التفاسير

< >
عرض

كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٩٣
فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٩٤
قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٩٥
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
٩٦
فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ
٩٧
-آل عمران

تفسير المنار

ان الكلام من أول السورة إلى هنا في إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - مع إثبات التوحيد، واستتبع ذلك محاجة أهل الكتاب في ذلك، وفي بعض بدعهم وما استحدثوا في دينهم. أما هذه الآيات ففي دفع شبهتين عظيمتين من شبهات اليهود على الإسلام. قررهما الأستاذ الإمام هكذا:
قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده - كما تدعي - فكيف تستحل ما كان محرما عليه وعليهم كلحم الإبل؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول: إنك أولى الناس به. هذه هي الشبهة الأولى.
وأما الثانية فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا، ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانا آخر اتخذته مصلى وقبلة - وهو الكعبة - فخالفت الجميع.
فقوله - تعالى -: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} هو جواب عن الشبهة الأولى.
قال الأستاذ الإمام: ولكن الجلال وكثيرا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانا مقنعا، إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل، والصواب ما قصه الله - تعالى - علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها، وهي أن كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل ولإبراهيم من قبل بالأولى، ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبا، كما قال:
{ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } [النساء: 160] الآية. فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل، كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب نفسه. ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه: أنه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم، كما صرحت الآية. فكأنه يقول: إذا كان الأصل في الأطعمة الحل، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبا على جرائم أصابوها، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات، فلم تحرم عليهم الطيبات؟ ثم قال مبينا تقرير الدفع وسنده: {قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} في قولكم؛ لا تخافون أن تكذبكم نصوصها.
أقول: كأنه يقول: أما إنكم لو جئتم بما عندكم منها لما كان إلا مؤيدا للقرآن فيما جاء به من أنها هي حرمت عليكم ما حرمت. وعللت جملة التكاليف بأنكم شعب غليظ الرقبة متمرد يقاوم الرب، كما قال موسى عند أخذ العهد عليكم بحفظ الشريعة (اقرأ الفصل 31 من سفر التثنية) وفي غير ذلك من فصول التوراة.
قال الأستاذ الإمام: أما قول الجلال وغيره: إن يعقوب كان به عرق النسا - بالفتح والقصر - فنذر إن شفي لا يأكل لحم الإبل، فهو دسيسة من اليهود. وقيل: إنه نذر ألا يأكل هذا العرق. وفي التوراة أن يعقوب التقى في بعض أسفاره بالرب في الطريق فتصارعا إلى الصباح، وكاد يعقوب يغلبه، ولكن اعتراه عرق النسا. إلخ ما حرفوه.
أقول: وتتمة العبارة - كما في سفر التكوين - ((32: 25)).
ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه 26 وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال لا أطلقك إن لم تباركني 27 فقال له ما اسمك. فقال: يعقوب 28 فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل. لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت 29 وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك 30 فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل. قائلا لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي 31 وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخذه 32 لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم لأنه ضرب حق فخذ يعقوب على عرق النسا " اهـ.
وليس فيه أنه نذر شيئا ولا حرم شيئا. وقيل: إن ما حرمه يعقوب هو زائدتا الكبد والكليتين والشحم إلا ما كان على الظهر. وقال مجاهد: حرم لحوم الأنعام كلها، وكل ذلك من الإسرائيليات، وصحة السند في بعضها عن ابن عباس أو غيره - كما زعم الحاكم - لا يمنع أن يكون مصدرها إسرائيليا. والأقرب ما قاله الأستاذ الإمام؛ لأنه هو الذي تقوم به الحجة ولا سيما عند المطلع على التوراة، ولو أريد بإسرائيل يعقوب نفسه لما كان هناك حاجة إلى قوله: من قبل أن تنزل التوراة لأن زمن يعقوب سابق على زمن نزول التوراة سبقا لا يشتبه فيه فيحترس عنه.
