التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
-البقرة

تفسير المنار

في الناس المنادون هنا وجهان: أحدهما: أنهم الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ذلك الإيمان الذي يملك القلب ويصرف النفس في الأعمال، وهو المقبول عند الله تعالى، وإنما هم آخذون بتقاليد ظاهرية ليس لها ذلك الأثر الصالح في أخلاقهم وأعمالهم، فهم يخادعون الله تعالى بالتلبس ببعض صور العبادات والأقوال و "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" والكلام على هذا لا يزال في الصنف الرابع من أصناف البشر المخاطبين بالقرآن كما تقدم، فلا حاجة إلى بيان وجه الاتصال بين الآيات.
الوجه الثاني: - وهو الراجح - أن الخطاب عام للناس كافة، ووجه الاتصال بين الآيات على هذا أنه لما بين تعالى في أصناف الناس هذا الصنف الذي احتقر أفراده نعم الله تعالى عليهم، واستعظموها وأكبروها على من قبلهم، فحرموا أنفسهم من أجل المزايا الإنسانية، وأجلوا سلفهم حتى رفعوهم إلى مرتبة الربوبية، خاطب الناس عامة بأن يعبدوه ملاحظين معنى الربوبية والخالقية التي تشملهم ومن قبلهم من السلف، فتنظمهم جميعا في سلك العبودية للخالق تعالى شأنه، ولا يكون كذلك الصنف الخاسر الكفور بنعم المشاعر والعقل وهداية الدين، إذا لم يستعملوا عقولهم في فهم ما أنزل عليهم، بل اكتفوا بتقليد بعض رؤسائهم وعلمائهم، زاعمين أنه لا يقوى على فهم كتاب الله تعالى غيرهم، كأن الله تعالى أنزل كتبه وخاطب بها نفرا معدودين في وقت محدود ولم يجعله هداية عامة للأمة، وإنما ألزم سائر الناس في سائر الأوقات الاكتفاء باتباع أولئك الرؤساء وأتباعهم وأتباع أتباعهم وهلم جرا، ثم تركوا أتباعهم اتكالا على شفاعتهم، واكتفاء بالانتساب إليهم، وزعما أن الله أعطاهم ما لا يعطي مثله لأحد سواهم وإن عملوا مثل عملهم، تعالى الله عن الظلم والمحاباة، وهو ذو الرحمة التي لا تنتهي وذو الفضل العظيم.
هذا النداء الإلهي المشعر بأن نسبة الناس الأولين إلى الله تعالى كنسبة الآخرين واحدة، هو الخالق وهم المخلوقون، وهو المستحق للعبادة وهم المأمورون بها أجمعون، حجة علينا وعلى جميع من استن بسنة ذلك الصنف من قبلنا. قال شيخنا: وأخص طلاب علوم الدين بالذكر، فينبغي للطالب أن يوجه نفسه إلى فهم القرآن، ويحملها على الاهتداء به، فإذا هو فعل ذلك تظهر عليه آداب الإسلام التي أشار إليها الرسول - عليه الصلاة والسلام - بقوله: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" وإنما كان أدبه القرآن، ومن اشتغل بهذا حق الاشتغال، وصل إلى معرفة أمراض المسلمين الحاضرة، ومنابع البدع التي فشت فيهم، ومثارات الفتن التي فرقتهم، ويعرف علاج ذلك، وأن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب ولا يتلقى علما، إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته، وما عدا ذلك مبعد عنه، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله تعالى، وذلك هو الضلال البعيد.
كل ما أمرنا به القرآن وأرشدنا إلى النظر فيه فالاشتغال به اشتغال بالقرآن، فإذا قال: {ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} فذلك تنبيه وإرشاد إلى الاعتبار بما في خلقنا من الحكم والأسرار، وينبغي لنا البحث عنها كما قال في آية أخرى:
{ وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [الذاريات: 20، 21] وإلى الاعتبار بتاريخ من قبلنا، كما قال في آية أخرى: { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } [الروم: 42] وأمثال ذلك كثير.
