التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ
١٠٦
فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٠٧
ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ
١٠٨
-المائدة

الجامع لاحكام القرآن

فيه سبع وعشرون مسألة:

الأُولى ـ قال مكيّ ـرحمه الله ـ: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحُكماً؛ قال ٱبن عطية: هذا كلام من لم يقع له الثلجُ في تفسيرها؛ وذلك بيّن من كتابهرحمه الله .

قلت: ما ذكره مكيّ ـرحمه الله ـ ذكره أبو جعفر النحاس قبلَه أيضاً، ولا أعلم خلافاً أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الدارِيّ وعديّ بن بَدّاء. روى البخاريّ والدارقطنيّ وغيرهما عن ٱبن عباس قال: "كان تميم الدارِيّ وعدِيّ بن بدَّاء يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتًى من بني سهم فتُوفّي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما؛ فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاماً من فضة مخوَّصاً بالذهب، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا ٱطلعتما ثم وُجد الجامُ بمكة فقالوا: اشتريناه من عَدِي وتَميم، فجاء رجلان من ورثة السهميّ فحلفا أن هذا الجام للسهميّ، ولَشهادتنا أحق من شهادتهما وما ٱعتدينا؛ قال: فأخذوا الجام؛ وفيهم نزلت هذه الآية" . لفظ الدّارَقُطنيّ. وروى الترمذيّ عن تميم الدارِيّ في هذه الآية. {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} بَرِىء منها الناس غيري وغير عديّ بن بَدّاء ـ وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتَيَا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولىً لبني سهم يقال له: بُدَيل ابن أبي مريم بتجارة، ومعه جَامٌ من فضة يريد به الملِك، وهو عُظْم تجارته، فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهلَه؛ قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناها أنا وعديّ بن بدّاء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره؛ قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثّمت من ذلك، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر، وأدّيت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله عز وجل {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} إلى قوله {بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدِيّ بن بدّاء. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. وذكر الواقديّ أن الآيات الثلاث نزلت في تميم وأخيه عديّ، وكانا نصرانيين، وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ٱبن أبي مريم مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجراً، فخرج مع تميم وأخيه عديّ؛ وذكر الحديثَ. وذكر النقاش قال: نزلت في بُدَيل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهميّ؛ كان خرج مسافراً في البحر إلى أرض النجاشيّ، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تَميماً وكان من لَخْم وعدِيّ بن بدّاء، فمات بُديل وهم في السفينة فرمى به في البحر، وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال: أبلِغا هذا المتاع أهلي، فلما مات بديل قبضا المال، فأخذا منه ما أعجبهما فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال، منقوشاً مموّهاً بالذهب؛ وذكر الحديث. وذكره سُنيد وقال: فلما قدموا الشام مرض بُدَيل وكان مسلماً؛ الحديث.

الثانية ـ قوله تعالى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} ورد «شهد» في كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة: منها قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} قيل: معناه أحضروا. ومنها «شَهِد» بمعنى قضى أي أعلم؛ قاله أبو عبيدة؛ كقوله تعالى: { { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } } [آل عمران: 18]. ومنها «شَهِد» بمعنى أقرّ؛ كقوله تعالى: { { وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ } } [النساء: 166]. ومنها «شَهِد» بمعنى حكم. قال الله تعالى { { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ } } [يوسف: 26]. ومنها «شَهِد» بمعنى حلف؛ كما في اللِّعان. «وشَهِد» بمعنى وَصَّى؛ كقوله تعالى: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}. وقيل: معناها هنا الحضور للوصية؛ يقال: شَهِدت وصية فلان أي حضرتها. وذهب الطبريّ إلى أن الشهادة بمعنى اليمين؛ فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف ٱثنان؛ واستدل على أن ذلك غير الشهادة التي تؤدّى للمشهود له بأنه لا يُعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمينٌ. واختار هذا القول القَفَّال. وسميت اليمين شهادة؛ لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة. واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تُحفظ فتؤدّى، وضعّف كونها بمعنى الحضور واليمين.

