التفاسير

< >
عرض

سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ
١
ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ
٢
وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ
٣
وَٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ
٤
فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ
٥
سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ
٦
إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ
٧
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ
٨
فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ
٩
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ
١٠
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى
١١
ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ
١٢
ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا
١٣
-الأعلى

تفسير القرآن العظيم

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى، يعني: ابن أيوب الغافقي، حدثنا عمي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني: لما نزلت: { { فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ } [الواقعة: 96] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم" فلما نزلت: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال: "اجعلوها في سجودكم" ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال: "سبحان ربي الأعلى" وهكذا رواه أبو داود عن زهير بن حرب عن وكيع به، قال: وخولف فيه وكيع، رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفاً. وقال الثوري عن السدي عن عبد خير قال: سمعت علياً قرأ: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} فقال: سبحان ربي الأعلى.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام عن عنبسة عن أبي إسحاق الهمداني: أن ابن عباس كان إذا قرأ: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: { لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } [القيامة: 1] فأتى على آخرها: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } [القيامة: 40] يقول: سبحانك وبلى، وقال قتادة: { سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وقوله تعالى: { ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ} أي: خلق الخليقة، وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات. وقوله تعالى: { وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ} قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها. وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن موسى: أنه قال لفرعون: { رَبُّنَا ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50] أي: قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" وقوله تعالى: { وَٱلَّذِىۤ أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ} أي: من جميع صنوف النباتات والزروع، { فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ} قال ابن عباس: هشيماً متغيراً، وعن مجاهد وقتادة وابن زيد نحوه.

قال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى، أحوى: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك، ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملاً، إلا أنه غير صواب؛ لمخالفته أقوال أهل التأويل، وقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ} أي: يا محمد {فَلاَ تَنسَىٰ} وهذا إخبار من الله تعالى، ووعد منه له بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} وهذا اختيار ابن جرير. وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئاً إلا ما شاء الله. وقيل: المراد بقوله: {فَلاَ تَنسَىٰ} طلب، وجعل معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ، أي: لا تنسى ما نقرئك، إلا ما شاء الله رفعه، فلا عليك أن تتركه. وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ} أي: يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه؛ من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء.

وقوله تعالى: { وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ} أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً مستقيماً عدلاً، لا اعوجاج فيه، ولا حرج، ولا عسر. وقوله تعالى: { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله؛ كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً، لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، وقال: حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله؟ وقوله تعالى: { سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ} أي: سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى الله، ويعلم أنه ملاقيه { وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه؛ لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان، يعني: التيمي، عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها، لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة، فيميتهم في النار، فيدخل عليهم الشفعاء، فيأخذ الرجل أنصاره، فينبتهم ــــ أو قال: ــــ ينبتون ــــ في نهر الحيا ــــ أو قال: الحياة ــــ أو قال: الحيوان ــــ أو قال: نهر الجنة ــــ فينبتون نبات الحبة في حميل السيل" قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء، ثم تكون خضراء؟" قال: فقال بعضهم: كأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالبادية.

وقال أحمد أيضاً: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس ــــ أو كما قال ــــ تصيبهم النار بذنوبهم ــــ أو قال: بخطاياهم ــــ فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية. ورواه مسلم من حديث بشر بن المفضل وشعبة، كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به مثله، ورواه أحمد أيضاً عن يزيد عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحماً، ثم يخرجون ضبائر، فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل" . وقد قال الله تعالى إخباراً عن أهل النار: { وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ } [الزخرف: 77] وقال تعالى: { لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا } [فاطر: 36] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.