوَلُّواْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ } أردفه بصفة هذا المتولي فذكر ثلاثة أنواع من الصفات:

الصفة الأولى: قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ }.

فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله واليهود والنصارى ما كانوا كذلك لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد.

قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن نصرف آيات الله إلى المعهود السابق وهو القرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم الثاني: أن نحمله على العموم، ونقول إن من كذب بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يكذب بجميع آيات الله تعالى لأن من تناقض لا يكون مؤمناً بشيء من الآيات إذ لو كان مؤمناً بشيء منها لآمن بالجميع.

الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الحسن {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } وهو للمبالغة.

المسألة الثانية: روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرأ هذه الآية ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّاً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله تعالى، وأيضاً القوم قتلوا يحيـى بن ذكريا، وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم فعلى قولهم ثبت أنهم كانوا يقتلون الأنبياء."

وفي الآية سؤالات:

السؤال الأول: إذا كان قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } في حكم المستقبل، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك؟.

والجواب من وجهين الأول: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضياً به وجارياً على طريقته الثاني: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى عصمه منهم، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز، كما يقال: النار محرقة، والسم قاتل، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل، فكذا ههنا لا يصح أن يكون إلا كذلك.

السؤال الثاني: ما الفائدة في قوله {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ } وقتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك.

والجواب: ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة، والمراد منه شرح عظم ذنبهم، وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل.

السؤال الثالث: قوله {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ } ظاهره مشعر بأنهم قتلوا الكل، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل ولا الأكثر ولا النصف.

والجواب: الألف واللام محمولان على المعهود لا على الاستغراق.

الصفة الثالثة: قوله {وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة وحده {ويقاتلون} بالألف والباقون {وَيَقْتُلُونَ } وهما سواء، لأنهم قد يقاتلون فيقتلون بالقتال، وقد يقتلون ابتداء من غير قتال وقرأ أُبي {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ }.

المسألة الثانية: قال الحسن: هذه الآية تدل على أن القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء، وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الجهاد أفضل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" .

واعلم أنه تعالى كما وصفهم بهذه الصفات الثلاثة، فقد ذكر وعيدهم من ثلاثة أوجه الأول: قوله {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: إنما دخلت الفاء في قوله {فَبَشّرْهُم } مع أنه خبران، لأنه في معنى الجزاء والتقدير: من يكفر فبشرهم.

المسألة الثانية: هذا محمول على الاستعارة، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله تعالى: { وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } [البقرة: 25].

النوع الثاني من الوعيد: قوله {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ }.

إعلم أنه تعالى بيّن بهذا أن محاسن أعمال الكفار محبطة في الدنيا والآخرة، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب.

النوع الثالث من وعيدهم: قوله تعالى: {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ }.

إعلم أنه تعالى بيّن بالنوع الأول من الوعيد اجتماع أسباب الآلام والمكروهات في حقهم وبيّن بالنوع الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وبيّن بهذا الوجه الثالث لزوم ذلك في حقهم على وجه لا يكون لهم ناصر ولا دافع والله أعلم.