التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٧
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
١٨
يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٩
-المائدة

أيسر التفاسير

شرح الكلمات:
لقد كفر الذين: لأنهم جحدوا الحق وقالوا كذباً الله هو المسيح بن مريم.
المسيح: لقب لعيسى بن مريم عبد الله ورسوله عليه السلام.
مريم: بنت عمران من صلحاء بني إسرائيل والدة عيسى عليه السلام.
يهلك: يميت ويبيد.
قدير: قادر على إيجاد وإعدام كل شيء أراد إيجاده أو إعدامه.
الأحباء: واحده حبيب كما أن الأبناء واحده ابن.
على فترة: الفترة زمن انقطاع الوحي لعدم إرسال الله تعالى رسولا.
بشير ونذير: البشير: المبشر بالخير، والنذير: المنذر من الشر وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر المؤمنين وينذر الكافرين.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحديث عن أهل الكتاب ففي الآية الأولى [17] أخبر تعالى مؤكداً الخبر بالقسم المحذوف الدالة عليه اللام الواقعة في جواب القسم فقال: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} ووجه كفرهم أنهم جعلوا المخلوق المربوب هو الله الخالق الرب لكل شيء وهو كفر من أقبح أنواع الكفر، وهذا وإن لم يكن قول أكثر النصارى فإنهم بانتمائهم إلى النصرانية وقولهم بها وانخراطهم في سلك مبادئها وتعاليمها يؤاخذون به، لأن الرضا بالكفر كفر.
وقوله تعالى: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} يعلم رسوله كيف يحتج على أهل هذا الباطل فيقول له: قل لهم فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه عليهما السلام {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} والجواب قطعاً لا أحد، إذاً فكيف يكون عبد الله هو الله أو إلهاً مع الله؟ أليس هذا هو الضلال بعينه وذهاب العقول لكماله؟ ثم أخبر تعالى أنه له {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} خلقاً وتصرفاً، وأنه {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} خلقه بلا حجر عليه ولا حظر وهو على كل شيء قدير خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق حواء من آدم، وخلق عيسى من مريم بلا أب، ويخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير فكون المسيح عليه السلام خلقه بكلمة كن بلا أب لا تستلزم عقلاً ولا شرعاً أن يكون هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة مع الله كما هي عقيدة أكثر النصارى، والعجب من إصرارهم على هذا الباطل، هذا ما دلت عليه الآية الأولى أما الآية الثانية [18] فقد تضمنت بيان ضلال اليهود والنصارى معاً وهو دعواهم أنهم {أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ} إذ قال تعالى عنهم {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ} وهو تبجح وسفه وضلال فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله: قل لهم يا رسولنا {فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم} فهل الأب يعذب أبناءه والحبيب يعذب محبيه، وأنتم تقولون نعذب في النار أربعين يوماً بسبب خطيئة عبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً كما جاء ذلك في قوله تعالى حكاية عنهم:
{ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } [البقرة: 80] والحقيقة أن هذا القول منكم من حملة الترهات والأباطيل التي تعيشون عليها، وأما أنتم فإنكم بشر ممن خلق الله فنسبتكم إليه تعالى نسبة مخلوق إلى خالق وعبد إلى مالك من آمن منكم وعمل صالحاً غفر له وأكرمه، ومن كفر منكم وعمل سوءً عذبه كما هو سنته في سائر عباده، ولا اعتراض عليه فإن له ملك السماوات والأرض وما بينهما وأنتم من جملة مملوكيه، وإليه المصير فسوف ترجعون إليه ويجزيكم بوصفكم إنه حكيم عليم.
هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الآية الثالثة [19] فقد تضمنت إقامة الحجة على أهل الكتاب فقد ناداهم الرب تبارك وتعالى بقوله يا أهل الكتاب وأعلمهم أنه قد جاءهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم يبين لهم الطريق المنجي والمسعد في وقت واحد على حين فترة من الرسل إذ انقطع الوحي منذ رفع عيسى إلى السماء وقد مضى على ذلك قرابة خمسمائة وسبعين سنة أرسلنا رسولنا إليكم حتى لا تقولوا معتذرين عن شرككم وكفركم وشركم وفسادكم: {مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ} فها هو ذا البشير محمد صلى الله عليه وسلم فآمنوا به واتبعوه تنجوا وتسعدوا، وإلا فالعذاب لازم لكم والله على تعذيبكم قدير كما هو على كل شيء قدير.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- كفر من ينسب إلى الله تعالى ما هو منزه عنه من سائر النقائص.
2- بطلان دعوى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه بالدليل العقلي.
3- نسبة المخلوقات لله تعالى لا تتجاوز كونها مخلوقة له مملوكة يتصرف فيها كما شاء ويحكم فيها بما يريد.
4- قطع عذر أهل الكتاب بإرسال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل.