التفاسير

< >
عرض

ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ
١
وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ
٢
وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ
٣
وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ
٤
حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ
٥
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ
٦
خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ
٧
مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ
٨
-القمر

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} «ٱقْتَرَبَتِ» أي قربت مثل { أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ } [النجم: 57] على ما بيناه. فهي بالإضافة إلى ما مضى قريبة؛ لأنه قد مضى أكثر الدنيا كما روى قتادة عن أنس قال: "خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كادت الشمس تغيب فقال: ما بقي من دنياكم فيما مضى إلاّ مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى" وما نرى من الشمس إلا يسيراً. وقال كعب ووهب: الدنيا ستة ٱلاف سنة. قال وهب: قد مضى منها خمسة آلاف سنة وستمائة سنة. ذكره النحاس.

ثم قول تعالى: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أي وقد ٱنشق القمر. وكذا قرأ حُذيفة «ٱقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَقَدِ ٱنْشَقَّ الْقَمَرُ» بزيادة «قد» وعلى هذا الجمهور من العلماء؛ ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ٱبن مسعود وابن عمر وأنس وجبير بن مُطْعِم وابن عباس رضي الله عنهم. وعن أنس قال: سأل أهل مكة النبيّ صلى الله عليه وسلم آية، فٱنشقَّ القمر بمكة مرتين فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} إلى قوله: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} يقول ذاهب قال أبو عيسى الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. ولفظ البخاريّ عن أنس قال: ٱنشق القمر فرقتين. وقال قوم: لم يقع ٱنشقاق القمر بعدُ وهو منتظر؛ أي ٱقترب قيام الساعة وٱنشقاق القمر؛ وأن الساعة إذا قامت ٱنشقت السماء بما فيها من القمر وغيره. وكذا قال القشيري. وذكر الماورديّ: أن هذا قول الجمهور، وقال: لأنه إذا ٱنشق ما بقي أحد إلا رآه؛ لأنه آية والناس في الآيات سواء. وقال الحسن: ٱقتربت الساعة فإذا جاءت ٱنشق القمر بعد النفخة الثانية. وقيل: {وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ} أي وضح الأمر وظهر؛ والعرب تضرب بالقمر مثلاً فيما وضَحَ؛ قال:

أقيمُوا بَني أميِّ صُدُورَ مَطِيّكُمْفإنِّي إلى حَيٍّ سواكم لأَمْيَلُ
فقد حُمَّتِ الحاجاتُ والليلُ مُقْمِرٌوشُدَّت لِطيَّاتٍ مَطايا وأَرْحُلُ

وقيل: ٱنشقاق القمر هو ٱنشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها، كما يسمى الصبح فلقاً؛ لآنفلاق الظلمة عنه. وقد يعبر عن ٱنفلاقه بٱنشقاقه كما قال النابغة:

فلمَّا أدْبَرُوا ولَهُمْ دَوِيٌّدعانا عِند شَقِّ الصُّبحِ داعِ

قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر ٱنشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل، ولا يلزم أن يستوي الناس فيها؛ لأنها كانت آية ليلية؛ وأنها كانت باستدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم من الله تعالى عند التحدّي. فروي أنّ حمزة بن عبد المطلب حين أسلم غضباً من سبّ أبي جهل الرسول صلى الله عليه وسلم طلب أن يريه آية يزداد بها يقيناً في إيمانه. وقد تقدّم في الصحيح أن أهل مكة هم الذين سألوا وطلبوا أن يريهم آية، فأراهم ٱنشقاق القمر فلقتين كما في حديث ٱبن مسعود وغيره. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد ٱقتربت، وأن القمر قد ٱنشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: هو على التقديم والتأخير، وتقديره ٱنشق القمر وٱقتربت الساعة؛ قاله ٱبن كيسان. وقد مرّ عن الفرّاء أن الفعلين إذا كانا متقاربي المعنى فلك أن تقدّم وتؤخر عند قوله تعالى: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ } .

