التفاسير

< >
عرض

ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ
١
وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ
٢
وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ
٣
وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ
٤
حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ
٥
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُّكُرٍ
٦
خُشَّعاً أَبْصَٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ
٧
مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ يَقُولُ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ
٨
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَٱزْدُجِرَ
٩
فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ
١٠
-القمر

انوار التنزيل واسرار التأويل

مكية وآيها خمس وخمسون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

{ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } روي أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر. وقيل معناه سينشق يوم القيامة ويؤيد الأول أنه قرىء «وقد انشق القمر» أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر، وقوله:

{وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ } عن تأملها والإِيمان بها. {وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } مطرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك، أو محكم من المرة يقال أمررته فاستمر إذا أحكمته فاستحكم، أو مستبشع من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته أو مار ذاهب لا يبقى.

{وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ } وهو ما زين لهم الشيطان من رد الحق بعد ظهوره، وذكرهما بلفظ الماضي للإِشعار بأنهما من عادتهم القديمة. {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدنيا وشقاؤه، أو سعادة في الآخرة فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر، وقرىء بالفتح أي ذو مستقر بمعنى استقرار وبالكسر والجر على أنه صفة أمر، وكل معطوف على الساعة.

{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ } في القرآن {مّنَ ٱلأَنبَاء } أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة. {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } ازدجار من تعذيب أو وعيد، وتاء الافتعال تقلب دالاً مع الذال والدال والزاي للتناسب، وقرىء «مزجر» بقلبها زايا وإدغامها.

{حِكْمَةٌ بَـٰلِغَةٌ } غايتها لا خلل فيها وهي بدل من ما أو خبر لمحذوف، وقرىء بالنصب حالاً من ما فإنها موصولة أو مخصوصة بالصفة نصب الحال عنها. {فَمَا تُغْنِـى ٱلنُّذُرُ } نفي أو استفهام إنكار، أي فأي غناء تغني النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر، أو المنذر منه أو مصدر بمعنى الإِنذار.

{فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } لعلمك بأن الإِنذار لا يغني فيهم. {يَوْمَ يَدْعُ ٱلدَّاعِ } إسرافيل، ويجوز أن يكون الدعاء فيه كالأمر في قوله: { كُنْ فَيَكُونُ } [البقرة: 117] وإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة للتخفيف وانتصاب {يَوْمٍ } بـ {يُخْرِجُونَ } أو بإضمار اذكر. {إِلَىٰ شَىْءٍ نُّكُرٍ } فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله وهو هول يوم القيامة، وقرأ ابن كثير بالتخفيف، وقرىء «نكراً » بمعنى أنكر.

{خُشَّعاً أَبْصَـٰرُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ } أي يخرجون من قبورهم خاشعاً ذليلاً أبصارهم من الهول، وإفراده وتذكيره لأن فاعله ظاهر غير حقيقي التأنيث، وقرىء «خاشعة» على الأصل، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم {خُشَّعاً }، وإنما حسن ذلك ولم يحسن مررت برجال قائمين غلمانهم لأنه ليس على صيغة تشبه الفعل، وقرىء «خشع أبصارهم» على الابتداء والخبر فتكون الجملة حالاً. {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة.

{مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ } مسرعين مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه. {يَقُولُ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } صعب.

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } قبل قومك. {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } نوحاً عليه السلام وهو تفصيل بعد إجمال، وقيل معناه كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب، أو كذبوه بعدما كذبوا الرسل. {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } هو مجنون. {وَٱزْدُجِرَ } وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية، وقيل إنه من جملة قيلهم أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته.

{فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى } بأني وقرىء بالكسر على إرادة القول. {مَغْلُوبٌ } غَلبني قومي. {فَٱنتَصِرْ } فانتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم. فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق ويقول: "اللَّهُم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" .