لا يتعظ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده، وتخشع لوعيده، إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو، كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر، وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن. قال الإمام أبو بكر الباقلاني: من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئا من بلاغة القرآن بدون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل.
فهل يصلح لمسلم بلغ ورشد وطلب العلم ألا يجعل القرآن إمامه ويتخذه نورا يمشي به في الناس، ويهتدي به في ظلمات البدع؟.
أمامنا عقبتان كئودان لا نرتقي عما نحن فيه إلا باقتحامهما، وهما الكسل وتسجيل القصور على أنفسنا بجهل قيمة نعم الله تعالى علينا. وصاحب هاتين الخلتين يمقت كل من يرشده إلى الخير ويهديه للحق ؛ لأنه يكلفه ضد طبعه، فلا يرى مهربا من الاعتراف بضلاله وغيه، إلا بالقدح في مرشده وناصحه.
على كل منا أن ينظر في نفسه وينظر في القرآن العظيم، ويزن به ما هو عليه من العقائد والأخلاق والأعمال. فإن رجح به ميزانه فهو مسلم حقيقي فليحمد الله تعالى. وإلا فليسع فيما يكون به الرجحان.
لا بد لنا من النظر الطويل والفكر القويم فيما نحن فيه، فمن لم يتفكر لم يهتد إلى الحق. ومن لم يهتد إليه فهو ضال. فماذا بعد الحق إلا الضلال!
هذا ما تذكرناه من التنبيه الذي قلنا إن الأستاذ قفى به على تفسير الآيات التي وردت في صنفي المنافقين ومرضى القلوب بإزاء القرآن، ووصل به بينها وبين قوله تعالى: {ياأيها الناس اعبدوا ربكم} الآيات. وهاك تفسيرها بالتفصيل.
{ياأيها الناس اعبدوا ربكم} أقول: إن الله تعالى قد افتتح هذه السورة بذكر كتابه القرآن وكونه حقا لا ريب فيه. وذكر بعد ذلك أصناف البشر تجاهه من المهتدين به بالقوة وبالفعل، ومن الكافرين الذين فقدوا الاستعداد للهدى، ومن المنافقين المذبذبين بين المؤمنين والكافرين، وفيه ما يفهم منه أن هؤلاء متفاوتون، منهم المستعد للإخلاص في الإيمان ومن فقد الاستعداد له، وحكمة بيان حال الميئوس من إيمانهم أنهم ليسوا حجة على هداية القرآن بل هو حجة عليهم.
بعد هذا التمهيد جاءت هذه الآية والآيات الأربع بعدها مصرحات بدعوة جميع الناس إلى دين الله تعالى الحق ببيان أصوله وأسسه وهي:
1- توحيد الألوهية بعبادة الله تعالى وحده. مع ملاحظة توحيد الربوبية.
2- القرآن آيته الكبرى ودينه التفصيلي.
3- نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - المرسل بهذا القرآن.
4- الجزاء في الآخرة على الكفر وأعماله بالنار. وعلى الإيمان وأعماله بالجنة.