الثالثة ـ قوله تعالى: {بَيْنِكُمْ} قيل: معناه ما بينكم فحذفت «ما» وأُضيفت الشهادة إلى الظرف، وٱستعمل ٱسماً على الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة؛ كما قال:

ويوماً شهدناه سُلَيما وعامرا

أراد شهدنا فيه. وقال تعالى: { { بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } } [سبأ: 33] أي مكركم فيهما. وأنشد:

تُصافح من لاقيتَ لي ذا عداوةصِفَاحا وعنِّي بين عَيْنَيْكَ مُنْزَوِي

أراد ما بين عينيك فحذف؛ ومنه قوله تعالى: { { هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } } [الكهف: 78] أي ما بيني وبينك.

الرابعة ـ قوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ} معناه إذا قارب الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت. وهذا كقوله تعالى: { { فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } } [النحل: 98]. وكقوله: { { إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ } } [الطلاق: 1] ومثله كثير. والعامل في «إذَا» المصدر الذي هو «شَهَادَةُ».

الخامسة ـ قوله تعالى: {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} «حين» ظرف زمان والعامل فيه «حَضَرَ». وقوله: «ٱثْنَانِ» يقتضي بمطلقه شخصين، ويحتمل رجلين، إلا أنه لما قال بعد ذلك: «ذَوَا عَدْلٍ» بيّن أنه أراد رجلين؛ لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر، كما أن { { ذَوَاتَآ } } [الرحمن: 48] لا يصلح إلا للمؤنث. وارتفع «ٱثنان» على أنه خبر المبتدأ الذي هو «شَهَادَةُ»؛ قال أبو عليّ: «شَهَادَةُ» رفع بالابتداء والخبر في قوله: «ٱثْنَانِ»؛ التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة ٱثنين؛ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه؛ كما قال تعالى: { { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } } [الأحزاب: 6] أي مثل أُمهاتهم. ويجوز أن يرتفع «ٱثنان» بـ «شهادة»؛ التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد اثنان، أو ليقم الشهادة اثنان.

السادسة ـ قوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} «ذَوَا عَدْلٍ» صفة لقوله: «اثْنَانِ» و «منكم» صفة بعد صفة. وقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي أو شهادة آخرين من غيركم؛ فمن غيركم صفة لآخرين. وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية، والتحقيق فيه أن يقال: اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:

الأوّل ـ أن الكاف والميم في قوله: «مِنْكُمْ» ضمير للمسلمين {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} للكافرين؛ فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية، وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرّر من الأحاديث. وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل؛ أبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن قيس، وعبد الله بن عباس؛ فمعنى الآية من أوّلها إلى آخرها على هذا القول؛ أن الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين؛ فإن كان في سفر وهو الضّرب في الأرض، ولم يكن معه أحد من المؤمنين، فليُشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأدّيا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بَدّلا، وأن ما شهِدا به حق، ما كتما فيه شهادة وحُكِم بشهادتهما؛ فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا، ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصِي في السفر، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما. هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعريّ، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر؛ وسعيد بن جبير وأبي مجْلَز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلمانيّ؛ وٱبن سِيرين ومجاهد وقتادة والسديّ وابن عباس وغيرهم. وقال به من الفقهاء سفيان الثوريّ؛ ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به. وٱختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين؛ كلهم يقولون «مِنكم» من المؤمنين ومعنى {مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني الكفار. قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة؛ وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة. والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشُرَيْح وغيرهما.

القول الثاني ـ أن قوله سبحانه: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} منسوخ؛ هذا قول زيد بن أسلم والنخعيّ ومالك؛ والشافعيّ وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء؛ إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض؛ ولا تجوز على المسلمين؛ وٱحتجوا بقوله تعالى: { { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ } } [البقرة: 282] وقوله: { { وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ } } [الطلاق: 2]؛ فهؤلاء زعموا أن آية الدّيْن من آخر ما نزل؛ وأن فيها {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} فهو ناسخ لذلك؛ ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة؛ فجازت شهادة أهل الكتاب؛ وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار؛ وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفُسّاق لا تجوز؛ والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.

قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه؛ وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم؛ وأما مع وجود مسلم فلا؛ ولم يأت ما ٱدعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل؛ وقد قال بالأوّل ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره؛ ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوّي هذا أن سورة «المائدة» من آخر القرآن نزولاً حتى قال ٱبن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها. وما ٱدعوه من النّسخ لا يصح؛ فإن النّسخ لا بدّ فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ؛ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخاً؛ فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة؛ ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات؛ ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة؛ فليس فيما قالوه ناسخ.

القول الثالث ـ أن الآية لا نسخ فيها؛ قاله الزهريّ والحسن وعِكرِمة؛ ويكون معنى قوله: «مِنْكُمْ» أي من عشيرتكم وقرابتكم؛ لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان. ومعنى قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير القرابة والعشيرة؛ قال النحاس: وهذا ينبني على معنى غامض في العربية؛ وذلك أن معنى «آخَر» في العربية من جنس الأوّل؛ تقول: مررت بكريم وكريم آخر؛ فقوله «آخر» يدل على أنه من جنس الأوّل؛ ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر؛ ولا مررت برجل وحمار آخر؛ فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي عدلان؛ والكفار لا يكونون عدولاً فيصح على هذا قول من قال «مِنْ غَيْرِكُمْ» من غير عشيرتكم من المسلمين. وهذا معنى حسن من جهة اللسان؛ وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله؛ لأن المعنى عندهم {مِنْ غَيْرِكُمْ} من غير قبيلتكم؛ على أنه قد عورض هذا القول بأنّ في أوّل الآية {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فخوطب الجماعة من المؤمنين.

السابعة ـ ٱستدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم؛ قال: ومعنى {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير أهل دينكم؛ فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض؛ فيقال له: أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية؛ لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها؛ فلا يصح احتجاجك بها. فإن قيل: هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق؛ ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه، وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهل الذمة أولى؛ ثم دلّ الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين؛ فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه؛ وهذا ليس بشيء؛ لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين؛ فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى. والله أعلم.

الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي سافرتم؛ وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} فأوصيتم إلى ٱثنين عدلين في ظنكم؛ ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما؛ وادّعوا عليهما خيانة؛ فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصَّلاة؛ أي تستوثقوا منهما؛ وسمى الله تعالىٰ الموت في هذه الآية مصيبة؛ قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمىٰ؛ ورزِية كبرىٰ؛ فأعظم منه الغفلة عنه؛ والإعراض عن ذكره؛ وترك التفكر فيه؛ وترك العمل له؛ وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر؛ وفكرة لمن تفكّر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سميناً" . ويروى أن أعرابياً كان يسير على جمل له؛ فخر الجمل ميتاً فنزل الأعرابيّ عنه؛ وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: ما لك لا تقوم؟! مالك لا تنبعث؟! هذه أعضاؤك كاملة؛ وجوارحك سالمة؛ ما شأنك؟! ما الذي كان يحملك؟! ما الذي كان يبعثك؟! ما الذي صرعك؟! ما الذي عن الحركة منعك؟! ثم تركه وانصرف متفكراً في شأنه؛ متعجباً من أمره.

التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {تَحْبِسُونَهُمَا} قال أبو علي: {تَحْبِسُونَهُمَا} صفة لـ «ـآخران» واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: «إنْ أَنْتُمْ». وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حقّ؛ والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجّلاً؛ ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلاَّ مؤجلاً؛ فإن خُلّي مَنْ عليه الحق غاب واختفى وبطل الحَق وتوِي فلم يكن بدّ من التوثق منه؛ فإما بعِوض عن الحق وهو المسمى رهناً؛ وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحمِيل؛ وهو دون الأوّل؛ لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره؛ ولكن لا يمكن أكثر من هذا؛ فإن تعذرا جميعاً لم يبق إلاَّ التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق؛ أو تَبيّن عسرته.

