التفاسير

< >
عرض

وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ
٥
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٦
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
٧
ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
٨
عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ
٩
-الرعد

أيسر التفاسير

شرح الكلمات:
وإن تعجب: أي يأخذك العجب من إنكارهم نبوتك والتوحيد.
فعجب: أي فأعجب منه إنكارهم للبعث والحياة الثانية مع وضوح الأدلة وقوة الحجج.
لفي خلق جديد: أي نرجع كما كنا بشراً أحياء.
الأغلال في أعناقهم: أي موانع من الإِيمان والاهتداء في الدنيا، وأغلال تشد بها أيديهم إلى أعناقهم في الآخرة.
بالسيئة: أي بالعذاب.
قبل الحسنة: أي الرحمة وما يحسن بهم من العاقبة والرخاء والخصب.
المثلاث: أي العقوبات واحدها مَثُلة التي قد أصابت المكذبين في الأمم الماضية.
لولا أنزل عليه: أي هلاَّ أنزل، ولولا أداة تحضيض كهلاَّ.
آية من ربه: أي معجزة كعصا موسى وناقة صالح مثلاً.
ولكل قومٍ هاد: أي نبي يدعوهم إلى ربهم ليعبدوه وحده ولا يشركون به غيره.
ما تحمل كل أنثى: أي من ذكر أو أنثى واحداً أو أكثر أبيض أو أسمر.
وما تغيض الأرحام: أي تنقص من دم الحيض، وما تزداد منه.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى الإِيمان بالتوحيد والنبوة المحمدية والبعث يوم القيامة للحساب والجزاء، فقوله تعالى في الآية الأولى [5] {وَإِن تَعْجَبْ} يا نبينا من عدم إيمانهم برسالتك وتوحيد ربك فعجب أكبر هو عدم إيمانهم بالبعث الآخر، إذ قالوا في إنكار وتعجب: {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي يحصل لنا بعد الفناء والبلى، قال تعالى مشيراً إليهم مسجلاً الكفر عليهم ولازمه وهو الهداية كالتقليد الأعمى والكبر والمجاحدة والعناد، وفي الآخرة أغلال توضع في أعناقهم من حديد تشد بها أيديهم إلى أعناقهم، {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} أي أهلها {هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} أي ماكثون ابداً لا يخرجون منها بحال من الأحوال.
وقوله تعالى في الآية الثانية [6] {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ} يخبر تعالى رسوله مقرراً ما قال أولئك الكافرون بربهم ولقائه ونبي الله وما جاء به، ما قالوه استخفافاً واستعجالاً وهو طلبهم العذاب الدنيوي، اذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخوفهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فهم يطالبون به كقول بعضهم:
{ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال: 32] قبل طلبهم الحسنة وهذا لجهلهم وكفرهم، وإلا لطالبوا بالحسنة التي هي العافية والرخاء والخصب قبل السيئة التي هي الدمار والعذاب.
وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} أي والحال أن العقوبات قد مضت في الأمم من قبلهم كعقوبة الله لعاد وثمود وأصحاب الأيكة والمؤتفكات فما لهم يطالبون بها استبعاداً لها واستخفافاً بها أين ذهبت عقولهم؟ وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} وهو ظاهر مشاهد اذ لو كان يؤاخذ بالظلم لمجرد وقوعه فلم يغفر لأصحابه لما ترك على الأرض من دابة، وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي على من عصاه بعد أن أنذره وبين له ما يتقي فلم يتق ما يوجب له العذاب من الشرك والمعاصي.
وقوله تعالى في الآية الثالثة [7] {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ}! يخبر تعالى رسوله والمؤمنين عن قيل الكافرين بالتوحيد والبعث والنبوة: {لَوْلاۤ} أي هلا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم آية من ربه كعصا موسى وناقة صالح، حتى نؤمن بنبوته ونصدق برسالته، فيرد تعالى عليهم بقوله: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ} والمنذر المخوف من العذاب وليس لازماً أن تنزل معه الآيات، وعليه فلا تلتفت إلى ما يطالبون به من الآيات، واستمر على دعوتك فإن لكل قوم هادياً وأنت هادي هذه الأمة، وداعيها إلى ربها فادع واصبر.
وقوله تعالى في الآية الرابعة [8] {ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} أي من ذكر أو أنثى واحداً أو أثنين أبيض أو أسمر سعيداً أو شقياً، وقوله: {وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} أي ويعلم ما تغيض الأرحام من دماء الحيض وما تزداد منها إذ غيضها ينقص من مدة الحمل وازديادها يزيد في مدة الحمل فقد تبلغ السنة أو أكثر، وقوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} أي وكل شيء في حكمه وقضائه وتدبيره بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص في ذات ولا صفة ولا حال، ولا زمان ولا مكان، وقوله: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي كل ما غاب عن الخلق، وما لم يغب مما يشاهدونه أي العليم بكل شيء، وقوله: {ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ} أي الذي لا أكبر منه وكل كبير أمامه صغير المتعال على خلقه المنزه عن الشريك والشبيه والصاحبة والولد هذا هو الله وهذه صفاته فهل يليق بعاقل أن ينكر استحقاقه للعبادة دون سواه؟ فهل يليق بعاقل أن ينكر عليه أن يوحي بما شاء على من يشاء من عباده؟ فهل يليق بعاقل أن ينكر على من هذه قدرته وعلمه أن يحيي العباد بعد أن يميتهم ليسألهم عن كسبهم ويحاسبهم عليه ويجزيهم به؟ اللهم لا إذاً فالمنكرون على الله ما دعاهم إلى الإِيمان به لا يعتبرون عقلاء وإن طاروا في السماء وغاصوا في الماء.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- تقرير أصول العقيدة الثلاثة: التوحيد والنبوة البعث والجزاء الآخر.
2- صوارف الإِيمان والتي هي كالأغلال هي التقليد الأعمى، والكبر والعناد.
3- عظيم قدرة الله تعالى وسعة علمه.
4- تقرير عقيدة القضاء والقدر.