التفاسير

< >
عرض

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
١٣٣
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ
١٣٤
وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
١٣٥
قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
١٣٦
فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
١٣٧
صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ
١٣٨
قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
١٣٩
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤٠
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤١
-البقرة

فتح القدير

قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } أم هذه قيل: هي المنقطعة. وقيل: هي المتصلة. وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع، والتوبيخ، والخطاب لليهود، والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم، وإلى بنيه أنهم على اليهودية، والنصرانية، فردّ الله ذلك عليهم، وقال لهم: أشهدتم يعقوب، وعلمتم بما أوصى به بنيه، فتدّعون ذلك عن علم، أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون. والشهداء: جمع شاهد، ولم ينصرف؛ لأن فيه ألف التأنيث التي لتأنيث الجماعة، والعامل في {إذ} الأولى معنى الشهادة، و{إذ} الثانية بدل من الأولى، والمراد بحضور الموت: حضور مقدماته. وإنما جاء بما دون مَنْ في قوله: {مَا تَعْبُدُونَ } لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات كالأوثان، والنار، والشمس، والكواكب، ومعنى: {مِن بَعْدِى } أي من بعد موتي. وقوله: {إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } عطف بيان لقوله: {آبَائِكَ } وإسماعيل، وإن كان عماً ليعقوب؛ لأن العرب تسمى العمّ أباً، وقوله: {إِلَـٰهاً } بدل من إلهك، وإن كان نكرة، فذلك جائز، ولا سيما بعد تخصيصه بالصفة التي هي قوله: {وٰحِداً } فإنه قد حصل المطلوب من الإبدال بهذه الصفة. وقيل إن إلهاً منصوب على الاختصاص، وقيل إنه حال. قال ابن عطية: وهو قول حسن؛ لأن الغرض الإثبات حال الوحدانية. وقرأ الحسن، ويحيى بن يعمر، وأبو رجاء العطاردي: «وإله أبيك» فقيل أراد إبراهيم وحده. ويكون قوله: {وَإِسْمَـٰعِيلَ } عطفاً على أبيك، وكذلك {إِسْحَـٰقَ } وإن كان هو أباه حقيقة، وإبراهيم جدّه، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل إن قوله: «أبيك» جمع كما روى عن سيبويه أن أبين جمع سلامة، ومثله أبون، ومنه قول الشاعر:

فلما تَبَيَّن أصواتنا بكيْنَ وقد بننا بالأبينا

وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } جملة حالية: أي: نعبده حال إسلامنا له، وجوَّز الزمخشري أن تكون اعتراضية على ما يذهب إليه من جواز وقوع الجمل الاعتراضية آخر الكلام.

والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى إبراهيم، وبنيه، ويعقوب، وبنيه، و{أُمَّةٌ } بدل منه، وخبره {قَدْ خَلَتْ } أو أمة خبره، وقد خلت نعت لأمة، وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } بيان لحال تلك الأمة، وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه، لا ينفعه كسب غيره، ولا يناله منه شيء، ولا يضرّه ذنب غيره، وفيه الردّ على من يتكل على عمل سلفه، ويُرَوِّح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث: "من بطأ به عمله لم يسرع نسبه" والمراد: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم، ولا تؤاخَذون بسيئاتهم، ولا تُسألون عن أعمالهم، كما لا يُسْألَون عن أعمالكم، ومثله: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } [الزمر: 7] { وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَـٰنِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ } [النجم: 39].

ولما ادّعت اليهود، والنصارى أن الهداية بيدها، والخير مقصور عليها ردّ الله ذلك عليهم بقوله: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } أي: قل يا محمد هذه المقالة، ونصب {ملة} بفعل مقدر، أي: نتبع. وقيل: التقدير: نكون ملة إبراهيم، أي: أهل ملته. وقيل: بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف الجر صار منصوباً. وقرأ الأعرج، وابن أبي عبلة: «ملة» بالرفع: أي: بل الهدى ملة إبراهيم. والحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو في أصل اللغة: الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها. قال الزجاج، وهو منصوب على الحال، أي نتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفاً. وقال عليّ بن سليمان: هو منصوب بتقدير أعني، والحال خطأ كما لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة. وقال في الكشاف: هو حال من المضاف إليه كقولك: رأيت وجه هند قائمة، وقال قوم: الحنف الاستقامة، فسمى دين إبراهيم حنيفاً لاستقامته، وسمي معوج الرجلين أحنف؛ تفاؤلاً بالاستقامة، كما قيل للدَّيغ: سليم، وللمهلكة: مفازة. وقد استدل من قال بأن الحنيف في اللغة المائل لا المستقيم بقول الشاعر:

إذا حوّل الظل العشى رأيته حنيفاً ومن قَرْن الضمن يَتَضّرُ

أي: إن الحرباء تستقبل القبلة بالعشيّ، وتستقبل المشرق بالغداة، وهي قبلة النصارى، ومنه قول الشاعر:

والله لولا حَنَف في رِجْلهِ مَا كَانَ في رجِالكم من مِثْلِه

وقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } فيه تعريض باليهود لقولهم: { عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } [التوبة: 30] وبالنصارى لقولهم: { ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } [التوبة: 30] أي: أن إبراهيم ما كان على هذه الحالة التي أنتم عليها من الشرك بالله، فكيف تدّعون عليه أنه كان على اليهودية، أو النصرانية.