العاشرة ـ فإن كان الحق بدنياً لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلاً؛ لم يكن فيه إلاَّ التوثق بسجنه؛ ولأجل هذه الحكمة شرِع السجن؛ روى أبو داود والترمذيّ وغيرهما عن بَهْزِ بن حكِيم عن أبيه عن جده: "أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة" . وروى أبو داود عن عمرو بن الشَّرِيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعُقوبَته" . قال ٱبن المبارك يحلُّ عِرضَه يُغَلّظ له، وعقوبته يُحبَس له. قال الخطّابي: الحبس على ضربين؛ حبس عقوبة، وحبس ٱستظهار، فالعقوبة لا تكون إلاَّ في واجب، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه؛ وقد روي أنه حَبَس رجلاً في تهمة ساعة من نهار ثم خَلّى عنه. وروى معمر عن أيوب عن ٱبن سيرين قال: كان شُرَيح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلاَّ أمر به إلى السجن.

الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} يريد صلاة العصر؛ قاله الأكثر من العلماء؛ لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة. وقال الحسن: صلاة الظهر. وقيل: أي صلاة كانت. وقيل: من بعد صلاتهما على أنهما كافران؛ قاله السديّ. وقيل: إن فائدة اشتراطه بعد الصَّلاة تعظيماً للوقت، وإرهاباً به، لشهود الملائكة ذلك الوقت؛ وفي الصحيح: "من حلف على يمين كاذبة بعد العصر لقي الله وهو عليه غضبان" ».

الثانية عشرة ـ هذه الآية أصل في التغليظ في الإيمان، والتغليظ يكون بأربعة أشياء: أحدها ـ الزمان كما ذكرنا. الثاني؛ المكان كالمسجد والمنبر، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه حيث يقولون: لا يجب استحلاف أحد عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها؛ وإلى هذا القول ذهب البخاريّ ـرحمه الله ـ حيث ترجم «باب يَحلِف المدَّعَى عليه حيثما وجَبَت عليه اليمينُ ولا يُصرَف من موضع إلى غيره». وقال مالك والشافعي: ويُجلب في أيمان القسامة إلى مكة من كان من أعمالها، فيحلف بين الركن والمقام، ويُجلب إلى المدينة من كان من أعمالها، فيحلف عند المنبر. الثالث ـ الحال؛ روى مُطَرِّف وابن الماجِشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائماً مستقبل القبلة؛ لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر. وقال ابن كنانة: يحلف جالساً؛ قال ابن العربيّ: والذي عندي أنه يحلف كما يُحكم عليه بها إن كان قائماً فقائماً وإن جالساً فجالساً إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك من قيام أو جلوس.

قلت: قد استنبط بعض العلماء من قوله في حديث عَلْقَمة بن وائل عن أبيه: «فانطلق ليحلف» القيامَ ـ والله أعلم ـ أخرجه مسلم. الرابع ـ التغليظ باللفظ؛ فذهبت طائفة إلى الحلف بالله لا يزيد عليه؛ لقوله تعالىٰ: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} وقوله: { { قُلْ إِي وَرَبِّيۤ } } [يونس: 53] وقال: { { وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } } [الأنبياء: 57] وقوله عليه السَّلام: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو لِيَصْمُتْ" . وقول الرجل: والله لا أُزيد عليهنّ. وقال مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما له عندي حق، وما ٱدّعاه عليّ باطل؛ والحجة له ما رواه أبو داود حدّثنا مسدّد قال حدّثنا أبو الأحوص قال حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ـ يعني لرجل حلفه ـ: " ٱحلف بالله الذي لا إلٰه إلاَّ هو ما له عندك شيء" يعني للمدّعي؛ قال أبو داود: أبو يحيى اسمه زياد كُوفي ثقةٌ ثَبْت. وقال الكوفيون: يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين؛ فيحلفه بالله الذي لا إلٰه إلاَّ هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وزاد أصحاب الشافعيّ التغليظ بالمصحف. قال ابن العربي: وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة. وزعم الشافعيّ أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويأمر أصحابه بذلك ويرويه عن ابن عباس، ولم يصح.

قلت: وفي كتاب «المهذب» وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي عن مُطرِّف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف، قال: ورأيت مطرّفاً بصنعاء يحلف على المصحف؛ قال الشافعيّ: وهو حَسَنٌ. قال ابن المنذرِ: وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف.

قلت: قد تقدّم في الأيمان: وكان قتادة يحلف بالمصحف. وقال أحمد وإسحق: لا يكره ذلك؛ حكاه عنهما ابن المنذر.