والمتبادر عندي: أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه ما امتنعوا عن أكله وحرموه على أنفسهم بحكم العادة والتقليد لا بحكم من الله، كما يعهد مثل ذلك في جميع الأمم، ومنه تحريم العرب للبحائر والسوائب وغير ذلك مما حكاه القرآن عنهم في سورتي المائدة والأنعام. وقيل: إن شبهتهم التي دفعتها الآية هي إنكار النسخ، فألزمهم بأن التوراة نفسها نسخت بعض ما كان عليه إبراهيم وإسرائيل، وهو إلزام لا يمكنهم التفصي منه؛ لأنه ثابت عندهم في التوراة وهو يدل على نبوة النبي على كل حال، إذ أخبرهم بما عندهم ولم يطلع عليه. وبهذا يسقط بحثهم في كون التحليل والتحريم لا يكونان إلا من الله.
ومن مباحث اللفظ في الآية: أن الطعام ما يطعم، أي يتناول لأجل الغذاء، كما قال الراغب. وقد يقال أيضا: طعم الماء - بكسر العين - وكان يطلق غالبا على الخبز. ومنه قولهم: أكل الطعام مأدوما، وعلى البر. ومنه حديث أبي سعيد " كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير " إلخ. - متفق عليه - ومن إطلاقه على غيره حتما قوله - تعالى -:
{ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } [المائدة: 96] وعلى الذبائح أو لعموم قوله: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ] [المائدة: 5] الآية.
والحل بالكسر: مصدر حل الشيء ضد حرم، وهو مستعار من حل العقدة، كما قال الراغب. وإسرائيل: لقب نبي الله يعقوب - عليه السلام -، ومعناه " الأمير المجاهد مع الله " وقد علمت ما عندهم في سبب إطلاقه عليه من عبارة سفر التكوين التي ذكرناها آنفا، ثم أطلق على جميع ذريته كما هو شائع في كتب القوم من الأسفار المنسوبة إلى موسى فما دونهما.
{فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك} البيان وإلزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة، ودعوتهم إلى الإتيان بها وتلاوتها على الملأ، وامتناعهم عن ذلك لئلا يظهر أن الله لم يحرم عليهم شيئا من الطعام قبل التوراة. والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم {فأولئك هم الظالمون} بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه، ووضع حكم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه.
{قل صدق الله} فيما أنبأني به من عدم تحريم شيء على إسرائيل قبل التوراة، وقامت الحجة عليكم بذلك، فثبت أنني مبلغ عنه، إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم.
وإذ كان الأمر كذلك {فاتبعوا ملة إبراهيم} التي أدعوكم إليها حال كونه {حنيفا} لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير، ولا إفراط ولا تفريط، بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة المبنية على الإخلاص لله وإسلام الوجه له وحده {وما كان من المشركين} الذين يبتغون الخير من غيره - تعالى -، أو يخافون الضر من غير أسبابه التي مضت بها سنته.
أما قوله - عز وجل -: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} فهو جواب الشبهة الثانية. وتقريره: أن البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدا للناس، بناه إبراهيم وولده إسماعيل - عليهما السلام - لأجل العبادة خاصة، ثم بنى المسجد الأقصى ببيت المقدس بعده بعدة قرون، بناه سليمان بن داود - عليهما السلام -، فصح أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملة إبراهيم، ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وولده إسماعيل.
وهذا هو المعنى الظاهر المتبادر من الآية الذي قرره الأستاذ الإمام، وهو كاف في إبطال شبهة اليهود على النبي - عليه الصلاة والسلام - من غير حاجة إلى البحث في هذه الأولية هل هي أولية الشرف أم أولية الزمان.
أقول: والمتبادر أنها أولية الزمان بالنسبة إلى بيوت العبادة الصحيحة التي بناها الأنبياء، فليس في الأرض موضع بناه الأنبياء أقدم منه فيما يعرف من تاريخهم وما يؤثر عنهم، وهذا يستلزم الأولية في الشرف.
وذهب بعض المفسرين إلى أن الأولية زمانية بالنسبة إلى وضع البيوت مطلقا. فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين عاما.