[النجم: 8] قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ} هذا يدل على أنهم رأوا ٱنشقاق القمر. قال ٱبن عباس: "ٱجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كنت صادقاً فٱشقق لنا القمر فرقتين، نصف على أبي قُبَيس ونصف على قُعَيْقَعَان؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فعلت تؤمنون قالوا: نعم؟ وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه أن يعطيه ما قالوا؛ فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي المشركين: يا فلان يا فلان ٱشهدوا" . وفي حديث ٱبن مسعود: ٱنشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: هذا من سحر ٱبن أبي كبشة؛ سَحَرَكم فٱسألوا السُّفَّار؛ فسألوهم فقالوا: قد رأينا القمر ٱنشق فنزلت: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ. وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ} أي إن يروا آية تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضوا عن الإيمان {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي ذاهب؛ من قولهم: مَرَّ الشيءُ وٱستمر إذا ذهب؛ قاله أنس وقتادة ومجاهد والفراء والكسائي وأبو عبيدة، وٱختاره النحاس. وقال أبو العالية والضحاك: محكَم قويّ شديد، وهو من المِرَّة وهي القوّة؛ كما قال لقيط:

حتى ٱستمرّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتهُمُرُّ العَزِيمَةِ لاَ (قحما) ولا ضَرَعاً

وقال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدّة فتله. وقيل: معناه مُرٌّ من المرارة. يقال: أَمَرَّ الشيء صار مُرًّا، وكذلك مَرَّ الشيءُ يَمَرُّ بالفتح مرارة فهو مُرٌّ، وأمَرَّه غيره ومَرَّهُ. وقال الربيع: مستمر نافذ. يمان: ماضٍ. أبو عبيدة: باطل. وقيل: دائم. قال:

وليس علـى شـيء قوِيـم بمَسْتمـرْ

أي بدائم. وقيل: يشبه بعضه بعضاً؛ أي قد ٱستمرت أفعال محمد على هذا الوجه فلا يأتي بشيء له حقيقة بل الجميع تخييلات. وقيل: معناه قد مر من الأرض إلى السماء. {وَكَذَّبُواْ} نبيّنا {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي ضلالاتهم وٱختياراتهم. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي يستقر بكل عامل عمله، فالخير مستقرّ بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.

وقرأ شيبة «مُسْتَقَر» بفتح القاف؛ أي لكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدّم وتأخر. وقد روي عن أبي جعفر بن القَعْقَاع «وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٍّ» بكسر القاف والراء جعله نعتاً لأمر و «كُلُّ» على هذا يجوز أن يرتفع بالابتداء والخبر محذوف، كأنه قال: وكل أمر مستقر في أمّ الكتاب كائن. ويجوز أن يرتفع بالعطف على الساعة؛ المعنى: ٱقتربت الساعة وكل أمرٍ مستقر؛ أي ٱقترب ٱستقرار الأمور يوم القيامة. ومن رفعه جعله خبراً عن «كلّ».

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي من بعض الأنباء؛ فذكر سبحانه من ذلك ما علم أنهم يحتاجون إليه، وأن لهم فيه شفاء. وقد كان هناك أمور أكثر من ذلك، وإنما ٱقتص علينا ما علم أن بنا إليه حاجة وسكت عما سوى ذلك؛ وذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ} أي جاء هؤلاء الكفار من أنباء الأمم الخالية {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } أي ما يزجرهم عن الكفر لو قبلوه، وأصله مُزْتَجَر فقلبت التاء دالاً؛ لأن التاء حرف مهموس والزاي حرف مجهور، فأبدل من التاء دالاً توافقها في المخرج وتوافق الزاي في الجهر. و «مُزْدجَر» من الزجر وهو الانتهاء، يقال: زجره وٱزدجره فٱنزجر وٱزدجر، وزجرته أنا فانزجر أي كففته فكف، كما قال:

فأصبحَ ما يطلبُ الغانياتُ مُزْدَجَراً عن هواه ٱزدجاراً

وقرىء «مُزّجَرٌ» بقلب تاء الأفتعال زايا وإدغام الزاي فيها؛ حكاه الزمخشري.

{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} يعني القرآن وهو بدل من «ما» من قوله: {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}. ويجوز أن يكون خبر ٱبتداء محذوف؛ أي هو حكمة. {فَمَا تُغْنِـي ٱلنُّذُرُ} إذا كذّبوا وخالفوا كما قال الله تعالى: { وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } [يونس:101] فـ «ـمَا» نفي أي ليست تغني عنهم النذر. ويجوز أن يكون ٱستفهاماً بمعنى التوبيخ؛ أي فأي شيء تغني النذر عنهم وهم معرضون عنها. و {وَٱلنُّذُرُ} يجوز أن تكون بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون جمع نذير.

