التفاسير

< >
عرض

وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً
٣٢
كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً
٣٣
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً
٣٤
-الكهف

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهو متّصل بقوله {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ}. واختلف في اسم هذين الرجلين وتعيينهما؛ فقال الكلبي: نزلت في أخوين من أهل مكة مخزوميين، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، زوجُ أمِّ سلمة قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم. والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد، وهما الأخوان المذكوران في سورة «الصافات» في قوله { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين } ٌ} [الصافات: 51]، وَرِث كل واحد منهما أربعة آلاف دينار، فأنفق أحدُهما مالَه في سبيل الله وطلب من أخيه شيئاً فقال ما قال...؛ ذكره الثعلبِيّ والقُشَيرِيّ. وقيل: نزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم وأهل مكة. وقيل: هو مَثَل لجميع مَن آمن بالله وجميع مَن كفر. وقيل: هو مَثَل لعُيَيْنة بن حِصْن وأصحابه مع سلمان وصُهيب وأصحابه؛ شبّههم الله برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا؛ في قول ابن عباس. وقال مقاتل: اسمه تمليخا. والآخر كافر واسمه قرطوش. وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة الصافات. وكذا ذكر محمد بن الحسن المقرىء قال: اسم الخَيِّر منهما تمليخا، والآخر قرطوش، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال فصار لكل واحد منهما ثلاثةُ آلاف دينار، فاشترى المؤمن منهما عبيداً بألف وأعتقهم، وبالألف الثانية ثياباً فكسا العُراة، وبالألف الثالثة طعاماً فأطعم الجُوّع، وبنى أيضاً مساجد، وفعل خيراً. وأما الآخر فنكح بماله نساء ذوات يسار، واشترى دواب وبقراً فاستنتجها فنمَت له نماء مُفْرِطاً، وٱتّجر بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غِنًى؛ وأدركت الأوّلَ الحاجةُ، فأراد أن يستخدم نفسه في جنة يخدمها فقال: لو ذهبت لشريكي وصاحبي فسألته أن يستخدمني في بعض جناته رجوت أن يكون ذلك أصلح بي، فجاءه فلم يَكدَ يصل إليه من غِلَظ الحجاب، فلما دخل عليه وعرفه وسأله حاجته قال له: ألم أكن قاسمتك المال نصفين! فما صنعتَ بمالك؟ قال: اشتريت به من الله تعالى ما هو خير منه وأبقى. فقال: أئنك لمن المصدّقين، ما أظن الساعة قائمةٰ وما أراك إلا سفيهاً، وما جزاؤك عندي على سفاهتك إلا الحرمان، أو ما ترى ما صنعتُ أنا بمالي حتى آل إلى ما تراه من الثروة وحسن الحال، وذلك أني كَسَبْت وسفهت أنت، أخرج عني. ثم كان من قصة هذا الغنيّ ما ذكره الله تعالى في القرآن من الإحاطة بثمره وذهابها أصلاً بما أرسل عليها من السماء من الحُسْبان. وقد ذكر الثعلبيّ هذه القصة بلفظ آخر، والمعنى متقارب. قال عطاء: كانا شريكين لهما ثمانية آلاف دينار. وقيل: ورِثاه من أبيهما وكانا أخوين فٱقتسماها، فٱشترى أحدهما أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلاناً قد اشترى أرضا بألف دينار وإني ٱشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدقَ بها، ثم إن صاحبه بنى داراً بألف دينار فقال: اللهم إن فلاناً بنى داراً بألف دينار وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف دينار، فتصدَّق بألف دينار، ثم تزوج امرأة فأنفق عليها ألف دينار، فقال: اللهم إن فلاناً تزوج ٱمرأة بألف دينار وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار، فتصدَّق بألف دينار. ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، وإني أشتري منك خَدَماً ومتاعاً من الجنة بألف دينار، فتصدَّق بألف دينار. ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لعلّ صاحبي ينالُنِي معروفه فأتاه فقال: ما فعل مالُك؟ فأخبره قصته فقال: وإنك لمن المصدّقين بهذا الحديث! والله لا أعطيك شيئا ثم قال له: أنت تعبد إلٰه السماء، وأنا لا أعبد إلا صنماً؛ فقال صاحبه: والله لأعظَنّه، فوعظه وذكّره وخوّفه. فقال: سِرْ بنا نصطد السمك، فمن صاد أكثر فهو على حق؛ فقال له: يا أخي! إن الدنيا أحقر عند الله من أن يجعلها ثواباً لمحسن أو عقاباً لكافر. قال: فأكرهه على الخروج معه، فٱبتلاهما الله، فجعل الكافرُ يرمي شبكته ويسمِّي بٱسم صنمه، فتطلع متدفّقة سمكاً. وجعل المؤمن يرمي شبكته ويسمي باسم الله فلا يطلُع له فيها شيء؛ فقال له: كيف ترىٰ أنا أكثر منك في الدنيا نصيباً ومنزلة ونَفَراً، كذلك أكون أفضلَ منك في الآخرة إن كان ما تقول بزعمك حقًّا. قال: فضَجّ المَلَك الموَكَّل بهما، فأمر الله تعالى جبريلَ أن يأخذه فيذهب به إلى الجِنان فيرِيَه منازل المؤمن فيها، فلما رأى ما أعد الله له قال: وعزّتك لا يضرّه ما ناله من الدنيا بعد ما يكون مصيره إلى هذا؛ وأراه منازل الكافر في جهنم فقال: وعزّتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا. ثم إن الله تعالى تَوفّى المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده، فلما استقر المؤمن في الجنة ورأى ما أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون، فقال: { إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يقول أئنّك لمِن المصَدِّقين } [الصافات: 51-52] » الآية؛ فنادى منادٍ: يأهل الجنة! هل أنتم مطَّلِعون فٱطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم؛ فنزلت {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً}.