قال الأستاذ الإمام -رحمه الله تعالى -: إذا صح الحديث فلا شيء في العقل يحيله، ولكن الآية لا تدل عليه ولا يتوقف الاحتجاج بها على ثبوته، وبيت المقدس المعروف الذي ينصرف إليه الإطلاق قد بناه سليمان بالاتفاق، وذلك قبل ميلاد المسيح بنحو 800 سنة - كذا قالرحمه الله تعالى في الدرس.
والمعروف في كتب القوم أنه تم بناؤه سنة 1005 قبل الميلاد، والحديث الذي ذكر آنفا في بناء المسجدين رواه الشيخان من حديث أبي ذر بلفظ الوضع لا البناء. قال:
"سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أول بيت وضع للناس فقال: المسجد الحرام ثم بيت المقدس، فقيل: كم بينهما؟ فقال: أربعون سنة" وأجابوا عما فيه من الإشكال بوجوه منها:
أن الوضع غير البناء وهو ضعيف؛ لأنه سماه بيتا ولو جعل المكان مسجدا ولم يبن فيه لما سمي بيتا بل مسجدا أو قبلة.
ومنها: أن ذلك مبني على القول بأن إبراهيم هو الذي بنى أول مسجد للعبادة في أرض بيت المقدس، وذلك معقول وإن لم يكن عندنا فيه نص صحيح.
وقال ابن القيم: إن الذي أسس بيت المقدس يعقوب وإنما كان سليمان مجددا له. هذا وإن أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين يتبع، والموضوعات المروية في بناء الكعبة كثيرة ولا حاجة إلى إضاعة الوقت في ذكرها وبيان وضعها.
أما قوله - تعالى - في البيت: {باركا وهدى للعالمين} فهو بيان لحاله الحسنة الحسية وحاله الشريفة المعنوية، أما الأولى: فهي ما أفيض عليه من بركات الأرض وثمرات كل شيء على كونه بواد غير ذي زرع، فترى الأقوات والثمار في مكة أكثر وأجود وأقل ثمنا منها في مثل مصر وكثير من بلاد الشام.
وأما الثانية: فهي هوى أفئدة الناس إليه وإتيانه للحج والعمرة مشاة وركبانا من كل فج، وتولية وجوههم شطره في الصلاة، ولعله لا تمر ساعة ولا دقيقة من ليل أو نهار وليس فيها أناس متوجهون إلى ذلك البيت الحرام يصلون. فأي هداية للعالمين أظهر من هذه الهداية.
تلك دعوة إبراهيم
{ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } [إبراهيم: 37] وقد أشير إلى الوصفين في قوله - تعالى - حكاية عن المشركين: { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } [القصص: 57] وقال بعضهم: إن مباركا يشمل البركات الحسية والمعنوية، وما اخترناه هو المتبادر.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن " بكة " اسم لمكة كما روي عن مجاهد، قيل: وعليه الأكثرون، وجعلوه من إبدال الميم باء، وهو كثير في كلامهم، كسمد رأسه وسبده، وضربة لازم وضربة لازب، وراتم وراتب، ونميط ونبيط وقيل: بكة اسم المسجد نفسه، أو حيث الطواف من التباك، أي الازدحام. وقيل: هو اسم بطن مكة حيث الحرم.
فيه آيات بينات مقام إبراهيم أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد، أحدها أو منها: مقام إبراهيم، أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة، تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر. فأي دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أول بيت من بيوت العبادة الصحيحة المعروفة في ذلك العهد، وضع ليعبد الناس فيه ربهم؟ وإبراهيم أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم بجعل النبوة والملك فيهم لا يعرف لنبي قبله أثر ولا يحفظ له نسب.
وقوله: ومن دخله كان آمنا آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد، وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله، حتى إن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم ما دام فيه. مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات، وكثرة ما بينهما من الأحقاد والأضغان، وأقره الإسلام.
ويرد على إقرار الإسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف، وأجيب عنه: بأنها حلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده، كما ورد في الحديث، وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له. وأقول: إن حرمة مكة كلها وما يتبعها من ضواحيها وحلها للنبي لم يستحل البيت ساعة من نهار أمر زائد على ما نحن فيه، وهو أمن من دخل البيت.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستحل البيت ساعة ولا بعض ساعة، وإنما كان مناديه ينادي بأمره
"من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ولما أخبر أبو سفيان النبي - صلى الله عليه وسلم - بقول سعد بن عبادة حامل لواء الأنصار له في الطريق: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، قال - صلى الله عليه وسلم -: كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة" (راجع السير).
