التفاسير

< >
عرض

مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ
٧٦
فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
٧٧
-الرحمن

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الحكمة في تأخير ذكر اتكائهم عن ذكر نسائهم في هذا الموضع مع أنه تعالى قدم ذكر اتكائهم على ذكر نسائهم في الجنتين المتقدمتين حيث قال: { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ } [الرحمٰن: 54] ثم قال: { قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } [الرحمٰن: 56] وقال ههنا: { فِيهِنَّ خَيْرٰتٌ حِسَانٌ } [الرحمٰن: 70] ثم قال: {مُتَّكِئِينَ }؟ والجواب عنه من وجهين أحدهما: أن أهل الجنة ليس عليهم تعب وحركة فهم منعمون دائماً لكن الناس في الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستفيض وعند قضاء وطره يستعمل الاغتسال والانتشار في الأرض للكسب، ومنهم من يكون متردداً في طلب الكسب وعند تحصيله يرجع إلى أهله ويريح قلبه من التعب قبل قضاء الوطر فيكون التعب لازماً قبل قضاء الوطر أو بعده فالله تعالى قال في بيان أهل الجنة: متكئين قبل الاجتماع بأهلهم وبعد الاجتماع كذلك، ليعلم أنهم دائم على السكون فلا تعب لهم لا قبل الاجتماع ولا بعد الاجتماع وثانيهما: هو أنا بينا في الوجهين المتقدمين أن الجنتين المتقدمتين لأهل الجنة الذين جاهدوا والمتأخرين لذرياتهم الذين ألحقوا بهم، فهم فيهما وأهلهم في الخيام منتظرات قدوم أزواجهن، فإذا دخل المؤمن جنته التي هي سكناه يتكىء على الفرش وتنتقل إليه أزواجه الحسان، فكونهن في الجنتين المتقدمتين بعد اتكائهم على الفرش، وأما كونهم في الجنتين المتأخرتين فذلك حاصل في يومنا، واتكاء المؤمن غير حاصل في يومنا، فقدم ذكر كونهن فيهن هنا وأخره هناك. و {مُتَّكِئِينَ } حال والعامل فيه ما دل عليه قوله: { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ } [الرحمٰن: 74] وذلك في قوة الاستثناء كأنه قال: لم يطمثهن إلا المؤمنون فإنهم يطمثوهن متكئين وما ذكرنا من قبل في قوله تعالى: { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ } [الرحمٰن: 54] يقال هنا.

المسألة الثانية: الرفرف إما أن يكون أصله من رف الزرع إذا بلغ من نضارته فيكون مناسباً لقوله تعالى: { مُدْهَامَّتَانِ } [الرحمٰن: 64] ويكون التقدير أنهم متكئون على الرياض والثياب العبقرية، وإما أن يكون من رفرفة الطائر، وهي حومة في الهواء حول ما يريد النزول عليه فيكون المعنى أنهم على بسط مرفوعة كما قال تعالى: { وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } [الواقعة: 34] وهذا يدل على أن قوله تعالى: { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } [الرحمٰن: 62] أنهما دونهما في المكان حيث رفعت فرشهم، وقوله تعالى: {خُضْرٍ } صيغة جمع فالرفرف يكون جمعاً لكونه اسم جنس ويكون واحده رفرفة كحنظلة وحنظل والجمع في متكئين يدل عليه فإنه لما قال: {مُتَّكِئِينَ } دل على أنهم على رفارف.

المسألة الثالثة: ما الفرق بين الفرش والرفرف حيث لم يقل: رفارف اكتفاء بما يدل عليه قوله: {مُتَّكِئِينَ } وقال: {فُرُشٍ } ولم يكتف بما يدل عليه ذلك؟ نقول: جمع الرباعي أثقل من جمع الثلاثي، ولهذا لم يجيء للجمع في الرباعي إلا مثال واحد وأمثلة الجمع في الثلاثي كثيرة وقد قرىء: (على رفارف خضر)، و (رفارف خضار وعباقر).

