التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١١١
ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١١٢
-التوبة

فتح القدير

.

لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم، وفرّع على كل قسم منها ما هو لائق به، عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه، وذكر الشراء تمثيل، كما في قوله: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } [البقرة: 16] مثل سبحانه إثابة المجاهدين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله بالشراء، وأصل الشراء بين العباد هو: إخراج الشيء عن الملك بشيء آخر مثله أو دونه، أو أنفع منه، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها للمؤمنين، أي: بأن يكونوا من جملة أهل الجنة، وممن يسكنها فقد جادوا بأنفسهم، وهي أنفس الأعلاق، والجود بها غاية الجود:

يجود بالنفس أن ضنّ الجبان بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وجاد الله عليهم بالجنة، وهي أعظم ما يطلبه العباد، ويتوسلون إليه بالأعمال؛ والمراد بالأنفس هنا: أنفس المجاهدين، وبالأموال: ما ينفقونه في الجهاد. قوله: {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } بيان للبيع الذي يقتضيه الاشتراء المذكور، كأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ فقيل: يقاتلون في سبيل الله، ثم بيّن هذه المقاتلة في سبيل الله بقوله: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } والمراد أنهم: يقدمون على قتل الكفار في الحرب، ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد، والتعرّض للموت بالإقدام على الكفار. قرأ الأعمش، والنخعي، وحمزة، والكسائي وخلف بتقديم المبنيّ للمفعول على المبنيّ للفاعل. وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول. وقوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ } إخبار من الله سبحانه أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة والإنجيل، كما وقع في القرآن، وانتصاب و{عداً} و{حقاً} على المصدرية أو الثاني: نعت للأوّل، و{في التوراة} متعلق بمحذوف: أي وعداً ثابتاً فيها.

قوله: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد، والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال، ما لا يخفى، فإنه أوّلاً أخبر بأنه قد اشترى منهم أنفسهم، وأموالهم، بأن لهم الجنة، وجاء بهذه العبارة الفخيمة، وهي كون الجنة قد صارت ملكاً لهم، ثم أخبر ثانياً بأنه قد وعد بذلك في كتبه المنزّلة، ثم أخبر بأنه بعد هذا الوعد الصادق، لا بدّ من حصول الموعود به، فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، ثم زادهم سروراً وحبوراً، فقال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ } أي: أظهروا السرور بذلك، والبشارة هي إظهار السرور، وظهوره يكون في بشرة الوجه، ولذا يقال: أسارير الوجه: أي التي يظهر فيها السرور. وقد تقدّم إيضاح هذا، والفاء لترتيب الاستبشار على ما قبله. والمعنى: أظهروا السرور بهذا البيع الذي بايعتم به الله عزّ وجلّ، فقد ربحتم فيه ربحاً لم يربحه أحد من الناس، إلا من فعل مثل فعلكم، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الجنة، أو إلى نفس البيع الذي ربحوا فيه الجنة، ووصف الفوز وهو الظفر بالمطلوب بالعظم، يدل على أنه فوز لا فوز مثله.

قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } خبر مبتدأ محذوف: أي هم التائبون، يعني: المؤمنون، والتائب الراجع: أي هم الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة. وقال الزجاج: الذي عندي أن قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ } رفع بالابتداء وخبره مضمر: أي التائبون، ومن بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة أيضاً، وإن لم يجاهدوا. قال: وهذا أحسن، إذ لو كانت هذه أوصافاً للمؤمنين المذكورين في قوله: {ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لكان الوعد خاصاً بمجاهدين. وقد ذهب إلى ما ذهب إليه الزجاج من أن هذا الكلام منفصل عما قبله طائفة من المفسرين، وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة إلى المؤمنين في الآية الأولى، وأنها على جهة الشرط: أي لا يستحق الجنة بتلك المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: التائبين العابدين إلى آخرها ــ وفيه وجهان: أحدهما: أنها أوصاف للمؤمنين. الثاني: أن النصب على المدح. وقيل: إن ارتفاع هذه الأوصاف على البدل من ضمير {يقاتلون}، وجوز صاحب الكشاف أن يكون {التائبون} مبتدأ، وخبره {العابدون}، وما بعده أخبار، كذلك أي: التائبون من الكفر على الحقيقة، الجامعون لهذه الخصال، وفيه من البعد ما لا يخفى، والعابدون القائمون بما أمروا به من عبادة الله مع الإخلاص. و {ٱلْحَـٰمِدُونَ } الذين يحمدون الله سبحانه على السرّاء والضرّاء، و {ٱلسَّـٰئِحُونَ } قيل: هم الصائمون، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ومنه قوله تعالى: { عَـٰبِدٰتٍ سَـٰئِحَـٰتٍ } [التحريم: 5] وإنما قيل للصائم سائح؛ لأنه يترك اللذات، كما يتركها السائح في الأرض، ومنه قول أبي طالب بن عبد المطلب:

