التفاسير

< >
عرض

فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
٨
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
٩
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٠
-التغابن

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

قوله: {فَـئَامِنُواْ } يجوز أن يكون صلة لما تقدم لأنه تعالى لما ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وذلك لكفرهم بالله وتكذيب الرسل قال: {فَـئَامِنُواْ } أنتم {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة {وَٱلنّورِ ٱلَّذِى أَنزَلْنَا } وهو القرآن فإنه يهتدى به في الشبهات كما يهتدى بالنور في الظلمات، وإنما ذكر النور الذي هو القرآن لما أنه مشتمل على الدلالات الظاهرة على البعث، ثم ذكر في «الكشاف» أنه عنى برسوله والنور محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } أي بما تسرون وما تعلنون فراقبوه وخافوه في الحالين جميعاً وقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ } يريد به يوم القيامة جمع فيه أهل السموات وأهل الأرض، و{ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ } والتغابن تفاعل من الغبن في المجازاة والتجارات، يقال: غبنه يغبنه غبناً إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن قوماً في النار يعذبون وقوماً في الجنة يتنعمون، وقيل: هو يوم يغبن فيه أهل الحق، أهل الباطل، وأهل الهدى أهل الضلالة، وأهل الإيمان. أهل الكفر، فلا غبن أبين من هذا، وفي الجملة فالغبن في البيع والشراء وقد ذكر تعالى في حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة واشتروا الضلالة بالهدى، ثم ذكر أنهم ما ربحت تجارتهم ودل المؤمنين على تجارة رابحة، فقال: { هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ } [الصف: 10] الآية، وذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة فخسرت صفقة الكفار وربحت صفقة المؤمنين، وقوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحاً } يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة والنار وغير ذلك، ويعمل صالحاً أي يعمل في إيمانه صالحاً إلى أن يموت، قرىء يجمعكم ويكفر ويدخل بالياء والنون، وقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي بوحدانية الله تعالى وبقدرته {وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } أي بآياته الدالة على البعث {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } ثم في الآية مباحث:

الأول: قال: {فآمنوا بالله رسوله } بطريق الإضافة، ولم يقل: ونوره الذي أنزلنا بطريق الإضافة مع أن النور ههنا هو القرآن والقرآن كلامه ومضاف إليه؟ نقول: الألف واللام في النور بمعنى الإضافة كأنه قال: ورسوله ونوره الذي أنزلنا.

الثاني: بم انتصب الظرف؟ نقول: قال الزجاج: بقوله: {لَتُبْعَثُنَّ } وفي «الكشاف» بقوله: {لَتُنَبَّؤُنَّ } أو بخبير لما فيه من معنى الوعيد. كأنه قيل: والله معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار اذكر.

الثالث: قال تعالى في الإيمان: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ } بلفظ المستقبل، وفي الكفر وقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بلفظ الماضي، فنقول: تقدير الكلام: ومن يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآياتنا يدخله جنات ومن لم يؤمن منهم أولئك أصحاب النار.

الرابع: قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن } بلفظ الواحد و{خَـٰلِدِينَ فِيهَا } بلفظ الجمع، نقول: ذلك بحسب اللفظ، وهذا بحسب المعنى.

الخامس: ما الحكمة في قوله: {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } بعد قوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } وذلك بئس المصير فنقول: ذلك وإن كان في معناه فلا يدل عليه بطريق التصريح فالتصريح مما يؤكده.