التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
٦٠
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
٦١
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٦٢
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ
٦٣
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٦٤
هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٦٥
-غافر

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} الآية؛ روى النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ {وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين؛ وأن المعنى: وحِّدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال. قال أنس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شِسْع نعله إذا انقطع" ويقال الدعاء: هو ترك الذنوب. وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال: أعطيَتْ هذه الأمة ثلاثاً لم تُعْطهن أمة قبلهم إلا نبيّ: كان إذا أرسل نبيّ قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: { لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } [البقرة: 143] وكان يقال للنبيّ: ليس عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78] وكان يقال للنبيّ ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ».

قلت: مثل هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعاً؛ رواه ليث عن شهر بن حَوْشَب عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أعطِيت أمتي ثلاثاً لم تُعطَ إلا للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبيّ قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وكان الله إذا بعث النبيّ قال: ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وكان الله إذا بعث النبيّ جعله شهيداً على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس" ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمةٰ قيل لها: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» أمرهم بالدعاء ووعدهم الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله تعالى: { وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [البقرة: 25] فهاهنا شرط، وقوله: { وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ } [يونس: 2] فليس فيه شرط العمل؛ ومثل قوله: {فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} فهاهنا شرط، وقوله تعالى: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل: إن هذا من باب المطلق والمقيد على ما تقدّم في «البقرة» بيانه. أي «أَسْتَجِبْ لَكُمْ» إن شئت؛ كقوله: { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ } [الأنعام: 41]. وقد تكون الاستجابة في غير عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدّم في «البقرة» بيانه فتأمله هناك. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ورُوَيس عن يعقوب وعَيّاش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضَّل عن عاصم {سَيُدْخَلُونَ} بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسمّ فاعله. الباقون «يَدْخُلُونَ» بفتح الياء وضم الخاء. ومعنى {دَاخِرِينَ} صاغرين أذلاء وقد تقدّم.

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} {جَعَلَ} هنا بمعنى خلق؛ والعرب تفرّق بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذا لم تكن بمعنى خلق؛ فإذا كانت بمعنى خلق فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين؛ نحو قوله: {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً} وقد مضى هذا المعنى في غير موضع. {وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} أي مضيئاً لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معائشكم. {إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} فضله وإنعامه عليهم.

قوله تعالى: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} بيّن الدلالة على وحدانيته وقدرته. {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي كيف تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك؛ أي كما صرفتم عن الحق مع قيام الدليل عليه فـ{كَذَلِكَ يُؤْفَكُ} يصرف عن الحق {ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}.

قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} زاد في تأكيد التعريف والدليل؛ أي جعل لكم الأرض مستقراً لكم في حياتكم وبعد الموت. {وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً} تقدّم. {وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ} أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ أبو رزين والأشهب العقيلي «صِوَرَكُمْ» بكسر الصاد؛ قال الجوهري: والصِّور بكسر الصاد لغة في الصُّوَر جمع صورة، وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف الجواري:

أشبَهْنَ مِن بَقَرِ الْخَلْصَاءِ أعْيُنَهاوهُنَّ أحْسَنُ مِن صِيرانِها صِوراً

(والصِّيران جمع صُوَار وهو القطيع من البقر والصِوار أيضاً وعاء المسك) وقد جمعهما الشاعر بقوله:

إذ لاَحَ الصّوارُ ذكَرتُ لَيْلَىوأذْكُرَها إذا نَفَح الصّوَارُ

والصِّيار لغة فيه. {وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تقدّم. {هُوَ ٱلْحَيُّ} أي الباقي الذي لا يموت {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي الطاعة والعبادة. {ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هذا كله مستوفى في «البقرة» وغيرها. وقال ابن عباس: من قال: «لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله» فليقل «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».