التفاسير

< >
عرض

أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ
١
فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ
٢
وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ
٣
فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ
٤
ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ
٥
ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ
٦
وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ
٧
-الماعون

فتح القدير

الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له. والاستفهام لقصد التعجيب من حال من يكذب بالدين. والرؤية: بمعنى المعرفة، والدين: الجزاء والحساب في الآخرة. قيل: وفي الكلام حذف، والمعنى: أرأيت الذي يكذب بالدين أمصيب هو أم مخطىء. قال مقاتل، والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي. وقال السديّ: في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك: في عمرو بن عائذ. وقال ابن جريج في أبي سفيان. وقيل: في رجل من المنافقين. قرأ الجمهور: {أرأيت} بإثبات الهمزة الثانية. وقرأ الكسائي بإسقاطها. قال الزجاج: لا يقال في "رأيت": ريت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفاً. وقيل الرؤية: هي البصرية، فيتعدّى إلى مفعول واحد، وهو الموصول، أي: أبصرت المكذب. وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فيتعدى إلى اثنين. الثاني محذوف، أي من هو؟

{فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } الفاء جواب شرط مقدّر، أي إن تأملته أو طلبته، فذلك الذي يدعّ اليتيم، ويجوز أن تكون عاطفة على الذي يكذب: إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة. فعلى الأوّل يكون اسم الإشارة مبتدأ، وخبره الموصول بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: فهو ذلك، والموصول صفته. وعلى الثاني يكون في محل نصب لعطفه على الموصول الذي هو في محل نصب. ومعنى {يدعّ}: يدفع دفعاً بعنف، وجفوة، أي: يدفع اليتيم عن حقه دفعاً شديداً، ومنه قوله سبحانه: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [الطور: 13] وقد قدّمنا أنهم كانوا لا يورّثون النساء والصبيان {وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } أي: لا يحضّ نفسه، ولا أهله، ولا غيرهم على ذلك بخلاً بالمال، أو تكذيباً بالجزاء، وهو مثل قوله في سورة الحاقة: { وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ } [الحاقة: 34].

{فَوَيْلٌ } يومئذ {لّلْمُصَلّينَ } الفاء جواب لشرط محذوف كأنه قيل: إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين، فويل للمصلين {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } أي: عذاب لهم، أو هلاك، أو واد في جهنم لهم، كما سبق الخلاف في معنى الويل، ومعنى ساهون: غافلون غير مبالين بها، ويجوز أن تكون الفاء؛ لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر من قبائحهم، ووضع المصلين موضع ضميرهم للتوصل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر. قال الواحدي: نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ثواباً إن صلوا، ولا يخافون عليها عقاباً إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو معنى قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَاءونَ } أي: يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا، أو يراءون الناس بكل ما عملوه من أعمال البرّ؛ ليثنوا عليهم. قال النخعي: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا، وهكذا ملتفتاً. وقال قطرب: هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله. وقرأ ابن مسعود الذين هم عن صلاتهم لاهون. {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ }. قال أكثر المفسرين: {الماعون}: اسم لما يتعاوزه الناس بينهم: من الدلو، والفأس، والقدر. وما لا يمنع كالماء، والملح. وقيل هو الزكاة، أي: يمنعون زكاة أموالهم. وقال الزجاج، وأبو عبيد، والمبرّد: الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة حتى الفأس، والدلو، والقدر، والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير، وأنشدوا قول الأعشى:

بأجود منه بماعونه إذا ما سماؤهم لم تغم

قال الزجاج، وأبو عبيد، والمبرّد أيضاً: والماعون في الإسلام: الطاعة والزكاة، وأنشدوا قول الراعي:

أخليفة الرحمٰن إنا معشر حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله من أموالنا حقّ الزكاة منزلا تنزيلا
قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا

وقيل: {الماعون} الماء. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون الماء، وأنشدني:

تمجّ صبيرة الماعون صبا

والصبيرة: السحاب. وقيل: الماعون: هو الحق على العبد على العموم. وقيل: هو المستغلّ من منافع الأموال، مأخوذ من المعن، وهو القليل. قال قطرب: أصل الماعون من القلة، والمعن: الشيء القليل، فسمى الله الصدقة والزكاة، ونحو ذلك من المعروف ماعوناً؛ لأنه قليل من كثير. وقيل: هو ما لا يبخل به كالماء، والملح، والنار.

وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أَرَءيْتَ ٱلَّذِى يُكَذّبُ بِٱلدّينِ } قال: يكذب بحكم الله. {فَذَلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ } قال: يدفعه عن حقه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال: هم المنافقون يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارية بغضاً لهم، وهي الماعون. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال: هم: المنافقون يتركون الصلاة في السرّ، ويصلون في العلانية. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبيّ: أرأيت قول الله: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } أينا لا يسهو؟ أينا لا يحدّث نفسه؟ قال: إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت.

وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قوله: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" قال الحاكم، والبيهقي: الموقوف أصح. قال ابن كثير: وهذا يعني الموقوف أصح إسناداً. قال: وقد ضعف البيهقي رفعه وصحّح وقفه، وكذلك الحاكم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال: لما نزلت هذه الآية: {ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَـٰتِهِمْ سَاهُونَ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الله أكبر، هذه الآية خير لكم من أن يعطى كلّ رجل منكم جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه" وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسمّ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال: كنا نعدّ الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو، والقدر، والفأس، والميزان، وما تتعاطون بينكم. وأخرج ابن مردويه عنه قال: كان المسلمون يستعيرون من المنافقين القدر، والفأس، وشبهه، فيمنعونهم، فأنزل الله: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ }.

وأخرج أبو نعيم، والديلمي، وابن عساكر عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الآية قال: "ما تعاون الناس بينهم الفأس، والقدر، والدلو، وأشباهه" وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن قرّة بن دعموص النميري: أنهم وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال: " لا تمنعوا الماعون" قالوا: وما الماعون؟ قال: "في الحجر، والحديدة، وفي الماء" قالوا: فأيّ الحديدة؟ قال: "قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به" قالوا: وما الحجر؟ قال: "قدوركم الحجارة" قال ابن كثير: غريب جداً، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: {الماعون}: الفأس، والقدر، والدلو. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في الآية قال: عارية متاع البيت. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه عن عليّ بن أبي طالب قال: الماعون الزكاة المفروضة {يُرَاءونَ } بصلاتهم {وَيَمْنَعُونَ } زكاتهم.