وقوله: {قُولُواْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ } خطاب للمسلمين، وأمر لهم بأن يقولوا هذه المقالة، وقيل إنه خطاب للكفار بأن يقولوا ذلك، حتى يكونوا على الحق، والأول أظهر. والأسباط: أولاد يعقوب، وهم اثنا عشر ولداً، ولكل واحد منهم من الأولاد جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من السبط، وهو: التتابع، فهم جماعة متتابعون، وقيل: أصله من السبط بالتحريك، وهو الشجر، أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر، وقيل: الأسباط: حفدة يعقوب: أي: أولاد أولاده لا أولاده؛ لأن الكثرة إنما كانت فيهم دون أولاد يعقوب في نفسه، فهم أفراد لا أسباط.

وقوله: {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } قال الفراء: معناه لا نؤمن ببعضهم، ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود، والنصارى. قال في الكشاف: وأحد في معنى الجماعة، ولذلك صح دخول بين عليه.

وقوله: {فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } هذا الخطاب للمسلمين أيضاً: أي: فإن آمن أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما آمنتم به من جميع كتب الله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم، فقد اهتدوا، وعلى هذا، فمثل زائدة كقوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [الشورى: 11] وقول الشاعر:

فصيروا مثل كعصف مأكول

وقيل: إن المماثلة وقعت بين الإيمانين، أي: فإن آمنوا بمثل إيمانكم. وقال في الكشاف: إنه من باب التبكيت؛ لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو: دين الإسلام، قال: أي: فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة، والسداد، فقد اهتدوا، وقيل إن الباء زائدة مؤكدة. وقيل إنها للاستعانة. والشقاق أصله من الشق، وهو: الجانب، كأنّ كل واحد من الفريقين في جانب غير الجانب الذي فيه الآخر. وقيل إنه مأخوذ من فعل ما يشقّ، ويصعب، فكل واحد من الفريقين يحرص على فعل ما يشق على صاحبه، ويصح حمل الآية على كل واحد من المعنيين، وكذلك قول الشاعر:

وإلا فَاعْلَمُوا أنَّا وَأنتُمْ بُغاةٌ ما بقينا في شِقَاقِ

وقوله الآخر:

إلى كَمْ تَقتُل العُلَماءَ قَسْراً وتَفخَرُ بِالشِقَاقِ وَبالِنفَاقِ

وقوله: {فسيكفيكهم الله} وعد من الله تعالى لنبيه أنه سيكفيه من عانده، وخالفه من المتولِّين، وقد أنجز له وعده بما أنزله من بأسه بقريظة، والنضير، وبني قينقاع.

وقوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } قال الأخفش، وغيره أي: دين الله، قال: وهي: منتصبة على البدل من ملة. وقال الكسائي: هي: منصوبة على تقدير اتبعوا، أو على الإغراء، أي: الزموا، ورجح الزجاج الانتصاب على البدل من ملة، كما قاله الفراء. وقال في الكشاف: إنها مصدر مؤكد منتصب عن قوله: {بِٱللَّهِ آمنا } كما انتصب و{عَبْدُ ٱللَّهِ } عما تقدّمه، وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي: الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله، لأن الإيمان تطهير النفوس. انتهى. وبه قال سيبويه، أي: كونه مصدراً موكّداً. وقد ذكر المفسرون أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويجعلون ذلك تطهيراً لهم، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانياً حقاً، فردّ الله عليهم بقوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } أي: الإسلام، وسماه صبغة استعارة، ومنه قول بعض شعراء همدان:

وكلُّ أناس لهم صبِغْةٌ وَصِبغةُ همدان خير الصِبَغْ
صبغنا على ذاك أولادنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ

وقيل: إن الصبغة: الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام بدلاً من معمودية النصارى، ذكره الماوردي. وقال الجوهري: صبغة الله: دينه. وهو: يؤيد ما تقدم عن الفراء. وقيل: الصبغة: الختان. وقوله: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ } أي: أتجادلوننا في الله: أي: في دينه، والقرب منه، والحظوة عنده، وذلك كقولهم { نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } [المائدة: 18] وقرأ ابن محيصن: «أتحاجونا» بالإدغام لاجتماع المثلين. وقوله: {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي: نشترك نحن، وأنتم في ربوبيته لنا وعبوديتنا له، فكيف تدّعون أنكم أولى به منا وتحاجوننا في ذلك. وقوله: {لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } أي: لنا أعمال، ولكم أعمال، فلستم بأولى بالله منا، وهو مثل قوله تعالى: { فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } [يونس: 41]. وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } أي: نحن أهل الإخلاص للعبادة دونكم، وهو: المعيار الذي يكون به التفاضل، والخصلة التي يكون صاحبها أولى بالله سبحانه من غيره، فكيف تدّعون لأنفسكم ما نحن أولى به منكم، وأحق؟ وفيه توبيخ لهم، وقطع لما جاءوا به من المجادلة، والمناظرة.

وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ } قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص: {تقولون} بالتاء الفوقية، وعلى هذه القراءة تكون "أم" هاهنا معادلة للهمزة في قوله: {أَتُحَاجُّونَنَا } أي: أتحاجوننا في الله أم تقولون إن هؤلاء الأنبياء على دينكم، وعلى قراءة الياء التحتية تكون أم منقطعة، أي: بل يقولون. وقوله: {قُلْ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ } فيه تقريع، وتوبيخ: أي: أن الله أخبرنا بأنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى، وأنتم تدّعون أنهم كانوا هوداً أو نصارى، فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه؟ وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ } استفهام: أي: لا أحد أظلم: {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ } يحتمل أن يريد بذلك الذمّ لأهل الكتاب، بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هوداً، ولا نصارى، بل كانوا على الملة الإسلامية، فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة بل بادّعائهم لما هو مخالف لها، وهو أشدّ في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم الذي لا أحد أظلم منه، ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منهم، ويكون المراد بذلك التعريض بأهل الكتاب،

وقيل المراد هنا ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعيد شديد، وتهديد ليس عليه مزيد، وإعلام بأن الله سبحانه لا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح، والذنب الفظيع، وكرّر قوله سبحانه: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } إلى آخر الآية لتضمنها معنى التهديد، والتخويف الذي هو المقصود في هذا المقام.

وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } يعني أهل الكتاب. وأخرج أيضاً عن الحسن في قوله: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } قال: يقول لم يشهد اليهود، ولا النصارى، ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه الميثاق إذ حضره الموت أن لا تعبدوا إلا الله، فأقرّوا بذلك، وشهد عليهم أن قد أقرّوا بعبادتهم أنهم مسلمون. وأخرج عن ابن عباس أنه كان يقول: الجدّ أب، ويتلو الآية. وأخرج أيضاً عن أبي العالية في الآية قال: سمي العمّ أباً. وأخرج أيضاً نحوه عن محمد بن كعب.

وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور للنبي صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {حَنِيفاً } قال: متبعاً. وأخرجا أيضاً، عن ابن عباس في قوله: {حَنِيفاً } قال: حاجاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: الحنيف المستقيم. وأخرج أيضاً، عن خصيف قال: الحنيف المخلص. وأخرج أيضاً عن أبي قلابة قال: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالحنيفية السمحة" . وأخرج أحمد أيضاً، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: «قيل يا رسول الله أيّ الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة». وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن عساكر، من حديث أسعد بن عبد الله بن مالك الخزاعي مرفوعاً مثله.

وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة: {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } كلها وفي الآخرة { آمنا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 52]. وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم،" الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: الأسباط بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلاً كل واحد منهم ولد أمة من الناس. وروى نحوه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي، وحكاه ابن كثير في تفسيره عن أبي العالية، والربيع، وقتادة.

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: لا تقولوا، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله لا مثل له، ولكن قولوا، فإن آمنوا بالذي آمنتم به، وأخرج ابن أبي داود، في المصاحف، والخطيب في تاريخه عن أبي جمرة قال: كان ابن عباس يقرأ: "فإن آمنوا بالذي آمنتم به" وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } قال فراق.

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } قال: دين الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: فطرة الله التي فطر الناس عليها. وأخرج ابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن بني إسرائيل قالوا يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله، فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم. أنا أصبغ الألوان، الأحمر والأبيض والأسود والألوان كلها في صبغتي" وأنزل الله على نبيه: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً }. وأخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس موقوفاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة؛ قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهوداً، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام، ولا صبغة أحسن من صبغة الإسلام، ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً، ومن كان بعده من الأنبياء. وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس في قوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } قال: البياض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَتُحَاجُّونَنَا } قال: أتخاصموننا. وأخرج ابن جرير، عنه قال: أتجادلوننا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً } الآية قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية، والنصرانية، وكتموا محمداً، وهم يعلمون أنه رسول الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الحسن نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة، والربيع في قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } قال يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.