التفاسير

< >
عرض

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً
١٢٧
وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
١٢٨
وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
١٢٩
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً
١٣٠
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً
١٣١
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
١٣٢
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً
١٣٣
-النساء

انوار التنزيل واسرار التأويل

{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنّسَاء} في ميراثهن إذ سبب نزوله (أن عيينة بن حصن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرنا أنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال عليه الصلاة والسلام: " كذلك أمرت" {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} يبين لكم حكمه فيهن والافتاء تبيين المبهم. {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَـٰبِ} عطف على اسم الله تعالى، أو ضميره المستكن في يفتيكم وساغ للفصل فيكون الإِفتاء مسنداً إلى الله سبحانه وتعالى وإلى ما في القرآن من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} ونحوه، والفعل الواحد ينسب إلى فاعلين مختلفين باعتبارين مختلفين، ونظيره أغناني زيد وعطاؤه، أو استئناف معترض لتعظيم المتلو عليهم على أن ما يتلى عليكم مبتدأ وفي الكتاب خبره. والمراد به اللوح المحفوظ، ويجوز أن ينصب على معنى ويبين لكم ما يملي عليكم أو يخفض على القسم كأنه قيل: وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب، ولا يجوز عطفه على المجرور في فيهن لاختلاله لفظاً ومعنى {فِي يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء} صلة يتلى إن عطف الموصول على ما قبله أي يتلى عليكم في شأنهن وإلا فبدل من فيهن، أو صلة أخرى ليفتيكم على معنى الله يفتيكم فيهن بسبب يتامى النساء كما تقول: كلمتك اليوم في زيد، وهذه الإِضافة بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه. وقرىء «ييامى» بياءين على أنه أيامى فقلبت همزته ياء. {ٱلَّلَـٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي فرض لهن من الميراث. {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن، فإن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات ويأكلون ما لهن، وإلا كانوا يعضلونهن طمعاً في ميراثهن والواو تحتمل الحال والعطف، وليس فيه دليل على جواز تزويج اليتيمة إذ لا يلزم من الرغبة في نكاحها جريان العقد في صغرها. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ } عطف على يتامى النساء والعرب ما كانوا يورثونهم كما لا يورثون النساء. {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ } أيضاً عطف عليه أي ويفتيكم أو ما يتلى في أن تقوموا، هذا إذا جعلت في يتامى صلة لأحدهما فإن جعلته بدلاً فالوجه نصبهما عطفاً على موضع فيهن، ويجوز أن ينصب وأن تقوموا بإضمار فعل أي: ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للقوام بالنصفة في شأنهم. {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً } وعد لمن آثر الخير في ذلك.

{وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَـٰفَتْ مِن بَعْلِهَا } توقعت منه لما ظهر لها من المخايل، وامرأة فاعل فعل يفسره الظاهر. {نُشُوزاً } تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها كراهة لها ومنعاً لحقوقها. {أَوْ إِعْرَاضاً } بأن يقل مجالستها ومحادثتها. {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } أن يتصالحا بأن تحط له بعض المهر، أو القسم، أو تهب له شيئاً تستميله به. وقرأ الكوفيون {أَن يُصْلِحَا } من أصلح بين المتنازعين، وعلى هذا جاز أن ينتصب صالحاً على المفعول به، وبينهما ظرف أو حال منه أو على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول بينهما أو هو محذوف. وقرىء {يُصْلِحَا } من أصلح بمعنى اصطلح. {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ } من الفرقة أو سوء العشرة أو من الخصومة. ولا يجوز أن يراد به التفضيل بل بيان أنه من الخيور كما أن الخصومة من الشرور، وهو اعتراض وكذا قوله: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ } ولذلك اغتفر عدم مجانستهما، والأول للترغيب في المصالحة، والثاني لتمهيد العذر في المماكسة. ومعنى إحضار الأنفس الشح جعلها حاضرة له مطبوعة عليه، فلا تكاد المرأة تسمح بالإِعراض عنها والتقصير في حقها ولا الرجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها. {وَإِن تُحْسِنُواْ } في العشرة. {وَتَتَّقُواْ } النشوز والإِعراض ونقص الحق. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإِحسان والخصومة.{خَبِيراً } عليماً به وبالغرض فيه فيجازيكم عليه، أقام كونه عالماً بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة للسبب مقام المسبب.

{وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } لأن العدل أن لا يقع ميل ألبتة وهو متعذر فلذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" {وَلَوْ حَرَصْتُمْ } أي على تحري ذلك وبالغتم فيه. {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } بترك المستطاع والجور على المرغوب عنها، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله. {فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ } التي ليست ذات بعل ولا مطلقة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" . {وَإِن تُصْلِحُواْ } ما كنتم تفسدون من أمورهن. {وَتَتَّقُواْ } فيم يستقبل من الزمان. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر لكم ما مضى من ميلكم.

{وَإِن يَتَفَرَّقَا } وقرىء وإن يفارق كل منهما صاحبه. {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ } منهما عن الآخر ببدل أو سلوة. {مِّن سَعَتِهِ } غناه وقدرته. {وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً } مقتدراً متقناً في أفعاله وأحكامه.

{وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تنبيه على كمال سعته وقدرته. {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } يعني اليهود والنصارى، ومن قبلهم، و {ٱلْكِتَـٰبِ } للجنس و {مِنْ } متعلقة بـ {وَصَّيْنَا } أو بـ {أُوتُواْ } ومساق الآية لتأكيد الأمر بالإِخلاص. {وَإِيَّـٰكُمْ } عطف على الذين. {أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بأن اتقوا الله، ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول. {وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} على إرادة القول أي: وقلنا لهم ولكم أن تكفروا فإن الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته ثم قرر ذلك بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً } عن الخلق وعبادتهم. {حَمِيداً} في ذاته حمد وإن لم يحمد.

{وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ذكره ثالثاً للدلالة على كونه غنياً حميداً، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه وبما أفاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميداً. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً } راجع إلى قوله {يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ }، فإنَّه توكل بكفايتهما وما بينهما تقرير لذلك.

{إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } يفنكم، ومفعول يشأ محذوف دل عليه الجواب. {وَيَأْتِ بِـآخَرِينَ} ويوجد قوماً آخرين أو خلقاً آخرين مكان الإِنس. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ } من الإِعدام والإِيجاد. {قَدِيراً} بليغ القدرة لا يعجزه مراد، وهذا أيضاً تقرير لغناه وقدرته، وتهديد لمن كفر به وخالف أمره. وقيل: هو خطاب لمن عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب ومعناه معنى قوله تعالى: { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } [محمد: 38] لما روي: "أنه لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال: إنهم قوم هذا" .