الثالثة عشرة ـ ٱختلف مالك والشافعي من هذا الباب في قدر المال الذي يحلف به في مقطع الحق؛ فقال مالك: لا تكون اليمين في مقطع الحق في أقل من ثلاثة دراهم قياساً على القطع، وكلُّ مال تقطع فيه اليد وتسقط به حرمة العَضْو فهو عظيم. وقال الشافعيّ: لا تكون اليمين في ذلك في أقلَّ من عشرين ديناراً قياساً على الزكاة، وكذلك عند مِنْبَر كل مسجد.

الرابعة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} الفاء في {فَيُقْسِمَانِ} عاطفة جملة على جملة، أو جواب جزاء؛ لأن {تَحْبِسُونَهُمَا} معناه احبسوهما، أي لليمين؛ فهو جواب الأمر الذي دل عليه الكلام كأنه قال: إذا حبستموهما أقسما؛ قال ذو الرُّمة:

وَإنسانُ عيْني يَحْسِرُ الماءَ مرةًفيَبْدوا وتَاراتٍ يَجِمّ فَيَغْرَقُ

تقديره عندهم: إذا حسر بدا.

الخامسة عشرة ـ واختلف مَن المراد بقوله: {فَيُقْسِمَانِ}؟ فقيل: الوصيان إذا ٱرتيب في قولهما. وقيل: الشاهدان إذا لم يكونا عدلين وارتاب بقولهما الحاكم حلّفهما. قال ٱبن العربيّ مبطلاً لهذا القول: والذي سمعت ـ وهو بدعة ـ عن ابن أبي ليلى أنه يحلِّف الطالب مع شاهديه أن الذي شهدا به حق؛ وحينئذٍ يُقْضَى له بالحق؛ وتأويل هذا عندي إذا ارتاب الحاكم بالقبض فيحلف إنه لباق، وأما غير ذلك فلا يلتفت إليه؛ هذا في المدعى فكيْف يحبس الشاهد أو يُحلَّف؟ٰ هذا ما لا يلتفت إليه.

قلت: وقد تقدّم من قول الطبريّ في أنه لا يُعلَم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين. وقد قيل: إنما استحلف الشاهدان لأنهما صارا مُدَّعى عليهما، حيث ٱدّعى الورثة أنهما خانا في المال.

السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلاَّ به، ومتى لم يقع رَيْبٌ ولا اختلاف فلا يمين. قال ابن عطية: أما أنه يظهر من حكم أبي موسى في تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها؛ روى أبو داود عن الشعبيّ: أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقَاء هذه، ولم يجد أحداً من المسلمين حضره يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدِما الكوفة فأتيا الأشعريّ فأخبراه؛ وقدِما بتركته ووصيته؛ فقال الأشعريّ: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأحلفهما بعد العصر: «بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيّرا وإنها لوصِية الرجل وتركته» فأمضى شهادتهما. قال ابن عطية: وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة، وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهم دون بعض، وتقع مع ذلك اليمين عنده؛ وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلاَّ أن يكون الإرتياب في خيانة أو تعدّ بوجه من وجوه التعدّي؛ فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكِر لا على أنّه تكميل للشهادة. قال ابن العربيّ: يمين الريبة والتهمة على قسمين: أحدهما ـ ما تقع الريبة فيه بعد ثبوت الحق وتوجه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين. الثاني ـ التهمة المطلقة في الحقوق والحدود، وله تفصيل بيانه في كتب الفروع؛ وقد تحققت هٰهنا الدعوى وقويت حسبما ذكر في الروايات.

السابعة عشرة ـ الشرط في قوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} يتعلق بقوله: {تَحْبِسُونَهُمَا} لا بقوله {فَيُقْسِمَانِ} لأن هذا الحبس سبب القسم.

الثامنة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي يقولان في يمينهما لا نشتري بقسمنا عوضاً نأخذه بدلاً مما أوصى به، ولا ندفعه إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا. وإضمار القول كثير، كقوله: { { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم } }. [الرعد: 23-24] أي يقولون سلام عليكم. والاشتراء هٰهنا ليس بمعنى البيع، بل هوالتحصيل.

