التفاسير

< >
عرض

فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
١٠
يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
١١
-الدخان

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى:{فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } ٱرتقب معناه ٱنتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين؛ قاله قتادة. وقيل: معناه ٱحفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين؛ ولذلك سُمِّيَ الحافظ رقيباً. وفي الدُّخَان أقوال ثلاثة: الأول أنه من أشراط الساعة لم يجىء بعدُ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً يملأ ما بين السماء والأرض؛ فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم؛ وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال إن الدخان لم يأت بعدُ: عليّ وٱبن عباس وٱبن عمر وأبو هريرة وزيد بن عليّ والحسن وٱبن أبي مليكة وغيرهم. وروى أبو سعيد الخُدْرِيّ مرفوعاً أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة؛ يأخذ المؤمن منه كالزكمة. وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه؛ ذكره الماوردي. وفي صحيح مسلم عن أبي الطُّفَيل "عن حُذيفة بن أسِيد الغِفَارِيّ قال: ٱطّلع النبيّ صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: ما تذكرون؟ قالوا: نذكر الساعة؛ قال: إنها لن تقوم حتى تَرَوْا قبلها عشر آيات ـ فذكر ـ الدُّخانَ والدَّجَّالَ والدابةَ وطلوعَ الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوجَ ومأجوجَ وثلاثةَ خُسُوف خَسْفٌ بالمَشْرِق وخَسْفٌ بالمغرب وخَسْفٌ بجزيرة العرب وآخِرُ ذلك نارٌ تخرج من اليَمَن تَطْرُد الناس إلى مَحْشَرهم" . في رواية عن حُذيفة "إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خَسْفٌ بالمشرق وخَسْفٌ بالمغرب وخَسْفٌ في جزيرة العرب والدُّخانَ والدَّجالُ ودابَّةُ الأرض ويأجوجُ ومأجوجُ وطلوعُ الشمس من مغربها ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن تُرَحِّلُ الناس" . وخرجه الثعلبيّ أيضاً عن حُذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوّل الآيات خروجاً الدَّجالُ ونزولُ عيسى ابن مريم ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن أبْيَنَ تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتَقِيل معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتُمْسي معهم إذا أمسوا. قلت: يا نبيّ الله، وما الدخان؟ قال هذه الآية: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره" . فهذا قول. القول الثاني ـ أن الدخان هو ما أصاب قريشاً من الجوع بدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخاناً؛ قاله ابن مسعود. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم. والحديث عنه بهذا في صحيح البخاريّ ومسلم والترمذيّ. قال البخاريّ: حدثني يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مَسْرُوق قال: "قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشاً لما ٱستعصت على النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كَسِنِي يوسف، فأصابهم قَحْطٌ وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد؛ فأنزل الله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }. قال: فَأُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، ٱستسق الله لِمُضَر فإنها قد هلكت. قال: لِمُضَر! إنك لجريء. فٱستسقى فسُقُوا؛ فنزلت: {إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ}" . فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية؛ فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}. قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدُّخَان الجَدْب. القُتَبيّ: سُمِّيَ دخاناً ليُبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان. القول الثالث ـ إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماءَ الغبرة؛ قاله عبد الرحمٰن الأعرج. {يَغْشَى ٱلنَّاسَ} في موضع الصفة للدخان، فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم. {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي يقول الله لهم: {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. فمن قال: إن الدخان قد مضى فقوله: «هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ» حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلاً فهو حكاية حال آتية. وقيل: «هَذَا» بمعنى ذلك. وقيل: أي يقول الناس لذلك الدخان: «هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ». وقيل: هو إخبار عن دنوّ الأمر؛ كما تقول: هذا الشتاء فأعدّ له.