التفاسير

< >
عرض

أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ
٦٨
ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ
٦٩
لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ
٧٠
أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ
٧١
أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ
٧٢
نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ
٧٣
فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ
٧٤
-الواقعة

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ} لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم، لأن الشراب إنما يكون تبعاً للمطعوم، ولهذا جاء الطعام مقدماً في الآية قبلُ، ألا ترى أنك تسقي ضيفك بعد أن تطعمه. الزمخشري: ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء:

إذا سُقِيَتْ ضُيوفُ الناسِ مَحْضاًسَقَوْا أضيافَهمْ شَبِماً زُلاَلاَ

وسُقِي بعضُ العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثَمِيلة. {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ} أي السَّحاب، الواحدة مُزْنة؛ فقال الشاعر:

فنحنُ كماءِ الْمُزْنِ ما في نِصَابِنَاكَهَامٌ ولا فينا يُعَدُّ بَخِيلُ

وهذا قول ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما أن المُزْن السَّحاب. وعن ٱبن عباس أيضاً والثوري: المُزْن السّماء والسّحاب. وفي الصّحاح: أبو زيد: المُزْنة السّحابة البيضاء والجمع مُزْن، والمُزْنة المَطْرَة؛ قال:

ألم تَرَ أن الله أَنْزَلَ مُزْنةًوعُفْرُ الظِّبَاءِ في الكِنَاسِ تَقَمَّعُ

{أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} أي فإذا عرفتم بأني أنزلته فَلِمَ لا تشكروني بإخلاص العبادة لي؟ ولَمِ تنكرون قدرتي على الإعادة؟. {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي ملحاً شديد الملوحة؛ قاله ٱبن عباس. الحسن: مرًّا قُعَاعاً لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما. {فَلَوْلاَ} أي فهلاّ تشكرون الذي صنع ذلك بكم.

قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} أي أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقَدْح من الشجر الرَّطْب {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} يعني التي تكون منها الزِّناد وهي المَرْخُ والعَفَار؛ ومنه قولهم: في كلّ شجرٍ نار، وٱسْتَمْجدَ المَرْخُ والعَفَار؛ أي ٱستكثر منها، كأنهما أخذا من النار ما هو حَسْبهما. ويقال: لأنهما يُسِرعان الْوَرْيَ. يقال: أوْرَيت النار إذا قدحتها. وورَى الزَّنَدُ يَرِى إذا ٱنقدح منه النار. وفيه لغة أخرى: ووَرِي الزَّندُ يَرِى بالكسر فيهما. {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} أي المخترعون الخالقون؛ أي فإذا عرفتم قدرتي فٱشكروني ولا تنكروا قدرتي على البعث.

قوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى؛ قاله قتادة. ومجاهد: تبصرة للناس من الظلام. وصح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم فقالوا يا رسول الله: أن كانت لكافية؛ قال: فإنها فضَلَت عليها بتسعة وستين جُزْءاً كلّهنّ مثل حَرِّها" . {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} قال الضحاك: أي منفعة للمسافرين؛ سمّوا بذلك لنزولهم القَوَى وهو القفر. الفراء: إنما يقال للمسافرين: مُقْوين إذا نزلوا القِيّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها. وكذلك القَوَى والقَوَاء بالمدّ والقصر، ومنزلٌ قَواء لا أنيس به؛ يقال: أَقْوت الدارُ وقَوِيت أيضاً أي خلت من سكانها؛ قال النابغة:

يا دارَ مَيَّةَ بالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِأَقْوَتْ وطال عَليها سَالفُ الأَمَدِ

وقال عنترة:

حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُأَقْوَى وَأَقْفَر بَعد أُمِّ الْهَيْثَمِ

ويقال: أَقْوَى أي قَوِي وقَوِي أصحابه، وَأَقوى إذا سافر أي نزل القَوَاء والقِيّ. وقال مجاهد: {لِّلْمُقْوِينَ } المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها. وقال ٱبن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم. يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئاً، وبات فلان القَواء وبات القفرَ إذا بات جائعاً على غير طُعْم؛ قال الشاعر:

وإنِّي لأختارُ القَوَى طَاوِيَ الحَشَىمحَافَظَةً من أَنْ يقالَ لَئِيمُ

وقال الربيع والسدي: {الْمُقوِينَ} المنزلين الذين لا زناد معهم؛ يعني ناراً يوقدون فيختبزون بها؟ ورواه العوفي عن ٱبن عباس. وقال قُطْرب: المُقْوِي من الأضداد يكون بمعنى الفقير ويكون بمعنى الغني؛ يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله. المهدوي: والآية تصلح للجميع؛ لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير. وحكى الثعلبي أن أكثر المفسرين على القول الأوّل. القشيري: وخص المسافر بالانتفاع بها لأن ٱنتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم؛ لأن أهل البادية لا بد لهم من النار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السّباع، وفي كثير من حوائجهم.

قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي فنزّه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد، والعجز عن البعث.