التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٥٢
رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ
٥٣
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ
٥٤
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٥٥
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٥٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ
٥٧
ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ
٥٨
-آل عمران

تفسير المنار

قال الأستاذ الإمام: انتقل من البشارة بعيسى إلى ذكر خبره مع قومه وطوى ما بينهما من خبر ولادته ونشأته وبعثته مؤيدا بتلك الآيات، وهذا من إيجاز القرآن الذي انفرد به، فقد انطوى تحت قوله: {فلما أحس عيسى منهم الكفر} جميع ما دلت عليه البشارة وعلم أنه ولد وبعث ودعا وأيد دعوته كما سبقت البشارة، فأحس وشعر من قومه - وهم بنو إسرائيل - الكفر والعناد والمقاومة والقصد بالإيذاء، وفي هذا من العبرة والتسلية للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما فيه، وإن أكبر ما فيه الإعلام بأن الآيات الكونية وإن كثرت وعظمت ليست ملزمة بالإيمان ولا مفضية إليه حتما، وإنما يكون الإيمان باستعداد المدعو إليه وحسن بيان الداعي؛ ولذلك كان من أمر عيسى - عليه السلام - أنه لما أحس من قومه الكفر {قال من أنصاري إلى الله} أي توجه إلى البحث عن أهل الاستعداد الذين ينصرونه في دعوته تاركين لأجلها كل ما يشغل عنها منخلعين عما كانوا فيه متحيزين ومنزوين إلى الله منصرفين إلى تأييد رسوله ونصره على خاذليه والكافرين بما جاء به {قال الحواريون نحن أنصار الله} أي أنصار دينه، وهذا القول يفيد الانخلاع والانفصال من التقاليد السابقة والأخذ بالتعليم الجديد، وبذل منتهى الاستطاعة في تأييده؛ فإن نصر الله لا يكون إلا بذلك
والحواريون: أنصار المسيح، والنصر لا يستلزم القتال، فالعمل بالدين والدعوة إليه نصر له. قال الأستاذ الإمام: ولا تتكلم في عددهم لأن القرآن لم يعينه. أقول: ولعل لفظ " الحواري " مأخوذ من " الحوارى " وهو لباب الدقيق وخالصه؛ لأنه من خيار القوم وصفوتهم، أو من " الحور " وهو البياض، وفي حديث الصحيحين
"لكل نبي حواري وحواريي الزبير" ومن هنا قيل خاص بأنصار الأنبياء {آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون} مخلصون له منقادون لأمره، وفي هذا دليل على أن الإسلام دين الله على لسان كل نبي وإن اختلفوا في بعض صوره وأشكاله وأحكامه وأعماله. ومن مباحث اللفظ في الآية أن (أحس) يستعمل في إدراك الحسي والمعنوي، ففي حقيقة الأساس أحسست منه مكرا، وأحسست منه بمكر، وما أحسسنا منه خبرا، وهل تحس من فلان بخبر؟ والمكر من الأمور المعنوية وإن كان يستنبط من الأعمال الحسية ويستدل عليه بها. وقال البيضاوي في الآية: " تحقق كفرهم عنده تحقق ما يدرك بالحواس " وهو مبني على أن معنى أحس الشيء أدركه بإحدى حواسه، وأن إطلاقه على إدراك الأمور المعنوية مجاز شبه فيه المعقول بالمحسوس في الجلاء والوصول إلى درجة اليقين، على أن الكفر يعرف بالأقوال والأعمال المحسوسة. وقال الأستاذ الإمام: إن الجار في إلى الله متعلق بلفظ أنصاري وإن لم يعرف أن مادة نصر تعدى بـ " إلى "، ذلك بأن مجموع الكلام هنا قد أشرب الكلمة معنى اللجأ والانضمام لأن النصر يحصل بذلك، ويصح أن يتعلق بوصف يفيد هذا المعنى الذي يدل عليه الأسلوب كما قدرنا في بيان العبارة، وهو الذي جرى عليه المفسرون محافظة على القواعد الموضوعة.
{ربنا آمنا بما أنزلت} معطوف على قولهم {نحن أنصار الله} إلخ أي صدقنا بما أنزلت من الإنجيل {واتبعنا الرسول} عيسى ابن مريم، قال الأستاذ الإمام: ذكر الاتباع بعد الإيمان؛ لأن العلم الصحيح يستلزم العمل، والعلم الذي لا أثر له في العمل يشبه أن يكون مجملا وناقصا لا يقينا وإيمانا، وكثيرا ما يظن الإنسان أنه عالم بشيء حتى إذا حاول العمل به لم يحسنه فيتبين له أنه كان مخطئا في دعوى العلم. ثم قال: إن العلم بالشيء يظل مجملا مبهما في النفس حتى يعمل به صاحبه فيكون بالعمل تفصيليا، فذكر الحواريين الأتباع بعد الإيمان يفيد أن إيمانهم كان في مرتبة اليقين التفصيلي الحاكم على النفس المصرف لها في العمل {فاكتبنا مع الشاهدين} للرسول بتبليغ الدعوة، وعلى قومه بما كان منهم من الكفر والجحود، فحذف معمول الشاهدين ليعم المشهود له والمشهود عليهم. أو يقال: الشاهدين على هذه الحالة أي حالة الرسول مع قومه، وهو الذي اختاره الأستاذ الإمام. قال: ومن المعروف في الفقه أن الشاهدين بمنزلة الحاكم؛ لأن الفصل بين الخصمين يكون بشهادتهما، ولا تصح الشهادة إلا من العارف بالمشهود به معرفة صحيحة، وقد كان الحواريون كذلك كما علم من إقرارهم بالإيمان والاتباع.
{ومكروا ومكر الله} أي ومكر أولئك الذين أحس عيسى منهم الكفر به، فحاولوا قتله وأبطل الله مكرهم فلم ينجحوا فيه، وعبر عن ذلك بالمكر على طريق المشاكلة، كذا قال الجمهور، وأقرهم الأستاذ الإمام. ولكن ورد في سورة الأعراف إضافة المكر إلى الله -تعالى- من غير مقابلة بمكر الناس. قال:
{ أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } [الأعراف: 99] والمكر في الأصل: التدبير الخفي المفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسب، ولما كان الغالب أن يكون ذلك في السوء لأن من يدبر للإنسان ما يسره وينفعه لا يكاد يحتاج إلى إخفاء تدبيره، غلب استعمال المكر في التدبير السيئ وإن كان في المكر الحسن والسيئ جميعا قال -تعالى-: { استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } [فاطر: 43] ووجه الحاجة إلى المكر الحسن أن من الناس من إذا علم بما يدبر له من الخير أفسد على الفاعل تدبيره لجهله فيحتاج مربيه أو متولي شئونه إلى أن يحتال عليه ويمكر به ليوصله إلى ما لا يصح أن يعرفه قبل الوصول؛ إذ يوجد في الماكرين الأشرار والأخيار {والله خير الماكرين} فإن تدبيره الذي يخفى على عباده إنما يكون لإقامة سننه وإتمام حكمه، وكلها خير في نفسها وإن قصر كثير من الناس في الاستفادة منها بجهلهم وسوء اختيارهم. وقال الأستاذ في تفسير: خير الماكرين بناء على أن المكر في نفسه شر: أي إن كان في الخير مكر، فمكره -سبحانه- وتعالى موجه إلى الخير ومكرهم هو الموجه إلى الشر.
{إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا} أي مكر الله بهم؛ إذ قال لنبيه: إني متوفيك إلخ، فإن هذه بشارة بإنجائه من مكرهم وجعل كيدهم في نحرهم قد تحققت، ولم ينالوا منه ما كانوا يريدون بالمكر والحيلة، والتوفي في اللغة: أخذ الشيء وافيا تاما، ومن ثم استعمل بمعنى الإماتة قال -تعالى-:
{ الله يتوفى الأنفس حين موتها } [الزمر: 42] وقال: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } [السجدة: 11] فالمتبادر من الآية: إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي، كما قال في إدريس - عليه السلام -: { ورفعناه مكانا عليا } [مريم: 57] والله -تعالى- يضيف إليه ما يكون فيه الأبرار من عالم الغيب قبل البعث وبعده كما قال في الشهداء: { أحياء عند ربهم } [آل عمران: 169] وقال: { إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر } [القمر: 54، 55] وأما تطهيره من الذين كفروا فهو: إنجاؤه مما كانوا يرمونه به أو يرومونه منه ويريدونه به من الشر. هذا ما يفهمه القارئ الخالي الذهن من الروايات والأقوال؛ لأنه هو المتبادر من العبارة وقد أيدناه بالشواهد من الآيات، ولكن المفسرين قد حولوا الكلام عن ظاهره لينطبق على ما أعطتهم الروايات من كون عيسى رفع إلى السماء بجسده، وهاك ما قاله الأستاذ الإمام في ذلك:
يقول بعض المفسرين: إني متوفيك أي منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك ورافعك إلي بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين، فلا يتمكنون من قتلك، وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلي، ونسب هذا القول إلى الجمهور وقال: للعلماء هاهنا طريقتان إحداهما - وهي المشهورة - أنه رفع حيا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى. ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبا. أقول: وفاتهم أن مخالفة الترتيب في الذكر للترتيب في الوجود لا يأتي في الكلام البليغ إلا لنكتة، ولا نكتة هنا لتقديم التوفي على الرفع؛ إذ الرفع هو الأهم لما فيه من البشارة بالنجاة ورفعة المكانة.
(قال): والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه، فإن الروح هي حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير، والإنسان إنسان لأن روحه هي هي. (قال): ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان: أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي؛ لأن المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواتر. وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس، وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها وما شرعت لأجله؛ فالمسيح - عليه السلام - لم يأت لليهود بشريعة جديدة، ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى - عليه السلام -، ويوقفهم على فقهها والمراد منها، ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب، أي ولما كان أصحاب الشريعة الأخيرة قد جمدوا على ظواهر ألفاظها بل وألفاظ من كتب فيها معبرا عن رأيه وفهمه، وكان ذلك مزهقا لروحها ذاهبا بحكمتها كان لا بد لهم من إصلاح عيسوي يبين لهم أسرار الشريعة وروح الدين وأدبه الحقيقي، وكل ذلك مطوي في القرآن الذي حجبوا عنه بالتقليد الذي هو آفة الحق وعدو الدين في كل زمان. فزمان عيسى على هذا التأويل هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر.
هذا ما قاله الأستاذ الإمام في الدرس مع بسط وإيضاح، ولكن ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك تأباه، ولأهل هذا التأويل أن يقولوا: إن هذه الأحاديث قد نقلت بالمعنى كأكثر الأحاديث، والناقل للمعنى ينقل ما فهمه، وسئل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له فقال: إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها. وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار، وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك، وسنعود إلى مبحث ما جرى للمسيح - عليه السلام - مع الماكرين الذين أرادوا قتله وصلبه في تفسير سورة النساء إن شاء الله -تعالى-.
{وجاعل الذين اتبعوك} بالأخذ بما جئت به من الهدى {فوق الذين كفروا} بك ولم يهتدوا بهديك فوقية روحانية دينية وهي كونهم أحسن أخلاقا وأكمل آدابا وأقرب إلى الحق والفضل، وأبعد عن الباطل والاعتداء، أو فوقية دنيوية وهو كونهم يكونون أصحاب السيادة عليهم، ولكن هذا الوجه لم يتحقق في زمن المسيح لأشد الناس اتباعا له، بل كانوا مغلوبين لليهود، فتعين أن يكون الوجه الأول هو المراد ووجهه ظاهر، فإن اتباع المسيح هو عين الأخذ بتلك الفضائل والمواعظ التي جاء بها وليس عندنا شيء عن الأستاذ الإمام في هذا. ولا يشكل عليه قوله: {إلى يوم القيامة} فإن فوقية الفضائل والآداب هي التي كانت وستبقى كذلك ما دامت السماوات والأرض {ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} أقول: فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، وبذلك يشمل المسيح والمختلفين معه ويشتمل الاختلاف بين أتباعه والكافرين به، والله هو الذي يبين لهم جميعا يوم الحساب الحق في كل ما اختلفوا فيه بما يزيل شبه المشتبهين ورياء الجاحدين.
{فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} وكذلك عذب الله اليهود الذين كفروا به بتسليط الأمم عليهم وبحكمها فيهم ولعذاب الآخرة أخزى
{ وهم لا ينصرون } [فصلت: 16] هناك كما أنهم لم ينصروا هنا {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} إما في الدارين وهو الغالب في الأمم، وإما في الآخرة فقط {والله لا يحب الظالمين} لأنفسهم بالخروج عن سنن الفطرة والكفر بالأنبياء الذين يطالبون النفوس بتقويمها.
{ذلك} الذي تقدم من خبر عيسى {نتلوه عليك من الآيات} الدالة على نبوتك {والذكر الحكيم} الذي يبين وجوه العبر في الأخبار والحكم في الأحكام، فيهدي المؤمنين إلى لباب الدين وفقه الشريعة وأسرار الاجتماع البشري ليتعظ المتعظون، ويصل إلى مقام الحكمة العارفون. وليس لدينا عن الأستاذ الإمام شيء في هذه الآيات الثلاث.