المسألة الرابعة: إذ قلنا: إن الرفرف هي البسط فما الفائدة في الخضر حيث وصف تعالى ثياب الجنة بكونها خضراً قال تعالى: { ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ } [الإنسان: 21] نقول: ميل الناس إلى اللون الأخضر في الدنيا أكثر، وسبب الميل إليه هو أن الألوان التي يظن أنها أصول الألوان سبعة وهي الشفاف وهو الذي لا يمنع نفوذ البصر فيه ولا يحجب ما وراءه كالزجاج والماء الصافي وغيرهما ثم الأبيض بعده ثم الأصفر ثم الأحمر ثم الأخضر ثم الأزرق ثم الأسود والأظهر أن الألوان الأصلية ثلاثة الأبيض والأسود وبينهما غاية الخلاف والأحمر متوسط بين الأبيض والأسود فإن الدم خلق على اللون المتوسط، فإن لم تكن الصحة على ما ينبغي فإن كان لفرط البرودة فيه كان أبيض وإن كان لفرط الحرارة فيه كان أسود لكن هذه الثلاثة يحصل منها الألوان الأخر فالأبيض إذا امتزج بالأحمر حصل الأصفر يدل عليه مزج اللبن الأبيض بالدم وغيره من الأشياء الحمر وإذا امتزج الأبيض بالأسود حصل اللون الأزرق يدل عليه خلط الجص المدقوق بالفحم وإذا امتزج الأحمر بالأسود حصل الأزرق أيضاً لكنه إلى السواد أميل، وإذا امتزج الأصفر بالأزرق حصل الأخضر من الأصفر والأزرق وقد علم أن الأصفر من الأبيض والأحمر والأزرق من الأبيض والأسود والأحمر والأسود فالأخضر حصل فيه الألوان الثلاثة الأصلية فيكون ميل الإنسان إليه لكونه مشتملاً على الألوان الأصلية وهذا بعيد جداً والأقرب أن الأبيض يفرق البصر ولهذا لا يقدر الإنسان على إدامة النظر في الأرض عند كونها مستورة بالثلج وإنه يورث الجهر والنظر إلى الأشياء السود يجمع البصر ولهذا كره الإنسان النظر إليه وإلى الأشياء الحمر كالدم والأخضر لما اجتمع فيه الأمور الثلاثة دفع بعضها أذى بعض وحصل اللون الممتزج من الأشياء التي في بدن الإنسان وهي الأحمر والأبيض والأصفر والأسود ولما كان ميل النفس في الدنيا إلى الأخضر ذكر الله تعالى في الآخرة ما هو على مقتضى طبعه في الدنيا.

المسألة الخامسة: العبقري منسوب إلى عبقر وهو عند العرب موضع من مواضع الجن فالثياب المعمولة عملاً جيداً يسمونها عبقريات مبالغة في حسنها كأنها ليست من عمل الإنس، ويستعمل في غير الثياب أيضاً حتى يقال للرجل الذي يعمل عملاً عجيباً: هو عبقري أي من ذلك البلد قال صلى الله عليه وسلم في المنام الذي رآه: "فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه" واكتفى بذكر اسم الجنس عن الجمع ووصفه بما توصف به الجموع فقال حسان: وذلك لما بينا أن جمع الرباعي يستثقل بعض الاستثقال، وأما من قرأ: {عباقري} فقد جعل اسم ذلك الموضع عباقر فإن زعم أنه جمعه فقد وهم، وإن جمع العبقري ثم نسب فقد التزم تكلفاً خلاف ما كلف الأدباء التزامه فإنهم في الجمع إذا نسبوا ردوه إلى الواحد وهذا القارىء تكلف في الواحد ورده إلى الجمع ثم نسبه لأن عند العرب ليس في الوجود بلاد كلها عبقر حتى تجمع ويقال: عباقر، فهذا تكلف الجمع فيما لا جمع له ثم نسب إلى ذلك الجمع والأدباء تكره الجمع فيما ينسب لئلا يجمعوا بين الجمع والنسبة.