التفاسير

< >
عرض

خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
٢
-العلق

مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير

أما قوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير هذه الآية ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَ } لا يقدر له مفعول، ويكون المعنى أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه والثاني: أن يقدر له مفعول ويكون المعنى أنه الذي خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه مطلق، فليس حمله على البعض أولى من حمله على الباقي، كقولنا: الله أكبر، أي من كل شيء، ثم قوله بعد ذلك: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ } تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات، إما لأن التنزيل إليه أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض والثالث: أن يكون قوله: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } مبهماً ثم فسره بقوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ } تفخيماً لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته.

المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله تعالى، قالوا: لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات الله تعالى عن سائر الذوات، وكل صفة هذا شأنها فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، قالوا: وبهذا الطريق عرفنا أن خاصية الإلهية هي القدرة على الاختراع ومما يؤكد ذلك أن فرعون لما طلب حقيقة الإله، فقال: { وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } [الشعراء: 23] قال موسى: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } [الشعراء: 26] والربوبية إشارة إلى الخالقية التي ذكرها ههنا، وكل ذلك يدل على قولنا.

المسألة الثالثة: اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة الله تعالى، أو النظر في معرفة الله أو القصد إلى ذلك النظر على الاختلاف المشهور فيما بينهم، ثم إن الحكيم سبحانه لما أراد أن يبعثه رسولاً إلى المشركين، لو قال له: اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له، لأبوا أن يقبلوا ذلك منه، لكنه تعالى قدم ذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به كما يحكى إن زفر لما بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه، فلما ذكر أبو حنيفة زيفوه ولم يلتفتوا إليه، فرجع إلى أبي حنيفة. وأخبره بذلك، فقال إنك لم تعرف طريق التبليغ، لكن ارجع إليهم، واذكر في المسألة أقاويل أئمتهم ثم بين ضعفها، ثم قل بعد ذلك: ههنا قول آخر، واذكر قولي وحجتي، فإذا تمكن ذلك في قلبهم، فقل: هذا قول أبي حنيفة لأنهم حينئذ يستحيون فلا يردون، فكذا ههنا أن الحق سبحانه يقول: إن هؤلاء عباد الأوثان، فلو أثنيت علي وأعرضت عن الأوثان لأبوا ذلك، لكن اذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره، ثم قل: ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فبهذا التدريج يقرون بأني أنا المستحق للثناء دون الأوثان، كما قال تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [الزخرف: 87] ثم لما صارت الإلهية موقوفة على الخالقية وحصل القطع بأن من لم يخلق لم يكن إلهاً، فلهذا قال تعالى: { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } [النحل: 17] ودلت الآية على أن القول بالطبع باطل، لأن المؤثر فيه إن كان حادثاً افتقر إلى مؤثر آخر، وإن كان قديماً فإما أن يكون موجباً أو قادراً، فإن كان موجباً لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا أنه مختار وهو عالم لأن التغير حصل على الترتيب الموافق للمصلحة.

المسألة الرابعة: إنما قال: {مِنْ عَلَقٍ } على الجمع لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: { إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ } [العصر:2]. أما قوله تعالى: