التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
٧٣
-الأنعام

محاسن التأويل

وقوله تعالى: { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ } بيان لقدرته تعالى على حشرهم، بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وأن قوله هو النافذ والواقع، والمراد بـ ( القول ) كلمة ( كن ) تحقيقاً أو تمثيلاً. فـ ( قوله الحق ) متبدأ وخبر. و ( يوم ) ظرف لمضمون هذه الجملة. كقوله تعالى: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [يس: 82].
وكأن قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ } الخ عقب قوله: { وهو الذي إليه تحشرون } سيق للاحتجاج على قدرته تعالى على البعث، ردّاً على منكري ذلك من المشركين، الذين السياق فيهم. وما أشبه الآية بقوله تعالى:
{ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً } [يس: 81 - 82].
ولا يخفى أن باستحضار النظائر القرآنية، تنجلي الحقائق. وقد توسع المفسرون هنا في إعراب هذه الجملة، بسرد وجوهٍ ضاع الظاهر بينها - وقد علمتَه، فاحرص عليه -.
{ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } أي: فلا بد أن يفعل بالمطيع والعاصي فعل الملوك، لمن يطيعهم أو يعصيهم. فـ ( يوم ) ظرف لقوله: { وَلَهُ الْمُلْكُ } -قاله أبو السعود - وتقييد اختصاص الملك به تعالى، بذلك اليوم، مع اليوم، مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات، لغاية ظهور ذلك. بانقطاع العلائق المجازية الكائنة في الدنيا، المصححة للمالكية المجازية في الجملة، كقوله تعالى:
{ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر: 16]. وقوله: { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } [الفرقان: 26].
وقد زعم بعضهم أن المراد بـ ( الصور ) هنا جمع صورة، أي: يوم ينفخ فيها، فتحيى. قال ابن كثير: والصحيح أن المراد بـ ( الصور ) القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وهكذا قال ابن جرير: الصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ " .
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عَمْرو قال: إن أعرابياً سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصور؟ فقال: " قرن ينفخ فيه " . ورواه داود والترمذيّ والحاكم، عنه أيضاً.
{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } أي: هو عالمهما { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } ذو الحكمة في سائر أفعاله. والعلم بالأمور الجلّية والخفية.
ثم أمر تعالى بنيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر لمن اتخذ دينه هزواً ولعباً إنكار إبراهيم عليه الصلاة والسلام -الذي يزعمون أنهم على دينه، ويفتخرون به - على أبيه في شركه بقوله سبحانه:
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي ...}.