التفاسير

< >
عرض

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ
٤٠
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٤١
-الرعد

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} «ما» زائدة، والتقدير: وإن نرِينك بعض الذي نعدهم، أي من العذاب لقوله: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وقوله: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ} أي إن أريناك بعض ما وعدناهم {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ} فليس عليك إلا البلاغ؛ أي التبليغ؛ {وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} أي الجزاء والعقوبة.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني أهل مكة، {أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ} أي نقصدها. {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} اختلف فيه؛ فقال ابن عباس ومجاهد: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} موت علمائها وصلحائها. قال القُشَيري: وعلى هذا فالأطراف الأشراف؛ وقد قال ٱبن الأعرابي: الطَّرَف والطَّرْف الرجل الكريم؛ ولكن هذا القول بعيد، لأن مقصود الآية: أنا أريناهم النقصان في أمورهم، ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز؛ إلا أن يحمل قول ابن عباس على موت أحبار اليهود والنصارى. وقال مجاهد أيضاً وقتادة والحسن: هو ما يغلب عليه المسلمون مما في أيدي المشركين؛ وروي ذلك عن ٱبن عباس، وعنه أيضاً هو خراب الأرض حتى يكون العمران في ناحية منها؛ وعن مجاهد: نقصانها خرابها وموت أهلها. وذكر وكيع بن الجرّاح عن طلحة بن عُمَير عن عطاء بن أبي رَبَاح في قول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} قال: ذهاب فقهائها وخيار أهلها. قال أبو عمر بن عبد البر: قول عطاء في تأويل الآية حسن جدّاً؛ تلقاه أهل العلم بالقبول.

قلت: وحكاه المهدويّ عن مجاهد وابن عمر، وهذا نص القول الأوّل نفسه؛ روى سفيان عن منصور عن مجاهد، «نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا» قال: موت الفقهاء والعلماء؛ ومعروف في اللغة أن الطَّرف الكريمُ من كل شيء؛ وهذا خلاف ما ٱرتضاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم من قول ٱبن عباس. وقال عِكْرِمة والشّعبيّ: هو النقصان وقبض الأنفس. قال أحدهما: ولو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حَشّك. وقال الآخر: لضاق عليك حشٌّ تتبرز فيه. قيل: المراد به هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وهلاك أرضهم بعدهم؛ والمعنى: أو لم تر قريش هلاك من قبلهم، وخراب أرضهم بعدهم؟ٰ أفلا يخافون أن يحلّ بهم مثل ذلك؛ وروي ذلك أيضاً عن ٱبن عباس ومجاهد وٱبن جُرَيج. وعن ٱبن عباس أيضاً أنه نقص بركات الأرض وثمارها وأهلها. وقيل: (نقصها) بِجَوْرِ وُلاَتها.

قلت: وهذا صحيح معنى؛ فإن الجور والظلم يخرب البلاد، بقتل أهلها وٱنجلائهم عنها، وترفع من الأرض البركة، والله أعلم.

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقص ولا تغيير. {وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} أي الانتقام من الكافرين، سريع الثواب للمؤمن. وقيل: لا يحتاج في حسابه إلى رَوِيّة قلب، ولا عقد بَنَان؛ حسب ما تقدّم في «البقرة» بيانه.