التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٢١
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٢٢
-آل عمران

الجامع لاحكام القرآن

فيه ست مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ} قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن ٱتبعهم فيأمرون بالقِسط، أي بالعدل، فيُقتَلون. وقد روي عن ٱبن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقِسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتّقِيّة" وروى أبو عبيدة بن الجرّاح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار في ساعةٍ واحدة فقام مائة رجل وٱثنا عشر رجلاً من عُبّاد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية" . ذكره المهدوي وغيره. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبياً ثم تقوم سُوقُ بَقْلِهم من آخر النهار. فإن قال قائل: الذين وُعِظوا بهذا لم يقتلوا نبيا. فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته؛ وأيضاً فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم؛ قال الله عز وجل: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ } [الأنفال: 30].

الثانية: دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدّمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه" وعن درّة بنت أبي لهبٍ قالت: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: مَن خيرُ الناس يا رسول الله؟ قال: آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه" . وفي التنزيل: { ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ } [التوبة: 67] ثم قال: { وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } [التوبة: 71] فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان إذْ كانت إقامة الحدود إليه، والتعْزيز إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب؛ فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى: { ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } [الحج: 41].

الثالثة: وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلا عَدْل. وهذا ساقط؛ فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى: { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } } [البقرة: 44] وقوله: { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } [الصف: 3] ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذمّ ها هنا على ٱرتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرَّحى، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ } [البقرة: 44].

الرابعة: أجمع المسلمون فيما ذكر ٱبن عبدالبر أَنّ المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره؛ فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يُكلَّمُ مؤمن يُرجى أو جاهل يُعلَّم؛ فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال: ٱتّقنى آتقِنى فما لك وله. وقال ٱبن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكراً لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ٱبن لَهِيعَة عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمؤمن أن يُذِلّ نفسه. قالوا: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: يتعرّض من البلاء لِما لا يقوم له" .

قلت: وخرّجه ابن ماجه عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تُكُلِّمَ فيه. وروي عن بعض الصحابة أنه قال: "إن الرجل إذا رأى منكراً لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات اللهم إنّ هذا منكر فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه" ، وزعم ٱبن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضربَ أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحامُ عند هذا الغرر، وإن لم يرجُ زواله فأي فائدة عنده. قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي

قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: { وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ } } [لقمان: 17]. وهذا إشارة إلى الإذاية.

الخامسة: روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوامّ الناس. فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل؛ وهذا تُلُقي من قول الله تعالى: { فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } [الحجرات: 9]. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفسِ غيره فله ذلك ولا شيء عليه. ولو رأى زيد عمرًا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به؛ حتى لقد قال العلماء: لو فرضنا (قودا). وقيل: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمامٌ عادلٌ لا يظلِم، وعالِم على سبيل الهُدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويُحرّضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى.

السادسة: روى أنس بن مالك قال "قيل: يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأُمم قبلكم. قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأُمم قبلنا؟ قال: الملك في صِغاركم والفاحشة في كِباركم والعلم في رُذَالتكم" . قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «والعلم في رذالتكم» إذا كان العلم في الفساق. خرّجه ٱبن ماجه. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «المائدة» وغيرها إن شاء الله تعالى. وتقدّم معنى «فبَشِّرْهُم» وْ«حَبِطَتْ» في البقرة فلا معنى للإعادة.