التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ
١١
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
١٢
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ
١٣
وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ
١٤
وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١٥
أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
١٦
أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ
١٧
-الصافات

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أي سلهم يعني أهل مكة؛ مأخوذ من ٱستفتاء المفتى. {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} قال مجاهد: أي من خلقنا من السموات والأرض والجبال والبحار. وقيل: يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية. يدلّ على ذلك أنه أخبر عنهم «بمَن» قال سعيد بن جبير: الملائكة. وقال غيره: «مَنْ» الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشدّ خلقاً منهم. نزلت في أبي الأشد بن كَلَدَة، وسمي بأبي الأشد لشدّة بطشه وقوّته. وسيأتي في «البلد» ذكره. ونظير هذه: { لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } [غافر: 57] وقوله: { أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ } [النازعات: 27]. {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي لاصق؛ قاله ٱبن عباس. ومنه قول عليّ رضي الله عنه:

تَعَلَّمْ فَإنّ الله زادكَ بَسطةًوأخلاقَ خيرٍ كلُّها لكَ لاَزِبُ

وقال قتادة وٱبن زيد: معنى «لاَزِبٍ» لازق. الماوردي: والفرق بين الّلاصق والّلازق أن الّلاصق: هو الذي قد لُصق بعضه ببعض، واللاّزق: هو الذي يلتزق بما أصابه. وقال عِكرمة: «لاَزِبٍ» لزج. سعيد بن جبير: أي جيد حرّ يلصق باليد. مجاهد: «لاَزِب» لازم. والعرب تقول: طينٌ لازِب ولازِم، تبدل الباء من الميم. ومثله قولهم: لاتب ولازِم. على إبدال الباء بالميم. واللازب الثابت؛ تقول: صار الشيء ضَرْبةَ لازبٍ، وهو أفصح من لازم. قال النابغة:

ولا تَحْسَبُونَ الخيَر لا شَرَّ بعدَهُولا تَحْسَبُونَ الشرَّ ضربةَ لاَزِبِ

وحكى الفرّاء عن العرب: طين لاتب بمعنى لازِم. واللاتِب الثابت؛ تقول منه: لَتَب يَلْتُب لَتْباً ولُتُوباً، مثل لَزَب يَلْزُب بالضم لزوباً؛ وأنشد أبو الجرّاح في اللاتب:

فإن يَكُ هذا من نَبيذٍ شِربْتُهُفإنِّي من شربِ النَّبيذِ لَتَائِبُ
صُدَاعٌ وَتَوْصيمُ العِظَامِ وفَتْرَةٌوغَمٌّ مع الإشْرَاقِ في الْجَوفِ لاَتِبُ

والّلاتب أيضاً: الّلاصق مثل الّلازب، عن الأصمعي حكاه الجوهري. وقال السدي والكلبي في الّلازب: إنه الخالص. مجاهد والضحاك: إنه المنتن.

قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم بفتح التاء خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي بل عجبت مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به. وهي قراءة شُرَيح وأنكر قراءة الضم وقال: إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم. وقيل: المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً بضم التاء. وٱختارها أبو عبيد والفرّاء، وهي مروية عن عليّ وٱبن مسعود؛ رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: «بَلْ عجِبْتُ» بضم التاء. ويروى عن ٱبن عباس. قال الفرّاء في قوله سبحانه: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحبّ إليّ؛ لأنها عن علي وعبد الله وٱبن عباس. وقال أبو زكريا الفراء: العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد؛ وكذلك قوله: { ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } [البقرة: 15] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفي هذا بيان الكسر لقول شُرَيْح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير والأعمش عن أبي وائل شَقِيق بن سَلَمة قال: قرأها عبد الله يعني ٱبن مسعود «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» قال شريح: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب مَن لا يعلم. قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم فقال: إن شريحاً كان يعجبه رأيه، إن عبد الله كان أعلم من شُرَيح وكان يقرؤها عبد الله «بَلْ عَجِبْتُ». قال الهرويّ: وقال بعض الأئمة: معنى قوله {بَلْ عَجِبْتَ} بل جازيتهم على عجبهم؛ لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق؛ فقال: { وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ } [صۤ: 4]، وقال: { إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [صۤ: 5]، { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ } [يونس: 2] فقال تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ} بل جازيتهم على التعجُّب.

قلت: وهذا تمام معنى قول الفرّاء وٱختاره البيهقي. وقال عليّ بن سليمان: معنى القراءتين واحد، التقدير: قل يا محمد بل عجبت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن. النحاس: وهذا قول حسن وإضمار القول كثير. البيهقي: والأول أصح. المهدوي: ويجوز أن يكون إخبار اللَّهِ عن نفسه بالعجب محمولاً على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين؛ كما يُحْمَل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه ـ على ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازاً وٱتساعاً. قال الهرويّ: ويقال معنى «عَجبَ رَبُّكُم» أي رضي وأثاب؛ فسّماه عجباً وليس بعجب في الحقيقة؛ كما قال تعالى: { وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ } [الأنفال: 30] معناه ويجازيهم الله على مكرهم، ومثله في الحديث:

"عَجبَ رَبُّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وقُنوطكم" . وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيماً. فيكون معنى قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} أي بل عَظُم فعلهم عندي. قال البيهقي: ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عَجَب ربك من شاب ليست له صَبْوة" وكذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل" قال البيهقي: وقد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يُعجِّب ملائكته من كرمه ورأفتِه بعباده، حين حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة. وقيل: معنى «بَلْ عَجِبْتُ» بل أنكرت. حكاه النقاش. وقال الحسين بن الفضل: التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب. وقد جاء في الخبر "عجب ربكم من إِلّكم وقُنوطكم" . {وَيَسْخُرُونَ} قيل: الواو واو الحال؛ أي عجبت منهم في حال سخريتهم. وقيل: تم الكلام عند قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} ثم ٱستأنف فقال: {وَيَسْخُرُونَ} أي مما جئت به إذا تلوتَه عليهم. وقيل: يسخرون منك إذا دعوتَهم.

قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُواْ} أي وُعظوا بالقرآن في قول قتادة. {لاَ يَذْكُرُونَ} لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جبير: أي إذا ذُكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا. {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً} أي معجزة {يَسْتَسْخِرُونَ} أي يسخرون في قول قتادة. ويقولون إنها سحر. وٱستسخر وسخر بمعنًى مثل ٱستقر وقرّ، وٱستعجب وعجب. وقيل: {يَسْتَسْخِرُونَ} أي يستدعون السخرى من غيرهم. وقال مجاهد: يستهزئون. وقيل: أي يظنون أن تلك الآية سخرية. {وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخداع. {أَإِذَا مِتْنَا} أي أنبعث إذا متنا؟. فهو ٱستفهام إنكار منهم وسخرية {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } أي أوَ تبعث آباؤنا. دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف. وقرأ نافع: «أَوْ آبَاؤُنَا» بسكون الواو. وقد مضى هذا في سورة «الأعراف». في قوله تعالى: { أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ } [الأعراف: 98].