التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ
٢١
ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ
٢٢
كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ
٢٣
فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ
٢٤
أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً
٢٥
ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً
٢٦
فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً
٢٧
وَعِنَباً وَقَضْباً
٢٨
وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً
٢٩
وَحَدَآئِقَ غُلْباً
٣٠
وَفَاكِهَةً وَأَبّاً
٣١
مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ
٣٢
فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ
٣٣
يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
٣٤
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
٣٥
وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
٣٦
لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
٣٧
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ
٣٨
ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ
٣٩
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
٤٠
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
٤١
أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ
٤٢
-عبس

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضاً على ثلاث مراتب، الإماتة، والإقبار، والإنشار، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب، ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة، وأما الإقبار فقال الفراء: جعله الله مقبوراً ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع، لأن القبر مما أكرم به المسلم قال: ولم يقل فقبره، لأن القابر هو الدافن بيده. والمقبر هو الله تعالى، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت، إذا أمر غيره بأن يجعله في القبر، والعرب تقول: بترت ذنب البعير، والله أبتره وعضبت قرن الثور، والله أعضبه، وطردت فلاناً عني، والله أطرده. أي صيره طريداً، وقوله تعالى: {ثم إذا شاء أنشره} المراد منه الإحياء (و) البعث، وإنما قال: إذا شاء إشعاراً بأن وقته غير معلوم لنا، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حداً معلوماً. {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ}. واعلم أن قوله: {كلا} ردع للإنسان عن تكبره وترفعه، أو عن كفره وإصراره على إنكار التوحيد، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر، وفي قوله: {لما يقض ما أمره} وجوه أحدها: قال مجاهد لا يقضي أحد جميع ما كان مفروضاً عليه أبداً، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن تقصير ألبتة، وهذا التفسير عندي فيه نظر، لأن قوله: {لما يقض} الضمير فيه عائد إلى المذكور السابق، وهو الإنسان في قوله: { قتل الإنسان ما أكفره } [عبس: 17] وليس المراد من الإنسان ههنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله: {لما يقض} كيف يمكن حمله على جميع الناس وثانيها: أن يكون المعنى أن الإنسان المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر، إذ المعنى أن ذلك الإنسان الكافر لما يقض ما أمر به من التأمل في دلائل الله، والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته وثالثها: قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يقض له به. واعلم أن عادة الله تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى ههنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه. فقال: {فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}. الذي يعيش به كيف دبرنا أمره، ولا شك أنه موضع الاعتبار، فإن الطعام الذي يتناول الإنسان له حالتان إحداهما: متقدمة وهي الأمور التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود والثانية: متأخرة، وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول، ولما كان النوع الأول أظهر للحسن وأبعد عن الشبهة، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكره، لأن دلائل القرآن لا بد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق، فلا بد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة، وهذا هو المراد من قوله: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض، فالسماء كالذكر، والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزل القطر. قوله: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبًّا}. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله {صببنا} المراد منه الغيث، ثم انظر في أنه كيف حدث المشتمل على هذه المياه العظيمة، وكيف بقي معلقاً في جو السماء مع غاية ثقله، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة، حتى يلوح لك شيء من آثار نور الله وعدله وحكمته، وفي تدبير خلقة هذا العالم. المسألة الثانية: قرىء (إنا) بالكسر، وهو على الاستئناف، وأنا بالفتح على البدل من الطعام والتقدير فلينظر الإنسان إلى أن كيف صببنا الماء قال أبو علي الفارسي: من قرأ بكسر إنا كان ذلك تفسيراً للنظر إلى طعامه كما أن قوله: { لهم مغفرة } [الأنفال: 74] تفسير للوعد، ومن فتح فعلى معنى البدل بدل الاشتمال، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه، فهو كقوله: { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] وقوله: { قتل أصحاب الأخدود * النار } [البروج: 4، 5]. قوله تعالى: {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا}. والمراد شق الأرض بالنبات، ثم ذكر تعالى ثمانية أنواع من النبات: أولها: الحب: وهو المشار إليه بقوله: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا}. وهو كل ما حصد من نحو الحنطة وغيرهما، وإنما قدم ذلك لأن كالأصل في الأغذية. {وَعِنَبًا وَقَضْبًا}. وثانيها: قوله تعالى: {وعنباً} وإنما ذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه. وثالثها: قوله تعالى: {وقضباً} وفيه قولان: الأول: أنه الرطبة وهي التي إذا يبست سميت بالقت، وأهل مكة يسمونها بالقضب وأصله من القطع، وذلك لأنه يقضب مرة بعد أخرى، وكذلك القضيب لأنه يقضب أي يقطع. وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبي عبيدة والأصمعي. والثاني: قال المبرد: القضب هو العلف بعينه، وأصله من أنه يقضب أي يقطع وهو قول الحسن. والرابع والخامس: قوله تعالى: {وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً} ومنافعهما قد تقدمت في هذا الكتاب. وسادسها: قوله تعالى: {وَحَدَآئِقَ غُلْبًا} الأصل في الوصف بالغلب الرقاب فالغلب الغلاظ الأعناق الواحد أغلب يقال أسد أغلب، ثم ههنا قولان: الأول: أن يكون المراد وصف كل حديقة بأن أشجارها متكاثفة متقاربة، وهذا قول مجاهد ومقاتل قالا: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض، يقال اغلوب العشب واغلولبت الأرض إذا التف عشبها. والثاني: أن يكون المراد وصف كل واحد من الأشجار بالغلظ والعظم، قال عطاء عن ابن عباس: يريد الشجر العظام، وقال الفراء: الغلب ما غلظ من النخل. {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا}. {مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}. وسابعها: قوله: {وفاكهة} وقد استدل بعضهم بأن الله تعالى لما ذكر الفاكهة معطوفة على العنب والزيتون والنخل وجب أن لا تدخل هذه الأشياء في الفاكهة، وهذا قريب من جهة، الظاهرة، لأن المعطوف مغاير للمعطوف عليه. وثامنها: قوله تعالى: {وأباً} والأب هو المرعى، قال صاحب «الكشاف»: لأنه يؤب أي يؤم وينتجع، والأب والأم أخوان قال الشاعر:

