التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ
٣٠
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٣١
وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٣٢
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
٣٣
-الأنفال

فتح القدير

قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الظرف معمول لفعل محذوف، أي: واذكر يا محمد وقت مكر الكافرين بك، أو معطوف على ما تقدّم من قوله {وَٱذْكُرُواْ } ذكر الله رسوله هذه النعمة العظمى التي أنعم بها عليه، وهي نجاته من مكر الكافرين وكيدهم كما سيأتي بيانه {لِيُثْبِتُوكَ } أي: يثبتوك بالجراحات، كما قال ثعلب وأبو حاتم، وغيرهما، ومنه قول الشاعر:

فقلت ويحكم ما في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتاً وجعا

وقيل: المعنى ليحبسوك، يقال أثبته: إذا حبسه. وقيل: ليوثقوك، ومنه: { فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ } [محمد: 4]. وقرأ الشعبي "ليبيتوك" من البيات. وقرىء «ليثبتوك» بالتشديد {أَوْ يُخْرِجُوكَ } معطوف على ما قبله، أي يخرجوك من مكة التي هي بلدك وبلد أهلك. وجملة: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ } مستأنفة. والمكر: التدبير في الأمر في خفية. والمعنى: أنهم يخفون ما يعدّونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المكايد، فيجازيهم الله على ذلك ويردّ كيدهم في نحورهم. وسمى ما يقع منه تعالى مكراً مشاكلة، كما في نظائره {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أي: المجازين لمكر الماكرين بمثل فعلهم، فهو يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون، فيكون ذلك أشدّ ضرراً عليهم وأعظم بلاء من مكرهم.

قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا } أي التي تأتيهم بها، وتتلوها عليهم {قَالُواْ } تعنتاً وتمرّداً وبعداً عن الحق {قَدْ سَمِعْنَا } ما تتلوه علينا {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } الذي تلوته علينا. قيل: إنهم قالوا هذا توهماً منهم أنهم يقدرون على ذلك. فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه. ثم قالوا عناداً وتمرّداً {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ } أي: ما يستطره الوراقون من أخبار الأوّلين، وقد تقدّم بيانه مستوفى.

{وَإِذْ قَالُواْ } أي: واذكر إذ قالوا {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } بنصب الحق على أنه خبر كان، والضمير للفصل، ويجوز الرفع. قال الزجاج: ولا أعلم أحداً قرأ بها، ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، والمعنى: إن كان القرآن الذي جاءنا به محمد هو الحق، {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا } قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار. قال أبو عبيدة: يقال أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. وقال في الكشاف: قد كثر الإمطار في معنى العذاب.

{أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } سألوا أن يعذبوا بالرجم بالحجارة من السماء، أو بغيرها من أنواع العذاب الشديد. فأجاب الله عليهم بقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ } يا محمد {فِيهِمْ } موجود، فإنك ما دمت فيهم فهم في مهلة من العذاب الذي هو الاستئصال {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } روي أنهم كانوا يقولون في الطواف غفرانك، أي: وما كان الله معذبهم في حال كونهم يستغفرونه. وقيل المعنى: لو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفره لم يعذبهم. وقيل إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم، أي وما كان الله ليعذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم بيوم بدر وما بعده. وقيل المعنى: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر الله.

وقد أخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والخطيب، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليّ على فراش النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه علياً ردّ الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والبيهقي، عن ابن عباس، فذكر القصة بأطول مما هنا. وفيها ذكر الشيخ النجدي أي إبليس ومشورته عليهم عند اجتماعهم في دار الندوة للمشاورة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أبا جهل أشار بأن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش غلاماً، ويعطوا كل واحد منهم سيفاً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل، فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي، فتفرّقوا على ذلك.

وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبيد بن عمير، قال: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني" ، قال: من حدّثك بهذا؟ قال: "ربي" ، قال: نعم الربّ ربك استوص به خيراً، قال: "أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي" . وأخرجه ابن جرير من طريق أخرى عنه. وهذا لا يصح، فقد كان أبو طالب مات قبل وقت الهجرة بسنين.

وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَإِذ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: قال عكرمة هي مكية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء في قوله: {لِيُثْبِتُوكَ } يعني: ليوثقوك. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال: قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عديّ، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول" ، قال: وفيه أنزلت هذه الآية {وَإِذا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا} وهذا مرسل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في النضر بن الحارث.

وأخرج البخاري، وابن أبي حاتم، وابن الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي، عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل بن هشام {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } الآية فنزلت {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة، أنها نزلت في أبي جهل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في الآية، أنها نزلت في النضر بن الحارث. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، عن عطاء، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية.

قال ابن عباس، كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبقي الاستغفار. وأخرج الترمذي وضعفه، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "أنزل الله عليّ أمانين لأمتي {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار" وأخرج أبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبهيقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة قال: كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر، قال {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، والطبراني وابن مردويه، والحاكم، وابن عساكر، عن أبي موسى الأشعري نحوه أيضاً، والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مطلق الاستغفار كثيرة جدّاً معروفة في كتب الحديث.