التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
٢٢
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٢٣
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ
٢٤
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
٢٥
خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ
٢٦
وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
٢٧
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢٨
-المطففين

الجامع لاحكام القرآن

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ} أي أهل الصدق والطاعة. {لَفِي نَعِيمٍ} أي نَعْمة، والنَّعمة بالفتح: التنعيم؛ يقال: نَعَّمه الله وناعمه فتنعم، وامرأة منعَّمة ومناعَمة بمعنى. أي إن الأبرار في الجنات يتنعمون. {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} وهي الأسرة في الحجِال {يَنظُرُونَ} أي إلى ما أعدّ الله لهم من الكرامات؛ قاله عكرمة وٱبن عباس ومجاهد. وقال مقاتل: ينظُرون إلى أهل النار. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ينظرون إلى أعدائهم في النار" ذكره المَهْدَوِيّ. وقيل: على أرائك أفضاله ينظرون إلى وجهه وجلاله.

قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ} أي بهجته وغضارته ونوره؛ يقال: نضر النبات: إذا ٱزهر ونوّر. وقراءة العامة «تعرِفُ» بفتح التاء وكسر الراء «نَضْرةَ» نصباً؛ أي تعرف يا محمد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويعقوب وشيبة وٱبن أبي إسحاق: «تُعْرَف» بضم التاء وفتح الراء على الفعل المجهول «نضرة» رفعاً. {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ} أي من شراب لا غِش فيه. قاله الأخفش والزجّاج. وقيل، الرحيق الخمر الصافية. وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر. والمعنى واحد. الخليل: أصفى الخمر وأجودها. وقال مقاتل وغيره: هي الخمر العتيقة البيضاء الصافية من الغش النيرة، قال حسان:

يَسْقون مَنْ وَرَدَ البريصَ علَيْهِمُبَرَدَى يُصَفَّق بالرِحيقِ السلسلِ

وقال آخر:

أمْ لا سبِيلَ إِلى الشباب وذكرهأَشْهى إِلىّ مِن الرحيقِ السَّلْسَلِ

{مَّخْتُومٍ} {خِتَامُهُ مِسْكٌ} قال مجاهد: يختم به آخر جُرْعة. وقيل: المعنى إذا شربوا هذا الرحيق ففنى ما في الكأس، ٱنختم ذلك بخاتم المسْك. وكان ٱبن مسعود يقول: يجدون عاقبتها طعم المسك. ونحوه عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي قالا: ختامه آخر طعمه. وهو حسن؛ لأن سبيل الأشربة أن يكون الكَدَر في آخرها، فوصف شراب أهل الجنة بأن رائحة آخره رائحة المسك. وعن مسروق عن عبد الله: قال المختوم الممزوج. وقيل: مختوم أي ختمت ومنعت عن أن يمسها ماس إلى أن يَفُكَّ ختامها الأبرار. وقرأ عليّ وعلقمة وشقيق والضحاك وطاوس والكسائي «خاتَمه» بفتح الخاء والتاء وألف بينهما. قاله علقمة: أما رأيت المرأة تقول للعطار: ٱجعل خاتَمه مسكاً، قاله الفراء. وفي الصحاح: والخِتام: الطين الذي يُخْتم به. وكذا قال مجاهد وٱبن زيد: خُتم إناؤه بالمسك بدلاً من الطين. حكاه المهدويّ. وقال الفرزدق:

وبِت أَفُضّ أَغلاق الخِتامِ

وقال الأعشى:

وأبرزها وعليها خَتَمْ

أي عليها طينة مختومة؛ مثل نَفْضٍ بمعنى منفوضٍ، وقَبْضٍ بمعنى مقبوضٍ. وذكر ٱبن المبارك وٱبن وهب، واللفظ لابن وهب، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: «خِتامه مِسْك»: خَلْطه، ليس بخاتم يختم، ألا ترى إلى قول المرأة من نسائكم: إن خِلْطه من الطِّيب كذا وكذا. إنما خِلْطه مسك؛ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختِمون به آخر أشربتهم، لو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها. وروي أُبَيُّ بن كعب قال: "قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال: غُدْران الخمر" . وقيل: مختوم في الآنية، وهو غير الذي يجري في الأنهار. فالله أعلم. {وَفِي ذَلِكَ} أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة {فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} أي فليرغب الراغبون؛ يقال: نَفَسْت عليه الشيء أَنْفسِه نفاسة: أي ضنِنت به، ولم أحبَّ أن يصير إليه. وقيل: الفاء بمعنى إلى، أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل؛ نظيره: لِمِثلِ هذا فليعملِ العامِلون». {وَمِزَاجُهُ} أي ومزاج ذلك الرحيق {مِن تَسْنِيمٍ} وهو شراب ينصبّ عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب في الجنة. وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع، فهي عين ماء تجري من علو ألى أسفل؛ ومنه سنام البعير لعلوّه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور. وروي عن عبد الله قال: تسنيم عين في الجنة يشرب بها المقرّبون صِرْفاً، ويمزح منها كأس أصحاب اليمين فتطيب. وقال ٱبن عباس في قوله عز وجل: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ} قال: هذا مما قال الله تعالى: { { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } }. [السجدة: 17] وقيل: التسنيم عين تجري في الهواء بقدرة الله تعالى، فتنصبُّ في أواني أهل الجنة على قدر مائها، فإذا ٱمتلأت أمسك الماء، فلا تقع منه قطرة على الأرض، ولا يحتاجون إلى الاستقاء؛ قاله قتادة. ٱبن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش. وكذا في مراسيل الحسن. وقد ذكرناه في سورة «الإنسان». {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ} أي يشرب منها أهل جنة عدنٍ، وهم أفاضل أهل الجنة، صِرْفاً، وهي لغيرهم مِزاج. و «عينا» نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال من تسنيم، وتسنِيم معرفة، ليس يعرف له ٱشتقاق، وإن جعلته مصدراً مشتقاً من السنام فـ «ـعينا» نصب؛ لأنه مفعول به؛ كقوله تعالى: { { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } } [البلد: 14-15] وهذا قول الفراء إنه منصوب بتسنيم. وعند الأخفش بـ «ـيُسْقَون» أي يسقون عينا أو من عين. وعند المبرد بإضمار أعني على المدح.