التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ
٢٠
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
٢١
إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ
٢٢
وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ
٢٣
-الأنفال

فتح القدير

.

أمر الله سبحانه المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ونهاهم عن التولي عن رسوله، فالضمير في {عَنْهُ } عائد إلى الرسول، لأن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي من طاعة الله، و { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } [النساء: 80] ويحتمل أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى الله وإلى رسوله، كما في قوله: { وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62] وقيل: الضمير راجع إلى الأمر الذي دلّ عليه {أطيعوا}، وأصل تولوا: تتولوا، فطرحت إحدى التاءين، هذا تفسير الآية على ظاهر الخطاب للمؤمنين، وبه قال الجمهور.

وقيل: إنه خطاب للمنافقين، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية: وهذا وإن كان محتملاً على بعد فهو ضعيف جدّاً، لأن الله وصف من خاطبه في هذه الآية بالإيمان وهو التصديق.

والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء، وأبعد من هذا من قال: الخطاب لبني إسرائيل، فإنه أجنبيّ من الآية. وجملة {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } في محل نصب على الحال، والمعنى: وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين وتصدقون بها ولستم كالصمّ البكم {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا } وهم المشركون أو المنافقون أو اليهود أو الجميع من هؤلاء، فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل، فهم كالذي لم يسمع أصلاً؛ لأنه لم ينتفع بما سمعه.

ثم أخبر سبحانه {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ } أي: ما دبّ على الأرض {عَندَ ٱللَّهِ } أي: في حكمه {ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ } أي: الذين لا يسمعون ولا ينطقون، وصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمع وينطق، لعدم انتفاعهم بالسمع والنطق {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } ما فيه النفع لهم فيأتونه، وما فيه الضرر عليهم فيجتنبونه، فهم شرّ الدوابّ عند الله، لأنها تميز بعض تمييز، وتفرق بين ما ينفعها ويضرّها.

{وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ } أي: في هؤلاء الصمّ البكم {خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ } سماعاً ينتفعون به، ويتعقلون عنده الحجج والبراهين. قال الزجاج {لاسْمَعَهُمْ } جواب كل ما سألوا عنه. وقيل: {لأسْمَعَهُمْ } كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم، لأنهم طلبوا إحياء قصيّ بن كلاب وغيره؛ ليشهدوا بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون. وجملة {وَهُم مُّعْرِضُونَ } في محل نصب على الحال.

وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } قال: عاصون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عليّ بن أبي طالب، في قوله: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ } الآية قال: إن هذه الآية نزلت في فلان وأصحاب له. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ } قال هم نفر من قريش من بني عبد الدار.

وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، في قوله: {ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ } قال: لا يتبعون الحق. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث وقومه، ولعله المكنى عنه "بفلان" فيما تقدّم من قول عليّ رضي الله عنه. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ } أي: لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم، ولكنّ القلوب خالفت ذلك منهم. وأخرج أبو الشيخ، عن عكرمة، في الآية قال: قالوا نحن صمّ عما يدعونا إليه محمد لا نسمعه، بكم لا نجيبه فيه بتصديق، قتلوا جميعاً بأحد، وكانوا أصحاب اللواء يوم أحد.