بيّن الله تعالى حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة، وبين حالهما في الآخرة في سورة «الصافات» في قوله «إني كان لي قرين. يقول أئنك لمِن المصدقِين ـ إلى قوله ـ لمثل هذا فليعمل العاملون». قال ابن عطية: وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تِنّيس كانت هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة الله حتى عيّره الآخر، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة، وإياها عنى بهذه الآية. وقد قيل: إن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال متقدمة، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وجعله زجراً وإنذاراً؛ ذكره الماوردي. وسياق الآية يدلّ على خلاف هذا، والله أعلم.

قوله تعالى: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي أطفناهما من جوانبهما بنخل. والحِفاف الجانب، وجمعه أحِفّة؛ ويقال: حَفَّ القوم بفلان يَحُفُّون حَفًّا، أي طافوا به؛ ومنه { حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } [الزمر: 75]. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} أي جعلنا حول الأعناب النخل، ووسط الأعناب الزرع {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ} أي كلّ واحدة من الجنتين {آتَتْ أُكُلَهَا} تامّا، ولذلك لم يقل آتتا. وٱختُلف في لفظ «كِلْتا وكِلاَ» هل هو مفرد أو مثنّى؛ فقال أهل البصرة: هو مفرد؛ لأن كِلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير «كُلٍّ» في المجموع، وهو اسم مفرد غير مثنى؛ فإذا ولِيَ اسما ظاهراً كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة، تقول: رأيت كِلا الرجلين وجاءني كِلا الرجلين ومررت بكلا الرجلين؛ فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب، تقول: رأيت كِلَيْهِما ومررت بكليهما، كما تقول عليهما. وقال الفراء: هو مثنًّى، وهو مأخوذ من كُلٍّ فخفّفت اللام وزيدت الألف للتثنية. وكذلك كلتا للمؤنث، ولا يكونان إلا مضافين ولا يتكلم بواحد، ولو تكلم به لقيل: كِلْ وكِلْت وكِلان وكِلْتان. واحتج بقول الشاعر:

في كِلْتِ رجْليها سُلاَمى واحدَهْكِلتاهما مَقْرونةٌ بزائدهْ

أراد في إحدى رجليها فأفرد. وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة؛ لأنه لو كان مثنى لوجب أن تكون ألفه في النصب والجر ياءً مع الاسم الظاهر، ولأن معنى «كِلا» مخالف لمعنى «كل» لأن «كُلاًّ» للإحاطة و «كِلاَ» يدل على شيء مخصوص، وأما هذا الشاعر فإنما حذف الألف للضرورة وقدّر أنها زائدة، وما يكون ضرورة لا يجوز أن يجعل حجة، فثبت أنه اسم مفرد كَمِعَى، إلا أنه وُضع ليدل على التثنية، كما أن قولهم «نحن» اسم مفرد يدل على اثنين فما فوقهما، يدل على ذلك قول جرير:

