التفاسير

< >
عرض

يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً
٧
وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
٨
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً
٩
-الإنسان

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي لا يُخلِفون إذا نَذَرواً. وقال مَعْمَر عن قتادة: بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعُمْرة وغيره من الواجبات. وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حقّ الله جل ثناؤه. وقال الفرّاء والجرجاني: وفي الكلام إضمار؛ أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. والعرب قد تزيد مرة «كان» وتحذف أخرى. والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلّف على نفسه من شيء يفعله. وإن شئت قلت في حَدِّه: النذر: هو إيجاب المكلَّف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه. وقال الكَلْبيّ: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي يتممون العهود والمعنى واحد؛ وقد قال الله تعالى: { { ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } } [الحج: 29] أي أعمال نسكهم التي ألزموها أَنفسهم بإحرامهم بالحج. وهذا يقوّي قول قتادة. وأن النذر يندرج فيه ما ٱلتزمه المرء بإيمانه من ٱمتثال أمر الله؛ قاله القُشيري. وروى أشهب عن مالك أنه قال: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} هو نذر العتق والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال مالك: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} قال: النذر: هو اليمين.

قوله تعالى: {وَيَخَافُونَ} أي يحذرون {يَوْماً} أي يوم القيامة. {كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي عالياً داهياً فاشياً وهو في اللغة ممتدّاً؛ والعرب تقول: ٱستطار الصدع في القارورة والزجاجة وٱستطال: إذا ٱمتد؛ قال الأعشى:

وبَانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفُؤَادِ صَدْعاً على نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا

ويقال: ٱستطار الحريق: إذا ٱنتشر. وٱستطار الفجر إذا ٱنتشر الضوء.

وقال حسان:

وهَانَ على سَرَاة بنِي لُؤَيٍّحرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

وكان قتادة يقول: ٱستطار واللَّهِ شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض. وقال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات فٱنشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وفي الأرض نُسِفت الجبالُ وغارت المياهُ.

قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} قال ٱبن عباس ومجاهد: على قِلّته وحبّهم إياه وشهوتهم له. وقال الداراني: على حبّ الله. وقال الفُضَيل بن عِياض: على حبّ إطعام الطعام. وكان الربيع بن خيثم إذا جاءه السائل قال: أطعموه سُكَّراً فإن الربيع يحب السكر. {مِسْكِيناً} أي ذا مسكنة. وروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: هو الطوّاف يسألك مَالَكَ {وَيَتِيماً} أي من يتامى المسلمين. وروى منصور عن الحسن: أن يتيماً كان يحضر طعام ٱبن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، وجاءه بعد ما فرغ ٱبن عمر من طعامه فلم يجد الطعام، فدعا له بسَوِيق وعسل؛ فقال: دونك هذا، فوالله ما غُبِنتَ؛ قال الحسن وٱبن عمر: والله ما غُبِن. {وَأَسِيراً} أي الذي يؤسر فيحبس. فروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم. وقاله قتادة. وروى ٱبن أبي نجيح عن مجاهد قال: الأسير هو المحبوس. وكذا قال سعيد بن جُبير وعطاء: هو المسلم يُحبس بحقّ. وعن سعيد بن جبير مثل قول قتادة وٱبن عباس. قال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم، وأن أسراهم يومئذ لأَهلُ الشِّرك، وأخوك المسلم أحقُّ أن تطعمه. وقال عِكرمة: الأسير العبد. وقال أبو حمزة الثُّمَالي: الأسير المرأة، يدلّ عليه قوله عليه السلام: " ٱستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عَوَانٍ عندكم" أي أسيرات. وقال أبو سعيد الخُدري: "قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} فقال: المسكين الفقير، واليتيم الذي لا أب له، والأسير المملوك والمسجون" ذكره الثعلبي. وقيل: نسخ إطعام المسكين آية الصدقات؛ وإطعام الأسير (آية) السيف؛ قاله سعيد بن جُبير. وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلاّ أن يتخير فيه الإمام. الماورديّ: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر خَبْله وجنونه، وأسر المشرك ٱنتقام يقف على رأي الإمام، وهذا بِرٌّ وإحسان. وعن عطاء قال: الأسير من أهل القبلة وغيرهم.

قلت: وكأنّ هذا القول عام يجمع جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا. والله أعلم. ومضى القول في المسكين واليتيم والأسير وٱشتقاق ذلك من اللغة في «البقرة» مستوفًى والحمد لله.

قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} أي يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم والأسير {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} في الله جلّ ثناؤه فزعاً من عذابه وطمعاً في ثوابه. {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً} أي مكافأة. {وَلاَ شُكُوراً} أي ولا أن تثنوا علينا بذلك؛ قال ٱبن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا. وعن سالم عن مجاهد قال: أما إنهم ما تكلّموا به ولكن علمه الله جلّ ثناؤه منهم فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب. وقاله سعيد بن جُبير حكاه عنه القُشيريّ. وقيل: إن هذه الآية نزلت في مُطْعِم بن ورقاء الأنصاريّ نذر نذراً فوفَّى به. وقيل: نزلت فيمن تكفّل بأسرى بدروهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعليّ والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأبو عبيدة رضي الله عنهم؛ ذكره الماورديّ. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً. وقال أبو حمزة الثُّمَالي: بلغني "أن رجلاً قال يا رسول الله أطعمني فإني واللَّهِ مجهود؛ فقال: والذي نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن ٱطلب فأتى رجلاً من الأنصار وهو يتعشى مع ٱمرأته فسأله، وأخبره بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يتيم فقال: يا رسول الله! أَطعمني فإني مجهود. فقال: ما عندي ما أطعمك ولكن ٱطلب فٱستطعم ذلك الأنصاريّ فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه، فأطعمه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم أسير فقال: يا رسول الله! أطعمني فإني مجهود. فقال: والله ما معي ما أطعمك ولكن ٱطلب فجاء الأنصاريّ فطلب، فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه. فنزلت: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً}" ذكره الثعلبيّ. وقال أهل التفسير: نزلت في عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وجارية لهما ٱسمها فضة.

قلت: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومَن فعل فعلاً حسناً؛ فهي عامة. وقد ذكر النقاش والثّعلبيّ والقشيريّ وغير واحد من المفسّرين في قصة عليّ وفاطمة وجاريتهما حديثاً لا يصح ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد عن ٱبن عباس: في قوله عزّ وجلّ: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} قال: مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادهما عامة العرب؛ فقالوا: يا أبا الحسن ـ ورواه جابر الجُعْفيّ عن قَنْبَر مولى عليّ قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبا الحسن ـ رجع الحديث إلى حديث ليث بن أبي سليم ـ لو نذرتَ عن ولديك شيئاً، وكل نذر ليس له وفاء فليس بشيء. فقال رضي الله عنه: إن بَرأَ ولداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت جارية لهم نوبية: إن بَرأَ سيِّداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة مثل ذلك. وفي حديث الجُعْفيّ فقال الحسن والحسين: علينا مثل ذلك فأُلْبِس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق عليّ إلى شمعون بن حاريا الخيبريّ، وكان يهودياً، فٱستقرض منه ثلاثة أصوُع من شعير، فجاء به، فوضعه ناحية البيت، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه. وفي حديث الجُعْفيّ: فقامت الجارية إلى صاع من شعير فخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، فلما مضى صيامهم الأوّل وضع بين أيديهم الخبز والملح الجريش؛ إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهلَ بيت محمد ـ في حديث الجُعْفي ـ أنا مسكين من مساكين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا والله جائع؛ أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ رضي الله عنه، فأنشأ يقول:

فاطمَ ذاتَ الفضلِ واليقينْيا بنتَ خير الناسِ أجمعينْ
أما تَرَينَ البائسَ المسكينْقد قام بالباب له حنينْ
يشكو إلى الله ويستكينْيشكو إلينا جائعٌ حزينْ
كل ٱمرىء بكسبه رهينْوفاعل الخيرات يستبِينْ
موعِدُنا جَنّة عِلِّيينْحرّمها الله على الضَّنِينْ
ولِلبِخيل موقِفٌ مهِينتَهوِي بِهِ النار إلى سِجِّينْ
شرابه الحميم والغِسْلينْمن يفعلِ الخيرَ يقم سمينْ
ويَدْخُـل الجنـةَ أيّ حِيـنْ

فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول:

أمرُكَ عندي يا بن عَمٍّ طاعهْما بِيَ من لُؤْم ولا وَضَاعهْ
غَدَيْتُ في الخبز له صناعهْأُطعِمه ولا أُبالي السَّاعهْ
أرجو إذا أَشبعتُ ذا المَجَاعهْأَنْ أَلحقَ الأخيارَ والجَمَاعهْ
وأدخـلَ الجنـةَ لـي شَفاعـهْ

فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الثاني قامت إلى صاع فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين ٱستشهد والدي يوم العَقَبة. أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ فأنشأ يقول:

فاطِمَ بنتَ السِّيدِ الكريمْبنتَ نبِيٍّ ليس بالزَّنِيمْ
لقد أتى الله بِذِي اليتيمْمن يرحم اليوم يكن رحِيمْ
ويدخل الجنة أي سلِيمْقد حرم الخلدُ على اللئيمْ
ألاَّ يَجوزَ الصراطَ المستقيمْيزلّ في النار إلى الجحيمْ
شرابُـه الصـديـدُ والحميـمْ

فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول:

أطعِمه اليوم ولا أبالِيوأوثر اللَّهَ على عيالي
أَمَسوْا جياعاً وَهُمُ أَشْبَاليأصغرُهم يُقتَلُ في القِتالِ
بِكَرْ بَلاَ يُقتَلُ بٱغْتَيالِيا ويلُ لِلقاتِل مَعْ وَبَالِ
تَهوى به النار إلى سِفالِوفي يديهِ الغُلَّ والأغلال
كبولـة زادت علـى الأكبـالِ

فأطعموه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح؛ فلما كانت في اليوم الثالث قامت إلى الصاع الباقي فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسروننا وتَشُدُّوننا ولا تُطْعِمونناٰ أطعموني فإنّي أسير محمد. فسمعه عليّ فأنشأ يقول:

فاطم يا بنتَ النبيِّ أحمدْبنت نبِيٍّ سيِّدٍ مُسَوَّدْ
وسماه الله فهو محمدقد زانه الله بِحسنٍ أغيدْ
هذا أسِيرٌ للنبيّ المهتدْمُثقَّلٌ في غُلِّه مُقيَّدْ
يَشكو إلينا الجوعَ قد تمددْمن يُطعِمِ اليومَ يجِده في غدْ
عند العليّ الواحِدِ الموحَّدْما يزرع الزارِعُ سوف يَحصُدْ
أعطيـه لا لا تجعلِيـهِ أقعـد

فأنشأت فاطمة رضي الله تعالى عنها تقول:

لم يَبْقَ مِمّا جاء غيرُ صاعْقد ذهبت كَفِّي مع الذِّراعْ
ٱبنايَ والله هُمَا جِيَاعْيا ربّ لا تتركهما ضياعْ
أبوهما للخير ذو ٱصطناعْيَصطنِع المعروفَ بابتداعْ
عَبْلُ الذِّراعين شديد الباعْوما على رأسِيَ مِن قِناعْ
إلاَّ قنـاعاً نَسْجـهُ أَنْسَـاعْ

فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الرابع، وقد قضى الله النذر أخذ بيده اليمنى الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع؛ فلما أبصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم ٱنطلق بنا إلى ٱبنتي فاطمة" فانطلقوا إليها وهي في محرابها، وقد لصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المجاعة في وجهها بكى وقال: "واغوثاه يا الله، أهُل بيت محمد يموتون جوعاً" فهبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربك يقرئك السلام يا محمد، خذه هنيئاً في أهل بيتك. قال: "وما آخذ يا جبريل" فأقرأه {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} إلى قوله: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فهذا حديث مُزوَّق مُزيَّف، قد تَطرَّف فيه صاحبه حتى تَشبَّه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يَعَضُّ شفتيه تلهفاً ألاّ يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم؛ وقد قال الله تعالى في تنزيله: { { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } } [البقرة: 219] وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة بأن "خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنًى. وٱبدأ بنفسك ثم بمن تعول" وٱفترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يَقُوت" أفيحسب عاقل أن عليًّا جهل هذا الأمر حتى أجهد صبياناً صغاراً من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ حتى تَضوَّروا من الجوع، وغارت العيون منهم؛ لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهم من الجهد. هَبْ أنه آثَرَ على نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك؟! وهَبْ أنّ أهله سمحت بذلك لعليّ فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟! ما يُروج مثل هذا إلا على حَمْقى جهّال؛ أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعليّ مثل هذا. وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن عليّ وفاطمة، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أدّاه إلى هؤلاء الرواة؟! فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى. بلغني أن قوماً يُخلَّدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السَّمَر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة رمَوا بها وزَيفَّوها، وما من شيء إلا له آفة ومكيدة، وآفة الدِّين وكيُده أكثر.