تقدم تحقيق معنى العبادة ومعنى الرب في تفسير سورة الفاتحة. وبدء الدعوة بالأمر بعبادة الله تعالى وحده هو سنة جميع المرسلين قال تعالى:
{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [النحل: 36] فكان كل رسول يبدأ دعوته بقوله: { ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } [المؤمنون: 23] وذلك أن جميع تلك الأمم كانت تؤمن بأن الله خالق الخلق، هو ربهم ومدبر أمورهم، وإنما كان كفرهم الأعظم بعبادة غير الله تعالى بالدعاء الذي هو ركن العبادة الأعظم في وجدان جميع البشر، وبغير الدعاء والاستغاثة من العبادات العرفية، كالتقرب إلى المعبود بالنذور وذبح القرابين أو الطواف والتمسح به إن كان جسما أو تمثالا لملك أو بشر أو حيوان أو قبرا لإنسان، ومنهم من كان ينكر البعث أيضا، ولما كان المخاطبون بالدعوة هنا أولا وبالذات في ضمن الدعوة العامة، وهم اليهود والعرب في المدينة وما حولها يؤمنون برب العالمين ووحدانيته ويعبدون غيره إما بدعائه مع الله أو من دون الله، وإما بجعله شارعا يتبعونه فيما يصدره من أحكام التعبد أو الحرام والحلال - لما كانوا كذلك، احتج على دعوتهم إلى توحيد الله تعالى بالتعبير بلفظ " رب " مضافا إليهم فقال: {اعبدوا ربكم} ووصفه بما يدل على انفراده بالربوبية من الصفات المسلمة عندهم وهي الخلق والتكوين والرزق فقال: {الذي خلقكم والذين من قبلكم} إلى آخر الآية التالية - أي إذا كان ربكم هو الذي خلقكم وخلق من قبلكم، وهو الذي سخر لكم السماء والأرض لرزقكم ومنافعكم، فيجب أن تعبدوه وحده ولا تشركوا بعبادته أحدا من خلقه فتجعلونه مساويا له، وتفضلونه على أنفسكم تفضيلا من نوع تفضيل الخالق على المخلوق والرب على المربوب. وهاك تفصيل ذلك بما كتبته من سياق درس شيخنا مفصلا له تفصيلا:
يقول تعالى: {ياأيها الناس} الذين يدعون الإيمان بالله قولا بأفواههم ولم يمس الإيمان الحق سواد قلوبهم، ولا كان له سلطان على أرواحهم، ويدعون الإيمان باليوم الآخر ولم يستعدوا له بتهذيب أنفسهم وإصلاح أعمالهم، وإنما يأتون ببعض صور العبادات بحكم العادات الموروثة. وقلوبهم مشغولة عن الله الذي لا تفيد العبادة عنده إلا بالتوجه إليه وابتغاء مرضاته، والشعور بعظمته وجلاله، فهم يخادعون الله بهذه الظواهر التي لا معنى لها، والصور التي لا روح فيها، وإنما يخدعون في الحقيقة أنفسهم ؛ لأن أعمالهم هذه لا تفيدهم في الدنيا عزة وسعادة ولا تنجيهم في الآخرة.
ويا أيها الناس الذين لم يرزءوا بهذا الخذلان، ولم يبتلوا بهذا الافتتان، سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، {اعبدوا ربكم} جميعا عبادة خشوع وإخلاص وأدب وحضور، كأنكم تنظرون إليه وترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم، وينظر دائما إلى محل الإخلاص منكم وهو قلوبكم، واستعينوا على إشعار نفوسكم هذا الخشوع والحضور والإخلاص في العبادة باستحضار معنى الربوبية، فإنه هو ربكم الذي أنشأكم فيما لا تعلمون
{ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } [النحل: 78] وغذاكم بنعمه، ونماكم بكرمه، كما فعل مثل ذلك بسلفكم الصالح فشكروه وعبدوه وحده مقرين بهذه التربية، ومعظمين لهذه المنة، فليدع ذلك الصنف احتقار النعم التي هو فيها والاقتصار على تعظيم نعمة الله على السلف فقط. فإن هذا الرب العظيم {الذي خلقكم} وخلق {الذين من قبلكم} قد رباكم كما ربى سلفكم، ووهبكم من الهدايات مثلما وهبهم، فمن شكر منهم ومنكم زاده نعما، ومن كفر بهذه النعم جعلها عليه نقما، ليكون عبرة ومثلا للآخرين، وذلك من رحمته بالعالمين، وقد أقسم تعالى على ذلك في كتابه المجيد فقال: { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } [ابراهيم: 7] وفي القصاص حياة لأولي الألباب، وما يتذكر إلا من أناب.
هكذا أمر الله تعالى عباده أجمعين بأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين، وأرشدهم بإعلامه إياهم أنه ساوى بينهم وبين من قبلهم في المواهب الخلقية إلى الاستقلال بالعمل وقدر نعمته عليهم قدرها، ليعلموا أن كل النعم التي تكتسب بالشكر - وهي ما عدا النبوة - مقدورة لهم، كما كانت مقدورة لمن قبلهم، وأنهم إذا زادوا على سلفهم شكرا يزادون نعما، وما الشكر إلا استعمال المواهب والنعم فيما وهبت لأجله، فالذين يقولون: إننا لا نقدر على فهم الدين بأنفسنا من الكتاب والسنة لأن عقولنا وأفهامنا ضعيفة، وإنما علينا أن نأخذ بقول من قبلنا من آبائنا ؛ لأن عقولهم كانت أقوى، وكانوا على فهم الدين أقدر، بل لا يمكن أن يفهمه غيرهم، أولئك كافرون بنعمة العقل، وغير مهتدين بهذه الآية الناطقة بالمساواة في المواهب وسعة الرحمة والفضل، وكذلك الذين يتخذون وسطاء بينهم وبين الله تعالى لأجل التقريب إليه زلفى بغير ما شرعه لهم من الدين، وما جاء به الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وهم الوسائل في الهداية والإرشاد، أو لأجل الشفاعة لهم عنده لينالوا جزاء ما شرعه من الدين، من غير طريق العمل به واتباع المرسلين - قد احتقروا نعم الله تعالى ولم يهتدوا بهذه الآية، لأنهم قد جعلوا لله أندادا يبغون أن ينالوا بأشخاصهم ما حكم الله بأن يطلبه الناس بإيمانهم وأعمالهم، فجعلوا هؤلاء الأنداد شركاء لله يغنونهم عن شريعته، شعروا بذلك أم لم يشعروا.
يقول تعالى لجميع عباده ما معناه: اعبدوني ملاحظين معنى الربوبية والمساواة في المواهب الخلقية التي تؤهلكم للسعادة الحقيقية {لعلكم تتقون} فإن العبادة على هذا الوجه هي التي تعدكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ الكمال القصوى.
قال الأستاذ: الشائع أن " لعل " للترجي في ذاتها، وإذا وقعت في كلام الله تعالى يكون معناها التحقيق، وغرض القائلين بهذا تنزيه الله سبحانه عن الترجي بمعناه اللغوي الآتي، ولكنه رمي للكلام بدون بيان، وحقيقته أن " لعل " للترجي ولكنها تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، فحيث وقعت " لعل " في القرآن فالمراد بها هذا المعنى الأخير كما فسرناهما به آنفا، وهو يستلزم التحقيق (لأن الإعداد بما تأتي " لعل " بعده أمر محقق لا ريبة فيه) فإن العبادة على الوجه الذي أرشدت إليه الآية من ملاحظة معنى الربوبية إلخ ما تقدم شرحه، تطبع في النفس ملكة خشية الله وتعظيمه ومراقبته، وتعلي همة العابد وتقوي عزيمته وإرادته، فتزكو نفسه وتنفر من المعاصي والرذائل، وتألف الطاعات والفضائل، وهذه هي التقوى. وإذا قلنا: إن الرجاء متعلق بالناس فالإعداد فيه ظاهر ومتحقق، إذ لو لم يخلقهم مستعدين للتقوى لما اتقاه منهم أحد.
ومعنى الترجي في أصل اللغة: توقع حصول الشيء القريب بحصول سببه والاستعداد له، سواء كان الاستعداد كسبيا أو طبيعيا فاستعملنا " لعل " المعبرة عن التوقع في سببه وهو الاستعداد أو الإعداد الذي هو جعل المرء مستعدا، والتعبير عن المسبب بلفظ السبب شائع في استعمال اللغة، وقد عدوا الترجي والتمني من الأخبار وصيغهما صيغ إنشاء فقط.
وأقول: إن ما ذكره من الإعداد صحيح ولكنه غير مطرد، والتحقيق أن الترجي عبارة عن كون الشيء مأمولا بما يذكر من سببه غير مقطوع به لذاته بل يتبع قوة أسبابه مع انتفاء الموانع ويتعلق تارة بالمتكلم، وتارة بالمخاطب، وتارة بالمتكلم عنه، وتارة بغيرهما، فتأمل قوله تعالى:
{ لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } [الطلاق: 1] وقوله حكاية عن قوم موسى: { لعلنا نتبع السحرة } [26: 40] وقوله: { وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب } [غافر: 36] إلخ. وقوله لموسى وهارون: { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } [طه: 44] وقد علم أن هذا مقطوع بعدم وقوعه عند الله، ولكن الرجاء فيه متعلق بموسى وهارون أي { فقولا له قولا لينا } [طه: 44] راجين به أن يتذكر أو يخشى لا قولا غليظا منفرا. وتأتي " لعل " للإشفاق وإفادة التحذير من أمر وقعت أسبابه فكان بها مظنة الوقوع كقوله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: { فلعلك باخع نفسك } [الكهف: 6] الآية، وقوله: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك } [هود: 12] الآية.