قوله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم. قيل: هذا منسوخ بآية السيف. وقيل: هو تمام الكلام. ثم قال: {يَوْمَ يَدْعُو ٱلدَّاعِ} العامل في «يَوْمَ» {يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أو {خُشَّعاً} أو فعل مضمر تقديره وٱذكر يوم. وقيل: على حذف حرف الفاء وما عملت فيه من جواب الأمر، تقديره: فتولّ عنهم فإن لهم يوم يدعو الداعي. وقيل: تَوَلَّ عنهم يا محمد فقد أقمت الحجة وأبصرهم يوم يدعو الداعي. وقيل: أي أعرض عنهم يوم القيامة ولا تسأل عنهم وعن أحوالهم، فإنهم يدعون {إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ} وينالهم عذاب شديد. وهو كما تقول: لا تسأل عما جرى على فلان إذا أخبرته بأمر عظيم. وقيل: أي وكلّ أمر مستقرّ يوم يدعو الداعي. وقرأ ٱبن كثير «نُكْرٍ» بإسكان الكاف، وضمها الباقون وهما لغتان كعُسْر وعُسُر وشُغْل وشُغُل، ومعناه الأمر الفظيع العظيم وهو يوم القيامة. والداعي هو إسرافيل عليه السلام. وقد روي عن مجاهد وقتادة أنهما قرأا «إِلَى شَيْءٍ نُكِرَ» بكسر الكاف وفتح الراء على الفعل المجهول. {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} الخشوع في البصر الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن أثر العزّ والذّل يتبين في ناظر الإنسان؛ قال الله تعالى: { أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } [النازعات:9] وقال تعالى: { خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ } .[الشورى:45] ويقال: خَشَع وٱختَشَع إذا ذلَّ. وخَشَع ببصره أي غضّه. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو «خَاشِعاً» بالألف ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، نحو: «خَاشِعاً أَبْصَارُهُمْ» والتأنيث نحو: { خَـٰشِعَةً أَبْصَـٰرُهُمْ } [القلم:43] ويجوز الجمع نحو: {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ} قال:

وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهمْمِنْ إيادِ بنِ نِزارِ بنِ مَعَد

و «خُشَّعاً» جمع خاشع والنصب فيه على الحال من الهاء والميم في «عَنْهُمْ» فيقبح الوقف على هذا التقدير على «عَنْهُمْ». ويجوز أن يكون حالاً من المضمر في «يَخْرُجُونَ» فيوقف على «عَنْهُمْ». وقرىء «خُشَّعٌ أَبْصَارُهُمْ» على الابتداء والخبر، ومحل الجملة النصب على الحال، كقوله:

وجدتـه حَاضِـرَاه الجـودُ والْكَـرَمُ

{يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ} أي القبور واحدها جدث. {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ. مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ}. وقال في موضع آخر: { يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ } [القلرعة:4] فهما صفتان في وقتين مختلفين؛ أحدهما ـ عند الخروج من القبور، يخرجون فزِعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض؛ فهم حينئذ كالفراش المبثوث بعضه في بعض لا جهة له يقصدها (الثاني) ـ فإذا سمعوا المنادي قصدوه فصاروا كالجراد المنتشر؛ لأن الجراد له جهة يقصدها. و «مُهْطِعِينَ» معناه مسرعين؛ قاله أبو عبيدة. ومنه قول الشاعر:

بدِجْلَةَ دَارُهمْ ولقد أراهمبدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ

الضحاك: مقبلين. قتادة: عامدين. ٱبن عباس: ناظرين. عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت. والمعنى متقارب. يقال: هَطَع الرجلُ يَهْطَعُ هُطُوعاً إذا أقبل على الشيء ببصره لا يقلع عنه؛ وأهطع إذا مدّ عنقه وصوّب رأسه. قال الشاعر:

تَعَبَّدَنِي نِمْرُ بنُ سَعْدٍ وقد أَرىونِمْرُ بنُ سَعْدٍ لي مُطِيعٌ ومُهْطِعُ

وبعير مُهْطِع: في عنقه تصويبٌ خِلْقةً. وأهطع في عَدْوه أي أسرع. {يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} يعني يوم القيامة لما ينالهم فيه من الشدّة.