التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً
٤٥
وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً
٤٦
-الأحزاب

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

قد ذكرنا أن السورة فيها تأديب للنبـي عليه السلام من ربه فقوله في ابتدائها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } اشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع ربه وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ } إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ } إشارة إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق وقوله تعالى: {شَـٰهِداً } يحتمل وجوهاً أحدهما: أنه شاهد على الخلق يوم القيامة كما قال تعالى: { { وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } } [البقرة: 143] وعلى هذا فالنبـي بعث شاهداً أي متحملاً للشهادة ويكون في الآخرة شهيداً أي مؤدياً لما تحمله ثانيها: أنه شاهد أن لا إله إلا الله، وعلى هذا لطيفة وهو أن الله جعل النبـي شاهداً على الوحدانية والشاهد لا يكون مدعياً فالله تعالى لم يجعل النبـي في مسئلة الوحدانية مدعياً لها لأن المدعي من يقول شيئاً على خلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس والنبـي عليه السلام كان ادعى النبوة فجعل الله نفسه شاهداً له في مجازاة كونه شاهداً لله فقال تعالى: { { وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ } } [المنافقون: 1] وثالثها: أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا بالطاعة والمعصية والصلاح والفساد وقوله: {وَمُبَشّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً } فيه ترتيب حسن وذلك من حيث إن النبـي عليه السلام أرسل شاهداً بقوله لا إله إلا الله ويرغب في ذلك بالبشارة فإن لم يكف ذلك يرهب بالإنذار ثم لا يكتفي بقولهم لا إله إلا الله بل يدعوهم إلى سبيل الله كما قال تعالى: { { ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ } } [النحل: 125] وقوله: {وَسِرَاجاً مُّنِيراً } أي مبرهناً على ما يقول مظهراً له بأوضح الحجج وهو المراد بقوله تعالى: { { بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } } [النحل: 125].

وفيه لطائف إحداها: قوله تعالى: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ } حيث لم يقل وشاهداً بإذنه ومبشراً وعند الدعاء قال وداعياً بإذنه، وذلك لأن من يقول عن ملك إنه ملك الدنيا لا غيره لا يحتاج فيه إلى إذن منه فإنه وصفه بما فيه وكذلك إذا قال من يطيعه يسعد ومن يعصه يشقى يكون مبشراً ونذيراً ولا يحتاج إلى إذن من الملك في ذلك، وأما إذا قال تعالوا إلى سماطه، واحضروا على خوانه يحتاج فيه إلى إذنه فقال تعالى: {وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ } ووجه آخر وهو أن النبـي يقول إني أدعو إلى الله والولي يدعو إلى الله، والأول لا إذن له فيه من أحد، والثاني مأذون من جهة النبـي عليه السلام كما قال تعالى: { { قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى ٱدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } } [يوسف: 108] وقال عليه الصلاة والسلام: "رحم الله عبداً سمع مقالتي فأداها كما سمعها" والنبـي عليه السلام هو المأذون من الله في الدعاء إليه من غير واسطة.

اللطيفة الثانية: قال في حق النبـي عليه السلام سراجاً ولم يقل إنه شمس مع أنه أشد إضاءة من السراج لفوائد منها، أن الشمس نورها لا يؤخذ منه شيء والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة فإذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه، وكذلك إن غاب والنبـي عليه السلام كان كذلك إذ كل صحابـي أخذ منه نور الهداية كما قال عليه السلام: "أصحابـي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وفي الخبر لطيفة وإن كانت ليست من التفسير ولكن الكلام يجر الكلام وهي أن النبـي عليه السلام لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل له في نفسه نور إذا غرب هو لا يبقى نور مستفاد منه، وكذلك الصحابـي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبـي عليه السلام ولا يأخذ منه إلا قول النبـي عليه السلام وفعله، فأنوار المجتهدين كلهم من النبـي عليه السلام ولم جعلهم كالسرج والنبـي عليه السلام أيضاً سراج كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد منهم ويأخذ النور ممن اختار، وليس كذلك فإن مع نص النبـي عليه السلام لا يعمل بقول الصحابـي فيؤخذ من النبـي النور ولا يؤخذ من الصحابـي فلم يجعله سراجاً وهذا يوجب ضعفاً في حديث سراج الأمة والمحدثون ذكروه وفي تفسير السراج وجه آخر وهو أن المراد منه القرآن وتقديره إنا أرسلناك، وسراجاً منيراً عطفاً على محل الكاف أي وأرسلنا سراجاً منيراً وعلى قولنا إنه عطف على {مبشراً ونذيراً} يكون معناه وذا سراج لأن الحال لا يكون إلا وصفاً للفاعل أو المفعول، والسراج ليس وصفاً لأن النبـي عليه السلام لم يكن سراجاً حقيقة أو يكون كقول القائل رأيته أسداً أي شجاعاً فقوله سراجاً أي هادياً مبيناً كالسراج يرى الطريق ويبين الأمر.