جذمنا قيس ونجد دارنا لنا الأب به والمكرع

وقيل الأب الفاكهة اليابسة لأنها تؤدب للشتاء أي تعد، ولما ذكر الله تعالى ما يغتذى به الناس والحيوان. قال: {متاعاً لكم ولأنعامكم}. قال الفراء: خلقناه منفعة ومتعة لكم ولأنعامكم، وقال الزجاج: هو منصوب لأنه مصدر مؤكد لقوله: {فأنبتنا} لأن إنباته هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوان. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء وكان المقصود منها أموراً ثلاثة: أولها: الدلائل الدالة على التوحيد وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة على المعاد وثالثها: أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان، لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع هذه الجملة بما يكون مؤكداً لهذه الأغراض وهو شرح أهوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه ذلك أيضاً إلى ترك التكبر على الناس، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد، فلا جرم ذكر القيامة: فقال: {فَإِذَا جَآءَتِ الصَّآخَّةُ}. قال المفسرون يعني صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة، قال الزجاج: أصل الصخ في اللغة الطعن والصك، يقال صخ رأسه بحجر أي شدخه والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن، فمعنى الصاخة الصاكة بشدة صوتها للآذان، وذكر صاحب «الكشاف» وجهاً آخر فقال: يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً لأن الناس يصخون لها أي يستمعون. ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}. {وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}. {وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو التباعد والاحتراز والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات. يقول الأخ: ما واسيتني بمالك، والأبوان يقولان قصرت في برنا، والصاحبة تقول أطعمتني الحرام، وفعلت وصنعت، والبنون يقولون: ما علمتنا وما أرشدتنا، وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح، ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد، بل المعنى أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه، وهو كقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [البقرة: 166] وأما الفرار من نصرته، وهو كقوله تعالى: { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً } [الدخان: 41] وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى: { ولا يسأل حميم حميماً } [المعارج: 10]. المسألة الثانية: المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ويستجير بهم، فإنه يفر منهم في دار الآخرة، ذكروا في فائدة الترتيب كأنه قيل: {يوم يفر المرء من أخيه} بل من أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من الصاحبة والولد، لأن تعلق القلب بهما أشد من تعلقه بالأبوين. ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأَنٌ يُغْنِيهِ}. وفي قوله: {يغنيه} وجهان الأول: قال ابن قتيبة: يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد:

سيغنيك حرب بني مالك عن الفحش والجهل في المحفل

أي سيشغلك، ويقال أغن عني وجهك أي أصرفه الثاني: قال أهل المعاني: يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهم آخر، فصارت شبيهاً بالغنى في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير. واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول، بين أن المكلفين فيه على قسمين منهم السعداء، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ}. {ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ}. مسفرة مضيئة متهللة، من أسفر الصبح إذا أضاء، وعن ابن عباس من قيام الليل لما روى من كثرت صلاته بالليل، حسن وجهه بالنهار، وعن الضحاك، من آثار الوضوء، وقيل: من طول ما أغبرت في سبيل الله، وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة، قال الكلبي: يعني بالفراغ من الحساب مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه، واعلم أن قوله: مسفرة إشارة إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة، فهما محمولتان على القوة النظرية والعملية، أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ }. {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}. {أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}. قال المبرد: الغبرة ما يصيب الإنسان من الغبار، وقوله: {ترهقها} أي تدركها عن قرب، كقولك رهقت الجبل إذا لحقته بسرعة، والرهق عجلة الهلاك، والقترة سواد كالدخان، ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، كما ترى وجوه الزنوج إذا أغبرت، وكأن الله تعالى جمع في وجوههم بين السواد والغبرة، كما جمعوا بين الكفر والفجور، والله أعلم. واعلم أن المرئجة والخوارج تمسكوا بهذه الآية، أما المرجئة فقالوا: إن هذه الآية دلت على أن أهل القيامة قسمان: أهل الثواب، وأهل العقاب، ودلت على أن أهل العقاب هم الكفرة، وثبت بالدليل أن الفساق من أهل الصلاة ليسوا بكفرة، وإذا لم يكونوا من الكفرة كانوا من أهل الثواب، وذلك يدل على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس له عقاب، وأما الخوارج فإنهم قالوا: دلت سائر الدلائل على أن صاحب الكبيرة يعاقب، ودلت هذه الآية على أن كل من يعاقب فإنه كافر، فيلزم أن كل مذنب فإنه كافر والجواب: أكثر ما في الباب أن المذكور ههنا هو هذا الفريقان، وذلك لا يقتضي نفي الفريق الثالث، والله أعلم؛ والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين.