التفاسير

< >
عرض

بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ
١٩٥
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ
١٩٦
أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ
١٩٧
وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ
١٩٨
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ
١٩٩
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ
٢٠٠
لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ
٢٠١
فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٢٠٢
فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ
٢٠٣
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
٢٠٤
أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ
٢٠٥
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ
٢٠٦
مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ
٢٠٧
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ
٢٠٨
ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ
٢٠٩
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ
٢١٠
وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
٢١١
إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
٢١٢
فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ
٢١٣
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ
٢١٤
وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢١٥
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
٢١٦
وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ
٢١٧
ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ
٢١٨
وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ
٢١٩
إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٢٢٠
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ
٢٢١
تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
٢٢٢
يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ
٢٢٣
وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ
٢٢٤
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ
٢٢٥
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ
٢٢٦
إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ
٢٢٧
-الشعراء

انوار التنزيل واسرار التأويل

{ بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينٍ } واضح المعنى لئلا يقولوا ما نصنع بما لا نفهمه فهو متعلق بـ { نَزَّلَ }، ويجوز أن يتعلق بالمنذرين أي لتكون ممن أنذروا بلغة العرب وهم هود وصالح وإسمعيل وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام.

{ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } وإن ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدمة.

{ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً } على صحة القرآن أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. { أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرٰءِيلَ } أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم وهو تقرير لكونه دليلاً. وقرأ ابن عامر تكن بالتاء و { ءايَةً } بالرفع على أنها الاسم والخبر { لَهُمْ } { وَأَنْ يَعْلَمْهُ } بدل أو الفاعل و { أَن يَعْلَمَهُ } بدل { وَهُمْ } حال، أو أن الاسم ضمير القصة و { ءَايَةً } خبر { أَن يَعْلَمَهُ } والجملة خبر تكن.

{ وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ } كما هو زيادة في إعجازه أو بلغة العجم.

{ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } لفرط عنادهم واستكبارهم، أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم، و { ٱلأَعْجَمِينَ } جمع أعجمي على التخفيف ولذلك جمع جمع السلامة.

{ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } أدخلناه. { فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ } والضمير للكفر المدلول عليه بقوله { مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } فتدل الآية على أنه بخلق الله، وقيل للقرآن أي أدخلناه فيها فعرفوا معانيه وإعجازه ثم لم يؤمنوا به عناداً.

{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } الملجىء إلى الإِيمان.

{ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً } في الدنيا والآخرة. { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه.

{ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } تحسراً وتأسفاً.

{ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } فيقولون أمطر علينا حجارة من السماء، { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا }، وحالهم عند نزول العذاب طلب النظرة.

{ أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب وتخفيفه.

{ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } أنذروا أهلها إلزاماً للحجة.

{ ذِكْرِى } تذكرة ومحلها النصب على العلة أو المصدر لأنها في معنى الإِنذار، أو الرفع على أنها صفة { مُنذِرُونَ } بإضمار ذوو، أو بجعلهم ذكرى لإِمعانهم في التذكرة، أو خبر محذوف والجملة اعتراضية. { وَمَا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } فنهلك غير الظالمين، أو قبل الإِنذار.

{ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ } كما زعم المشركون أنه من قبيل ما يلقي الشياطين على الكهنة.

{ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ } وما يصح لهم أن يتنزلوا به. { وَمَاَ يَسْتَطِيعُونَ } وما يقدرون.

{ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ } لكلام الملائكة. { لَمَعْزُولُونَ } لأنه مشروط بمشاركة في صفاء الذات وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصور الملكوتية، ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك والقرآن مشتمل على حقائق ومغيبات لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة.

{ فَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْمُعَذَّبِينَ } تهييج لإِزدياد الإِخلاص ولطف لسائر المكلفين.

{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } الأقرب منهم فالأقرب فإن الاهتمام بشأنهم أهم. " روي أنه لما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا وناداهم فخذاً فخذاً حتى اجتمعوا إليه فقال: لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي قالوا نعم قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" .

{ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لين جانبك لهم مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط، و { مِنْ } للتبيين لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو غيره، أو للتبعيض على أن المراد { مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } المشارفون للإِيمان أو المصدقون باللسان.

{ فَإِنْ عَصَوْكَ } ولم يتبعوك. { فَقُلْ إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تَعْمَلُونَ } بما تعملونه أو من أعمالكم.

{ وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ } الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم. وقرأ نافع وابن عامر «فتوكل» على الإِبدال من جواب الشرط.

{ ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } إلى التهجد.

{ وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّـٰجِدِينَ } وترددك في تصفح أحوال المجتهدين كما روي "أنه عليه الصلاة والسلام لما نسخ قيام فرض الليل طاف عليه الصلاة والسلام تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصاً على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع بها من دندنتهم بذكر الله وتلاوة القرآن" . أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أممتهم، وإنما وصفه الله تعالى بعلمه بحاله التي بها يستأهل ولايته بعد وصفه بأن من شأنه قهر أعدائه ونصر أوليائه تحقيقاً للتوكل وتطميناً لقلبه عليه.

{ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما تقوله. { ٱلْعَلِيمُ } بما تنويه.

{ هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } لما بين أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك بأن بين أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يصح أن يتنزلوا عليه من وجهين: أحدهما أنه إنما يكون على شرير كذاب كثير الإِثم، فإن اتصال الإِنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتواد وحال محمد صلى الله عليه وسلم على خلاف ذلك. وثانيهما قوله:

{ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ } أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنوناً وأمارات لنقصان علمهم، فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها كما جاء في الحديث "الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة" ولا كذلك محمد صلى الله عليه وسلم فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها، وقد فسر الأكثر بالكل لقوله تعالى: { كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ }. والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني. وقيل الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن يرجموا فيختطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم لا على نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم، أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم.

{ وَٱلشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليسوا كذلك، وهو استئناف أبطل كونه عليه الصلاة والسلام شاعراً وقرره بقوله:

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ } لأن أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها، وأغلب كلماتهم في النسيب بالحرم والغزل والابتهار وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والوعد الكاذب والافتخار الباطل ومدح من لا يستحقه والإِطراء فيه، وإليه أشار بقوله:

{ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } وكأنه لما كان إعجاز القرآن من جهة اللفظ والمعنى، وقد قدحوا في المعنى بأنه مما تنزلت به الشياطين، وفي اللفظ بأنه من جنس كلام الشعراء تكلم في القسمين وبين منافاة القرآن لهما ومضادة حال الرسول صلى الله عليه وسلم لحال أربابهما. وقرأ نافع »يَتَّبِعُهُمُ« على التخفيف، وقرىء بالتشديد وتسكين العين تشبيهاً لبعضه بعضاً.

{ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدَمَا ظُلِمُواْ } استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى والحث على طاعته، ولو قالوا هجوا أرادوا به الانتصار ممن هجاهم ومكافحة هجاة المسلمين كعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت والكعبين، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لحسان "قل وروح القدس معك" وعن كعب بن مالك أنه عليه الصلاة والسلام قال له "اهجوا فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل" { وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } تهديد شديد لما في سيعلم من الوعيد البليغ وفي الذين ظلموا من الإِطلاق والتعميم، وفي أي منقلب ينقلبون أي بعد الموت من الإِيهام والتهويل، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما حين عهد إليه، وقرىء «أي منفلت ينفلتون» من الإِنفلات وهو النجاة والمعنى: أن الظالمين يطمعون أن ينفلتوا عن عذاب الله وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات.

عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وبعدد من كذب بعيسى وصدق بمحمد عليهم الصلاة والسلام"