وبالسائحين لا يذوقون فطرة لربهم والراكدات العوامل

وقال آخر:

تراه يصلي ليله ونهاره يظل كثير الذكر لله سائحا

قال الزجاج: ومذهب الحسن أن السائحين ها هنا هم الذين يصومون الفرض، وقيل: إنهم الذين يديمون الصيام. وقال عطاء: السائحون المجاهدون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: السائحون: المهاجرون. وقال عكرمة: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم. وقيل: هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته، وما خلق من العبر. والسياحة في اللغة أصلها: الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء، وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق، ولما يحصل له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه، و {ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ } معناه: المصلون، و {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } القائمون بالإنكار على من فعل منكراً: أي شيئاً ينكره الشرع {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها في كتبه، وعلى لسان رسله، وإنما أدخل الواو في الوصفين الآخرين، وهما: {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ } الخ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنزلة خصلة واحدة، ثم عطف عليه الحافظون بالواو لقربه. وقيل: إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها، كقوله: { غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ } [غافر: 3]. وقيل: إن الواو زائدة. وقيل: هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة، كما في قوله تعالى: { ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } [التحريم: 5]، وقوله: { وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا } [الزمر: 73]، وقوله: { سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } [الكهف: 22]، وقد أنكروا الثمانية، أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن خالويه {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الموصوفين بالصفات السابقة.

وقد أخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تنعون منه أنفسكم وأموالكم" ، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة" ، قال: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } فكبر الناس في المسجد، فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه، فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية؟ قال: "نعم" ، فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل، ولا نستقيل. وقد أخرج ابن سعد، عن عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط في بيعة العقبة على من بايعه من الأنصار: أن يشهدوا أن لا إلٰه إلا الله وأنه رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا ينازعوا في الأمر أهله، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم. قالوا: نعم؛ قال قائل الأنصار: نعم، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ قال: "الجنة" . وأخرجه ابن سعد أيضاً من وجه آخر، وليس في قصة العقبة ما يدلّ على أنها سبب نزول الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال: من مات على هذه التسع، فهو في سبيل الله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ } إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال: الشهيد من كان له التسع الخصال المذكورة في هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: العابدون الذين يقيمون الصلاة. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عنه، أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوّل من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السرّاء والضرّاء"

وأخرج ابن جرير، عن عبيد بن عمير، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين، فقال: "هم الصائمون" . وأخرج الفريابي، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان، من طريق عبيد بن عمير، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن النجار، من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، مرفوعاً مثله. وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً، وهو أصح من المرفوع من طريقه، وحديث عبيد بن عمير مرسل، وقد أسنده من طريق أبي هريرة في الرواية الثانية. وقد روي من قول جماعة من الصحابة مثل هذا: منهم عائشة عند ابن جرير، وابن المنذر، ومنهم ابن عباس عند ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، ومنهم ابن مسعود، عند هؤلاء المذكورين قبله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي أمامة أنّ رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" وصححه عبد الحق. وأخرج أبو الشيخ، عن الربيع، في هذه الآية قال: هذه أعمال قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قضى على نفسه في التوراة والإنجيل والقرآن لهذه الأمة أن من قتل منهم على هذه الأعمال كان عند الله شهيداً، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله. وأخرج ابن المنذر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة. قال: وقال ابن عباس: من مات وفيه تسع، فهو شهيد، وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } يعني: بالجنة، ثم قال: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } إلى قوله: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } يعني: القائمين على طاعة الله، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد، وإذا وفوا لله بشرطه وفى لهم بشرطهم.