التفاسير

< >
عرض

تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ
٢
ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ
٣
ثُمَّ ٱرجِعِ ٱلبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ ٱلبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ
٤
وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلْنَٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَٰطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ
٥
-الملك

تفسير القرآن العظيم

يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل؛ لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} ثم قال تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ} واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي؛ لأنه مخلوق، ومعنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم؛ ليبلوهم، أي: يختبرهم أيهم أحسن عملاً، كما قال تعالى: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } [البقرة: 28] فسمى الحال الأول، وهو العدم، موتاً، وسمى هذه النشأة حياة، ولهذا قال تعالى: { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } [البقرة: 28] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليد عن قتادة في قوله تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء، ثم دار بقاء" ورواه معمر عن قتادة. وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: خيرٌ عملاً؛ كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل: أكثر عملاً، ثم قال تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ} أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعد ما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزاً، هو مع ذلك يغفر ويرحم، ويصفح ويتجاوز، ثم قال تعالى: {ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ طِبَاقًا} أي: طبقة بعد طبقة. وهل هن متواصلات، بمعنى: أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان، أصحهما الثاني؛ كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره.

وقوله تعالى: {مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ} أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر، ولا مخالفة ولا نقص، ولا عيب ولا خلل، ولهذا قال تعالى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} أي: انظر إلى السماء، فتأملها، هل ترى فيها عيباً أو نقصاً، أو خللاً أو فطوراً؟ قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى: {فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ} أي: شقوق، وقال السدي: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}؟ أي: من خروق، وقال ابن عباس في رواية: {مِن فُطُورٍ} أي: من وهاء، وقال قتادة: {هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}؟ أي: هل ترى خللاً يابن آدم؟

وقوله تعالى: {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} قال قتادة: مرتين {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا} قال ابن عباس: ذليلاً، وقال مجاهد وقتادة: صاغراً {وَهُوَ حَسِيرٌ} قال ابن عباس: يعني: وهو كليل، وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء، ومعنى الآية: إنك لو كررت البصر مهما كررت، لانقلب إليك، أي: لرجع إليك البصر {خَاسِئًا} عن أن يرى عيباً، أو خللاً {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي: كليل، قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرّر، ولا يرى نقصاً، ولما نفى عنها في خلقها النقص، بين كمالها وزينتها فقال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ} وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت.

وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَـٰهَا رُجُوماً لِّلشَّيَـٰطِينِ} عاد الضمير في قوله: وجعلناها، على جنس المصابيح، لا على عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ} أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة؛ كما قال تعالى في أول الصافات: { إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَٰكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } [الصافات: 6 ــــ 10] قال قتادة: إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.