التفاسير

< >
عرض

أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ
٢٤
-محمد

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

ولنذكر تفسيرها في مسائل:

المسألة الأولى: لما قال الله تعالى: { فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } [محمد: 23] كيف يمكنهم التدبر في القرآن قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } وهو كقول القائل للأعمى أبصر وللأصم اسمع؟ فنقول الجواب: عنه من ثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من البعض الأول: تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم أنه لا يؤمن بأن يؤمن، فكذلك جاز أن يعميهم ويذمهم على ترك التدبر الثاني: أن قوله {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } المراد منه الناس الثالث: أن نقول هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة، فإنه تعالى قال: { أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } [محمد: 23] أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير أو غير ذلك من الأمور الحسنة {فَأَصَمَّهُمْ } لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام فإذن هم بين أمرين، إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه، لأن الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق، والقرآن منهما الصنف الأعلى بل النوع الأشرف، وأما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة، تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعودين، أم على قلوب أقفال فيتدبرون ولا يفهمون، وعلى هذا لا نحتاج أن نقول أم بمعنى بل، بل هي على حقيقتها للاستفهام واقعة في وسط الكلام والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر، وأم دخلت على القلوب التي في وسط الكلام.

المسألة الثانية: قوله {عَلَىٰ قُلُوبٍ } على التنكير ما الفائدة فيه؟ نقول قال الزمخشري يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون للتنبيه على كونه موصوفاً لأن النكرة بالوصف أولى من المعرفة فكأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة الثاني: أن يكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأن النكرة لا تعم، تقول جاءني رجال فيفهم البعض وجاءني الرجال فيفهم الكل، ونحن نقول التنكير للقلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب، وذلك لأن القلب إذا كان عارفاً كان معروفاً لأن القلب خلق للمعرفة، فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه لا يعرف، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان هذا سبع، ولذلك يقال هذا ليس بقلب هذا حجر. إذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام وإما بالإضافة، واللام لتعريف الجنس أو للعهد، ولم يمكن إرادة الجنس إذ ليس على قلب قفل، ولا تعريف العهد لأن ذلك القلب ليس ينبغي أن يقال له قلب، وأما بالإضافة بأن نقول على قلوب أقفالها وهي لعدم عود فائدة إليهم، كأنها ليست لهم. فإن قيل فقد قال: { خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } [البقرة: 7] وقال: { فَوَيْلٌ لّلْقَـٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ } [الزمر: 22] فنقول الأقفال أبلغ من الختم فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً.

المسألة الثالثة: في قوله {أَقْفَالُهَا } بالإضافة ولم يقل أقفال كما قال: {قُلُوبٍ } لأن الأقفال كانت من شأنها فأضافها إليها كأنها ليست إلا لها، وفي الجملة لم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها، ونقول أراد به أقفالاً مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد.