التفاسير

< >
عرض

فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً
١٦
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً
١٧
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً
١٨
إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً
١٩
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٠
-المزمل

انوار التنزيل واسرار التأويل

{فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ } عرفه لسبق ذكره. {فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً } ثقيلاً من قولهم طعام وبيل لا يستمرأ لثقله، ومنه الوابل للمطر العظيم.

{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ } أنفسكم. {إِن كَفَرْتُمْ } بقيتم على الكفر. {يَوْماً } عذاب يوم. {يَجْعَلُ ٱلْوِلْدٰنَ شِيباً } من شدة هوله وهذا على الفرض أو التمثيل، وأصله أن الهموم تضعف القوى وتسرع الشيب، ويجوز أن يكون وصفاً لليوم بالطول.

{السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ } منشق والتذكير على تأويل السقف أو إضمار شيء. {بِهِ } بشدة ذلك اليوم على عظمها وأحكامها فضلاً عن غيرها والباء للآلة. {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً } الضمير لله عز وجل أو لليوم على إضافة المصدر إلى المفعول.

{إِنَّ هَـٰذِهِ } أي الآيات الموعدة. {تَذْكِرَةٌ } عظة. {فَمَن شَاءَ } أن يتعظ. {ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } أي يتقرب إليه بسلوك التقوى.

{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } استعار الأدنى للأقل لأن الأقرب إلى الشيء أقل بعداً منه، وقرأ ابن كثير والكوفيون {وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالنصب عطفاً على {أَدْنَىٰ }. {وَطَائِفَةٌ مّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ } ويقوم ذلك جماعة من أصحابك. {وَٱللَّهُ يُقَدّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله تعالى، فإن تقديم اسمه مبتدأ مبنياً عليه {يُقَدّرُ } يشعر بالاختصاص ويؤيده قوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } أي لن تحصوا تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } بالترخص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة فيه كما رفع التبعة عن التائب. {فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءانِ } فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل، عبر عن الصلاة بالقرآن كما عبر عنها بسائر أركانها، قيل كان التهجد واجباً على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ به، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس، أو فاقرؤوا القرآن بعينه كيفما تيسر عليكم. {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ } استئناف يبين حكمه أخرى مقتضية الترخيص والتخفيف ولذلك كرر الحكم مرتباً عليه وقال: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله } والضرب في الأرض ابتغاء للفضل المسافرة للتجارة وتحصيل العلم {وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَة} المفروضة. {وَآتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ } الواجبة. {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } يريد به الأمر في سائر الانفاقات في سبل الخيرات، أو بأداء الزكاة على أحسن وجه، والترغيب فيه بوعد العوض كما صرح به في قوله: {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت أو من متاع الدنيا، و {خَيْرًا } ثاني مفعولي {تَجِدُوهُ } وهو تأكيد أو فصل، لأن أفعل من كالمعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف، وقرىء «هو خير» على الابتداء والخبر. {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ } في مجامع أحوالكم فإن الإِنسان لا يخلو من تفريط. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة المزمل رفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة" .