التفاسير

< >
عرض

وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ
١٢
-سبأ

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرىء {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ } بالرفع وبالنصب وجه الرفع ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت لسليمان الريح ووجه النصب ولسليمان سخرنا الريح وللرفع وجه آخر وهو أن يقال معناه: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ } كما يقال لزيد الدار، وذلك لأن الريح كانت له كالمملوك المختص به يأمرها بما يريد حيث يريد.

المسألة الثانية: الواو للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفاً لجملة إسمية على جملة فعلية وهو لا يجوز أولا يحسن فكيف هذا فنقول لما بين حال داود كأنه تعالى قال ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح، وأما على النصب فعلى قولنا: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } كأنه قال: وألنا لداود الحديد وسخرنا لسليمان الريح.

المسألة الثالثة: المسخر لسليمان كانت ريحاً مخصوصة لا هذه الرياح، فإنها المنافع عامة في أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على التوحيد فما قرأ أحد الرياح.

المسألة الرابعة: قال بعض الناس: المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء { وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } } [الإسراء: 44]، وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحها فيسبح، ومن تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح وقوله: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ } ثلاثون فرسخاً لأن من يخرج للتفرج في أكثر الأمر لا يسير أكثر من فرسخ ويرجع كذلك، وقوله في حق داود: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وقوله في حق سليمان: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } أنهم استخرجوا تذويب الحديد والنحاس بالنار واستعمال الآلات منهما والشياطين أي أناساً أقوياء وهذا كله فاسد حمله على هذا ضعف اعتقاده [و] عدم اعتماده على قدرة الله والله قادر على كل ممكن وهذه أشياء ممكنة.

المسألة الخامسة: أقول قوله تعالى: { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالُ } } [الأنبياء: 79] وقوله: { وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً } } [الأنبياء: 81] لو قال قائل ما الحكمة في أن الله تعالى قال في الأنبياء: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالُ } وفي هذه السورة قال: { يٰجِبَالُ أَوّبِي مَعَهُ } } [سبأ: 10] وقال في الريح هناك وههنا: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ } تقول الجبال لما سبحت شرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة له وهذا حسن وفيه أمر آخر معقول يظهر لي وهو أن على قولنا: {أَوّبِي مَعَهُ } سيري فالجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تحرك سليمان مع نفسها، فلم يقل الريح مع سليمان، بل سليمان كان مع الريح {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } أي النحاس {وَمِنَ ٱلْجِنّ } أي سخرنا له من الجن، وهذا ينبـىء عن أن جميعهم ما كانوا تحت أمره وهو الظاهر.

واعلم أن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان عليهما الصلاة والسلام فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان، وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى الثقيل مكانه، لكن الجبال كانت أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح فقدر الله أن سار الثقيل مع الخفيف أي الجبال مع داود على ما قلنا: {أَوّبِى } أي سيري وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضاً، والطير من جنس تسخير الجن لأنهما لا يجتمعان مع الإنسان؛ الطير لنفوره من الإنس والإنس لنفوره من الجن، فإن الإنسان يتقي مواضع الجن، والجن يطلب أبداً اصطياد الإنسان والإنسان يطلب اصطياد الطير فقدر الله أن صار الطير لا ينفر من داود بل يستأنس به ويطلبه، وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه وأما القطر والحديد فتجاذبهما غير خفي وههنا لطيفة: وهي أن الآدمي ينبغي أن يتقي الجن ويجتنبه والاجتماع به يفضي إلى المفسدة ولهذا قال تعالى: { أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ } } [المؤمنون: 97، 98] فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى: {مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ } إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة ولطيفة أخرى: وهي أن الله تعالى قال ههنا: {بِإِذْنِ رَبّهِ } بلفظ الرب وقال: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } ولم يقل عن أمر ربه، وذلك لأن الرب لفظ ينبـىء عن الرحمة، فعندما كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال: {رَبِهِ } وعندما كانت الإشارة إلى تعذيبهم قال: {عَنْ أَمْرِنَا } بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف وقوله تعالى: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } فيه وجهان أحدهما: أن الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من نار فالإشارة إليه وثانيهما: أن السعير هو ما يكون في الآخرة فأوعدهم بما في الآخرة من العذاب.