التاسعة عشرة ـ اللام في قوله: {لاَ نَشْتَرِي} جواب لقوله: {فَيُقْسِمَانِ} لأن أقسم يلتقي بما يلتقي به القسم؛ وهو «لا» و «ما» في النفي، «وإنّ» واللام في الإيجاب. والهاء في «به» عائد على ٱسم الله تعالى، وهو أقرب مذكور؛ المعنى: لا نبيع حظنا من الله تعالىٰ بهذا العَرَض. ويحتمل أن يعود على الشهادة وذُكِّرت على معنى القول؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "وٱتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" فأعاد الضمير على معنى الدعوة الذي هو الدعاء، وقد تقدّم في سورة «النساء».

الموفية عشرين ـ قوله تعالىٰ: «ثَمَناً» قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن أي سلعة ذا ثمن، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه. وعندنا وعند كثير من العلماء أن الثمن قد يكون هو ويكون السلعة؛ فإن الثمن عندنا مشترًى كما أن المثمون مشترًى؛ فكل واحد من المبيعين ثمناً ومثموناً كان البيع دائراً على عَرْض ونَقْد، أو على عرضين، أو على نقْديْن؛ وعلى هذا الأصل تنبني مسألة: إذا أفلس المبتاع ووجد البائع متاعه هل يكون أولى به؟ قال أبو حنيفة: لا يكون أولى به؛ وبناه على هذا الأصل، وقال: يكون صاحبها أُسوة الغرماء. وقال مالك: هو أحق بها في الفَلَس دون الموت. وقال الشافعيّ: صاحبها أحق بها في الفلس والموت. تمسّك أبو حنيفة بما ذكرنا، وبأن الأصل الكليّ أن الديْن في ذمة المفلِس والميت، وما بأيديهما محل للوفاء؛ فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في ذلك بين أن تكون أعيان السِّلَع موجودة أو لا، إذ قد خرجت عن ملك بائعها ووجبت أثمانُها لهم في الذمة بالإجماع، فلا يكون لهم إلاَّ أثمانها أو ما وُجد منها. وخَصّص مالك والشافعيّ هذه القاعدة بأخبار رُويت في هذا الباب رواها الأئمة أبو داود وغيره.

الحادية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ} أي ما أعلمنا الله من الشهادة. وفيها سبُع قراءات، من أرادها وجدها في «التحصيل» وغيره.

الثانية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} قال عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام. وقال الزجاج: أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ}. عثر على كذا أي ٱطلع عليه؛ يُقال: عثرت منه على خيانة أي ٱطلعت، وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالىٰ: { { وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } } [الكهف: 21]. لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفِي عليهم موضعهم؛ وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء؛ ومنه قولهم: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا وقعت إصبعه بشيء صدمته، وعثرت إصبع فلان بكذا إذا صدمته فأصابته ووقعت عليه. وعثر الفرس عِثاراً؛ قال الأعشىٰ:

بذاتِ لَوْث عَفَرْنَاةٍ إذا عَثَرَتْفالتَّعْسُ أدْنَى لها مِنْ أَنْ أقول لَعَا

والعِثْيَر الغبار الساطع؛ لأنه يقع على الوجه، والعَثْيَر الأثر الخفيّ لأنه يوقع عليه من خَفَاء. والضمير في «أَنَّهُمَا» يعود على الوصيَّيْن اللَّذَيْن ذُكِرا في قوله عزّ وجلّ: «ٱثْنَانِ» عن سعيد بن جبير. وقيل: على الشاهدين؛ عن ٱبن عباس. و «ٱسْتَحَقَّا» أي ٱستوجبا «إثْماً» يعني بالخيانة، وأخذهما ما ليس لهما، أو باليمين الكاذبة أو بالشهادة الباطلة. وقال أبو علي: الإثم هنا ٱسم الشيء المأخوذ؛ لأن آخذه بأخذه آثِمٌ؛ فسمي إثْماً كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة. وقال سيبويه؛ المظلمة ٱسم ما أخذ منك؛ فكذلك سمي هذا المأخوذ بٱسم المصدر وهو الْجَامُ.

