التفاسير

< >
عرض

فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ
١٥
ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ
١٦
وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
١٧
وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ
١٨
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
١٩
ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ
٢٠
مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
٢١
وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
٢٢
وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ
٢٣
وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ
٢٤
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
٢٥
فَأيْنَ تَذْهَبُونَ
٢٦
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ
٢٧
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ
٢٨
وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٢٩
-التكوير

تفسير القرآن العظيم

روى مسلم في صحيحه والنسائي في تفسيره عند هذه الآية من حديث مسعر بن كدام عن الوليد بن سريع عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فسمعته يقرأ: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة عن الحجاج بن عاصم عن أبي الأسود عن عمرو بن حريث به نحوه، قال ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق الثوري: عن أبي إسحاق عن رجل من مراد عن علي: { فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت علياً، وسئل عن: (لا أقسم بالخنس الجوار الكنس)، فقال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتكنس بالليل. وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن خالد عن علي قال: هي النجوم، وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: روى عن علي، وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فالله أعلم، وروى يونس عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي: أنها النجوم، رواه ابن أبي حاتم. وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: أنها النجوم.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن بكر بن عبد الله في قوله تعالى: { فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } قال: هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق، وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: الخنس، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: كنس، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه. وقال الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: فلا أقسم بالخنس، قال: بقر الوحش، وكذا قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عن عبد الله: فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس، ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر، قال: وأنا أرى ذلك، وكذا روى يونس عن أبي إسحاق عن أبيه. وقال أبو داود الطيالسي عن عمرو عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الجوار الكنس، قال: البقر، تكنس إلى الظل، وكذا قال سعيد بن جبير، وقال العوفي عن ابن عباس: هي الظباء، وكذا قال سعيد أيضاً، ومجاهد والضحاك، وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر، وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد: أنهما تذاكرا هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد: كنا نسمع فيها شيئاً، وناس يقولون: إنها النجوم، قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت، قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى، والأعلى الأسفل، وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: { بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } هل هو النجوم، أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مراداً.

وقوله تعالى: { وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} فيه قولان: أحدهما إقباله بظلامه. وقال مجاهد: أظلم، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال الحسن البصري: إذا غشي الناس، وكذا قال عطية العوفي. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: {إِذَا عَسْعَسَ}: إذا أدبر، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن: {إِذَا عَسْعَسَ} أي: إذا ذهب فتولى.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي رضي الله عنه حين ثوب المثوب بصلاة الصبح، فقال: أين السائلون عن الوتر { وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } هذا حين أدبر حسن. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: {إِذَا عَسْعَسَ}: إذا أدبر، قال: لقوله: {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضاً:

حتى إذا الصُّبْحُ لهُ تَنَفَّساوانجابَ عنها ليلُها وعَسْعَسا

أي: أدبر، وعندي أن المراد بقوله: {إِذَا عَسْعَسَ} إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضاً، لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق؛ كما قال تعالى: { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } [الليل: 1 ــــ 2] وقال تعالى: { وَٱلضُّحَىٰ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } [الضحى: 1 ــــ 2] وقال تعالى: { فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً } [الأنعام: 96] وغير ذلك من الآيات، وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة عسعس تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم. وقال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتاً:

عَسْعَسَ حَتّى لَوْ يَشا إِدَّناكانَ لهُ من ضَوْئِه مَقْبسُ

يريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال، قال الفراء: وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع. وقوله تعالى: { وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} قال الضحاك: إذا طلع، وقال قتادة، إذا أضاء وأقبل، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وهو المروي عن علي رضي الله عنه. وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين. وقوله تعالى: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} يعني: إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم، أي: ملك شريف، حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل عليه الصلاة والسلام، قاله ابن عباس والشعبي وميمون بن مهران والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم {ذِى قُوَّةٍ} كقوله تعالى: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ } [النجم: 5 ــــ 6] أي: شديد الخلق، شديد البطش والفعل {عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} أي: له مكانة عند الله عز وجل، ومنزلة رفيعة، قال أبو صالح في قوله تعالى: {عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} قال: جبريل، يدخل في سبعين حجاباً من نور بغير إذن {مُّطَـٰعٍ ثَمَّ} أي: له وجاهة، وهو مسموع القول، مطاع في الملأ الأعلى. قال قتادة: {مُّطَـٰعٍ ثَمَّ} أي: في السموات، يعني: ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، معتنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة.

وقوله تعالى: {أَمِينٍ} صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جداً أن الرب عز وجل يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشري محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: { وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمئة جناح {بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } [النجم: 5 ــــ 10] كما تقدم تفسير ذلك وتقريره، والدليل عليه أن المراد بذلك جبريل عليه السلام، والظاهر والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية، وهي الأولى، وأما الثانية، وهي المذكورة في قوله تعالى: { وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ } [النجم: 13 ــــ 16] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد سورة الإسراء.

وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل. وقال قتادة: كان القرآن غيباً، فأنزله الله على محمد، فما ضن به على الناس، بل نشره وبلغه، وبذله لكل من أراده، وكذا قال عكرمة وابن زيد وغير واحد، واختار ابن جرير قراءة الضاد (قلت): وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح كما تقدم، وقوله تعالى: { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ} أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله، ولا ينبغي له؛ كما قال تعالى: { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } [الشعراء: 210 ــــ 212]، وقوله تعالى: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}؟ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه حقاً من عند الله عز وجل؟ كما قال الصديق رضي الله عنه لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة الكذاب الذي هو في غاية الهذيان والركاكة، فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من إله، وقال قتادة { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}؟ أي: عن كتاب الله، وعن طاعته.

وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ} أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} أي: من أراد الهداية، فعليه بهذا القرآن؛ فإنه منجاة له وهداية، ولا هداية فيما سواه {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى، ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله تعالى رب العالمين. قال سفيان الثوري عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. آخر تفسير سورة التكوير. و لله الحمد والمنة.