لما ذكر الله عباده بنعمة الإيجاد ونعمة المساواة في المواهب التي تقتضي التقوى وعدم إطراء السلف برفعهم إلى مقام الربوبية كما وقع من الذين
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [التوبة: 31] ذكرهم ثانيا ببعض خصائص الربوبية التي تقتضي الاختصاص بالعبودية، فقال: {الذي جعل لكم الأرض فراشا} بما مهدها وجعلها صالحة للافتراش والإقامة عليها والارتفاق بها، أي فهو القادر على جلائل الفعال، العظيم الذي يستحق العبادة والإجلال. المنعم بجميع النعم، الجدير بأعلى مراتب الشكر، جعل الأرض بقدرته فراشا لأجل منفعتكم {والسماء بناء} متماسكا لكيلا تقع على الأرض فتسحقكم. السماء: مجموع ما فوقنا من العالم. والبناء: وضع شيء على شيء بحيث يتكون من ذلك شيء بصورة مخصوصة، وقد كون الله السماء بنظام كنظام البناء، وسوى أجرامها على هذه الصفة المشاهدة وأمسكها بسنة الجاذبية فلا تقع على الأرض، ولا يصطدم بعضها ببعض، إلا إذا جاء يوم الوعيد وبطل نظام هذا العالم ليعود في خلق جديد، والواجب ملاحظته في هذا المقام، هو تصور قدرة الله تعالى وعظمته، وسعة فضله ورحمته.
ثم بعد أن امتن بنعمة الإيجاد ونعمة الفراش والمهاد، ونعمة السماء التي هي كالبناء، ذكر نعمة الإمداد، الذي تحفظ به هذه الأجساد، وهي مادة الغذاء، التي بها النمو والبقاء، فقال: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} الثمرات: ما يحصل من النبات نجما كان أو شجرا، يصلح الزارع والغارس الأرض، ويبذر البذر، ويغرس الفسيل، ويتعاهد ذلك بالسقي والعزق، فيكون له كسب في رزقه، ولكنه ليس له كسب في إنزال المطر الذي يسقى به، ولا في تغذية النبات بماء المطر أو النهر المجتمع من المطر، وبأجزاء الأرض وعناصرها الأخر، ولا في تولد خلاياه التي بها نموه ولا في إثماره إذا أثمر، إنما كل ذلك بيد الله القدير. فعلينا أن نتفكر في ذلك لنزداد تعظيما له وإجلالا فلا نعبد معه أحدا.
وبعد أن عرفنا الله تعالى بأنفسنا، وبنعمته علينا وعلى سلفنا. وبعد أن عرفنا ذاته الكريمة بآثار رحمته ومننه العظيمة، وصرنا جديرين بأن نعرف أن العبد عبد فلا يعبد وأن الرب رب فلا يشرك به ولا يجحد، قال تفريعا وترتيبا على ما سبق: {فلا تجعلوا لله أندادا} من سلفكم المخلوقين مثلكم تطلبون منهم ما لا يطلب إلا منه وهو كل ما تعجزون عنه ولا يصل كسبكم إليه، لا تفعلوا ذلك فإنهم في الخلق والعبودية مثلكم.