الثالثة والشعرون ـ قوله تعالىٰ: {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} يعني في الأيمان أو في الشهادة؛ وقال «آخَرَانِ» بحسب أن الورثة كانا ٱثنين. وٱرتفع «آخران» بفعل مضمر «يَقُومَانِ» في موضع نعت. «مَقَامَهُمَا» مصدر، وتقديره: مقاماً مثل مقامِهما، ثم أُقيم النعت مقام المنعوت، والمضاف مقام المضاف إليه.

الرابعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} قال ابن السَّرِيّ: المعنى استحق عليهم الإيصاء؛ قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ لأنه لا يُجعل حرف بدلاً من حرف؛ وٱختاره ابن العربي؛ وأيضاً فإن التفسير عليه؛ لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية. و «الأَوْلَيَانِ» بدل من قوله: «فآخَرَانِ» قاله ابن السَّرِيّ، واختاره النحاس، وهو بدل المعرفة من النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز. وقيل: النكرة إذا تقدّم ذكرها ثم أُعيد ذكرها صارت معرفة؛ كقوله تعالىٰ: { { كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } } [النور: 35] ثم قال: { { ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } } [النور: 35] ثم قال: { ٱلزُّجَاجَةُ } }. [النور:35] وقيل: هو بدل من الضمير في «يَقُومَانِ» كأنه قال: فيقوم الأوليان، أو خبر ٱبتداء محذوف؛ التقدير: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان. وقال ٱبن عيسى: «الأَوْلَيَانِ» مفعول «ٱسْتُحِقَّ» على حذف المضاف؛ أي ٱستحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين، فعليهم بمعنى فيهم، مثل { { عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ } } [البقرة: 102] أي في ملك سليمان. وقال الشاعر:

متى ما تُنكروها تَعرفوهاعلى أَقطارها عَلَقٌ نَفِيثُ

أي في أقطارها. وقرأ يحيى بن وَثّاب والأعمش وحمزة «الأَوَّلِينَ» جمع أوّل على أنه بدل من «الَّلذِينَ» أو من الهاء والميم في «عَلَيْهمُ». وقرأ حفص: «ٱسْتَحَقَّ» بفتح التاء والخاء، ورُوي عن أبيّ بن كعب: وفاعله «الأَولَيان» والمفعول محذوف، والتقدير: من الذين ٱستحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. وقيل: استحق عليهم الأَوليان ردّ الأيمان. وروي عن الحسن: «الأَوَّلاَنِ». وعن ابن سيرين: «الأَوَّلَيْنِ» قال النحاس: والقراءتان لَحْنٌ؛ لا يُقال في مُثنّى: مثَنَّان، غير أنه قد روي عن الحسن «الأَوَّلاَنِ».

الخامسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} أي يحلفان الآخران اللذان يقومان مقام الشاهدين «أن الذي قال صاحبنا في وصيته حق، وأن المال الذي وصَّى به إليكما كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هذا الإنَاء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما» فذلك قوله: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} أي يميننا أحق من يمينهما؛ فصح أن الشهادة قد تكون بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالىٰ: { { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ } } [النور: 6]. وقد روى مَعمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عَبِيدة قال: قام رجلان من أولياء الميت فحلفا. {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ} ابتداء وخبر. وقوله: {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} أي تجاوزنا الحق في قَسَمنا. {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي إن كنا حلفنا على باطل، وأخذنا ما ليس لنا.

السادسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ} ابتداء وخبر. {أَن} في موضع نصب. {يَأْتُواْ} نصب بـ «ـأن». {أَوْ يَخَافُوۤاْ} عطف عليه. {أَن تُرَدَّ} في موضع نصب بـ «ـيَخَافُوا». {أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} قيل: الضمير في «يَأْتُوا» و «يَخَافُوا» راجع إلى الموصى إليهما؛ وهو الأليق بمساق الآية. وقيل: المراد به الناس، أي أحرى أن يحذر الناس الخيانة فيشهدوا بالحق خوف الفضيحة في ردّ اليمين على المدّعي، والله أعلم.

السابعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ} أمر؛ ولذلك حذفت منه النون، أي ٱسمعوا ما يُقال لكم، قابلين له، متبعين أمر الله فيه. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} فَسَقَ يَفْسِق وَيفْسُق إذا خرج من الطاعة إلى المعصية، وقد تقدّم، والله أعلم.