كِلاَ يَوْمَيْ أُمامةَ يومُ صَدٍّوإن لم نأتها إلا لِمامَا

فأخبر عن «كلا» بيوم مفرد، كما أفرد الخبر بقوله «آتت» ولو كان مثنى لقال آتتا، ويوما. واختلف أيضاً في ألف «كلتا»؛ فقال سيبويه: ألف «كلتا» للتأنيث والتاء بدل من لام الفعل وهي واو والأصل كِلْوا، وإنما أبدلت تاء لأن في التاء علَم التأنيث، والألف «في كلتا» قد تصير ياء مع المضمر فتخرج عن علم التأنيث، فصار في إبدال الواو تاء تأكيدٌ للتأنيث. وقال أبو عمر الجَرْمِيّ: التاء ملحقة والألف لام الفعل، وتقديرها عنده: فِعْتَلٌ، ولو كان الأمر على ما زعم لقالوا في النسبة إليها كِلْتَوِيّ، فلما قالوا كِلَوِيّ وأسقطوا التاء دلّ على أنهم أجروها مُجْرى التاء في أخت إذا نسبت إليها قلت أَخَوِيّ؛ ذكره الجوهري. قال أبو جعفر النحاس: وأجاز النحويون في غير القرآن الحمل على المعنى، وأن تقول: كلتا الجنتين آتتا أكلهما؛ لأن المعنى المختار كلتاهما آتتا. وأجاز الفراء: كلتا الجنتين آتى أكله، قال: لأن المعنى كل الجنتين. قال: وفي قراءة عبد الله «كلّ الجنتين آتى أكله». والمعنى على هذا عند الفراء: كل شيء من الجنتين آتى أكله. والأُكُل (بضم الهمزة) ثمر النخل والشجر. وكل ما يؤكل فهو أكُل؛ ومنه قوله تعالى: { أُكُلُهَا دَآئِمٌ } [الرعد: 35] وقد تقدم. {وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً} أي لم تنقص.

قوله تعالى: {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين بنهر. {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} قرأ أبو جعفر وشَيْبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق «ثَمَر» بفتح الثاء والميم، وكذلك قوله {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} جمع ثمرة. قال الجوهري: الثمرة واحدة الثمر والثمرات، وجمع الثمر ثمار؛ مثل جبل وجبال. قال الفراء: وجمع الثمار ثُمُر؛ مثل كتاب وكتب، وجمع الثمر أثمار؛ مثل أعناق وعنق. والثمر أيضاً المال المُثَمَّر؛ يخفف ويثقّل. وقرأ أبو عمرو «وكان له ثُمْر» بضم الثاء وإسكان الميم، وفسره بأنواع المال. الباقون بضمها في الحرفين. قال ابن عباس: ذهب وفضة وأموال. وقد مضى في «الأنعام» نحو هذا مبيَّناً. وذكر النحاس: حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني عمران بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال حدثنا شعيب بن إسحاق قال أخبرنا هارون قال حدثني أبان عن ثعلب عن الأعمش أن الحجاج قال: لو سمعت أحداً يقرأ «وكان له ثُمُر» لقطعت لسانه؛ فقلت للأعمش: أتأخذ بذلك؟ فقال: لاٰ ولاَ نِعْمَةَ عينٍ. فكان يقرأ «ثُمُر» ويأخذه من جمع الثمر. قال النحاس: فالتقدير على هذا القول أنه جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمار على ثمر؛ وهو حسن في العربية إلا أن القول الأول أشبه والله أعلم؛ لأن قوله {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} يدل على أن له ثمراً.

قوله تعالى: {فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي يراجعه في الكلام ويجاوبه. والمحاورة المجاوبة، والتحاورُ التجاوب. ويقال: كلمته فما أحار إليّ جواباً، وما رجع إليّ حَويراً ولا حَوِيرة ولا مَحُورة ولا حِوَاراً؛ أي ما ردّ جواباً. {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} النفر: الرهط وهو ما دون العشرة. وأراد هاهنا الأتباع والخدم والولد، حسبما تقدّم بيانه.