الأنداد: جمع ند بكسر النون، وفسر بالشريك، وهو في اللغة: المضارع والكفء يقال: فلان ند فلان ومن أنداد فلان، أي يضارعه ويماثله ولو في بعض الشئون. والأنداد الذين اتخذوا في جانب الله هم الذين خضع الناس لهم وصمدوا إليهم في بعض الحاجات، لمعنى يعتقده فيهم الخاضعون المخاطبون بترك الأنداد أولا وبالذات، وهم مشركو العرب وأهل الكتاب، فالعرب كانت تسمي ذلك الخضوع والصمود عبادة، إذ لم يكن عندهم وحي ينهاهم عن عبادة غير الله فيتحاموا هذا اللفظ " العبادة " ويستبدلوا به لفظ التعظيم أو التوسل مثلا تأويلا لظاهر نص التنزيل. وأما أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادا وأربابا فكانوا يؤولون فلا يسمون هذا الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة أو أندادا أو أربابا. وفرق بين الاتخاذ بالفعل والتسمية بالقول. والجميع متفقون على أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، وإنما كانوا يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلا واستشفاعا، ويسمون تشريعهم لهم العبادات وتحليلهم لهم المنكرات، وتحريمهم عليهم بعض الطيبات، فقها واستنباطا من التوراة، إلا أن من النصارى من لا يتحامون التصريح بعبادة السيدة مريم وبعض القديسين استعمالا للفظ في مدلوله اللغوي.
وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافا عظيما، وأعلاها عند المسلمين الأركان الخمسة والدعاء. وقالوا: كل عمل محظور تحسن فيه النية لله تعالى فهو عبادة، كأن المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة هو التوجه إلى الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته، ولها عند أهل الكتاب صور أخرى، والمؤولون يخصون هذه الصور بالله تعالى، وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسمونها باسم آخر يستحلونها بل يستحبونها به، ولكنهم لا يخرجون بالتسمية أو التأويل عن حيز من يتخذ من دون الله أندادا كما ذكر الله عنهم في قوله:
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [التوبة: 31] ولم يكن منهم سوى التوسل بهم والأخذ في الدين بقولهم تقليدا لهم بدون فهم لما جاء على لسان الوحي، كما صح ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقدماء الفرس جعلوا لله ندا في الخلق والإيجاد، فقالوا: إن للخير إلها هو الإله الأول. وإن للشر إلها يضاده، وليس النهي في الآية عن هذا الند الشريك ؛ لأن المخاطبين لا يدينون به كما قلنا وتدل عليه الآيات الكثيرة.
لذلك وصل النهي بقوله - عز وجل -: {وأنتم تعلمون} أي والحال أنكم تعلمون أنه لا ند له لأنكم إذا سئلتم: من خلقكم وخلق من قبلكم؟ تقولون الله، وإذا سئلتم: من يرزقكم من السماوات والأرض ومن يدبر الأمر؟ تقولون: الله. فلماذا تستغيثون إذن بغير الله وتدعون غير الله؟ ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع وادعيتم أنهم شفعاؤكم عند الله؟ ومن أين جاءكم أن التقرب والتوسل إلى الله يكون بغير ما شرعه من الدين حتى قلتم:
{ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله } [الزمر: 3].
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم وخلق وسائطكم وشفعاءكم، وأعدكم جميعا للتقوى التي تقربكم إليه زلفى، وساوى بينكم في أنواع المواهب إلا أنه خص الأنبياء - عليهم السلام - بالوحي ليعلموكم ما أخطأ نظركم ورأيكم فيه، فعليكم أن تهتدوا بما جاءوا به، فإن صد المرءوسين عن ترك تقاليدهم واتباع الوحي من غير زيادة فيه ولا نقصان منه خوفهم الرؤساء. فقد آثروا رؤساءهم على الله وجعلوهم له أندادا، وإن صد الرؤساء عن هذا الاتباع توقع زوال المنفعة والجاه لدى المرءوسين فقد اتخذوهم أندادا، فالند: هو المكافئ والمثل، وأنتم بترككم الحق لخوفهم ورجائهم تفضلونهم على الله تعالى وتجعلونه أقل الأنداد تعظيما، ففروا - رحمكم الله - إلى الله، ولا تخافوا غيره ولا ترجوا سواه، فعار على من يعرف الله أن يؤثر رضاء أحد على رضاه، لا فرق بين رئيس ومرءوس، وتابع ومتبوع، بل هذا لا يقع من مؤمن حقيقي ؛ لأن الله تعالى يقول:
{ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 175].