وأما فعل الحجاج - أخزاه الله - فقد قال الأستاذ الإمام: إنه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه وتأمين من دخله، وهذا الجواب مبني على أن أمن من دخل البيت ليس معناه أن البشر يعجزون عن الإيقاع به عجزا طبيعيا على سبيل خرق العادة، وإنما معناه أنه - تعالى - ألهمهم احترامه لاعتقادهم نسبته إليه - عز وجل -، وحرم الإلحاد والاعتداء فيه. ولم يكن الحجاج وجنده يعتقدون حل ما فعلوا من رمي الكعبة بالمنجنيق، ولكنها السياسة تحمل صاحبها على مخالفة الاعتقاد، وتوقعه في الظلم والإلحاد.
وإن ما يفعل الآن في الحرم من الظلم والإلحاد المستمر لم يسبق له نظير في جاهلية ولا إسلام. ولا ضرورة ملجئة إليه، وإنما هي السياسة السوءى قضت بتنفير الناس من أمراء مكة وشرفائها وإبعاد عقلاء المسلمين عنها، حتى لا يكون للمسلمين فيها قوة في الدين، ولا في العلم والرأي!! وماذا يكون من ضرر هذه القوة؟ يوسوس لهم شيطان السياسة أن عمران الحجاز وثقة الناس بأمرائه وشرفائه، وأمن العقلاء والسروات فيه ربما يكون سببا في إنشاء خلافة عربية فيه.
إن كثيرا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحج عقبات سياسية لا يسهل اقتحامها، وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن. وقد كان الأستاذ الإمام يعتقد اعتقادا جازما فيه أنه إذا حج يلقي بيديه إلى التهلكة، وأنه لا أمان له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء. وإن كاتب هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد، فنسأل الله - تعالى - أن يحقق لنا ثانية مضمون قوله: ومن دخله كان آمنا لنمتثل ما فرضه علينا من حج هذا البيت - كما يأتي في تتمة الآية - فلا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال: إن المراد به الأمن من العذاب يوم القيامة.
وقد رد الأستاذ الإمام هذا التأويل وقال ما معناه: إنه هدم للدين كله، فإن الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح، الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر الله - تعالى -، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الإيمان، إذا أخلص صاحبه فيه. أقول: ولا تنس في هذا المقام مثل قوله - تعالى -:
{ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } [الأنعام: 82] وما رووه في ذلك من الآثار لا ينافي المتبادر المختار. وما أظن أن ذلك يصح عن الإمام جعفر الصادق كما قيل.
أما قوله - تعالى -: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت جاءت بصيغة الإيجاب والفرضية في معرض ذكر مزاياه ودلائل كونه أول بيوت العبادة المعروفة للمعترضين من اليهود على استقباله في الصلاة، فهو يفيد بمقتضى السياق معنى خبريا وبمقتضى الصيغة معنى إنشائيا وهو وجوب الحج على المستطيع من هذه الأمة.
أشار إلى ذلك الأستاذ الإمام بقوله: هذه الجملة - وإن جاءت بصيغة الإيجاب - هي واردة في معرض تعظيم البيت. وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه؟ وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد - صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم -، ولم يمنع العرب عن ذلك شركها وإنما كانوا يحجون عملا بسنة إبراهيم، يعني أن الحج عمل عام جروا عليه جيلا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم، وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم، فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق والكذب، وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب، وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم.
أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد - وهو بكسر الحاء - وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم - وفتحها - وبه قرأ الباقون. وقيل: الفتح لغة الحجاز والكسر لغة نجد. وقد تقدم تفصيل أعماله في تفسير آيات سورة البقرة.
وأما استطاعة السبيل: فهي عبارة عن القدرة على الوصول إليه، وهي تختلف باختلاف الناس في أنفسهم وفي بعدهم عن البيت وقربهم منه، وكل مكلف أعلم بنفسه - وإن كان عاميا - من غيره وإن كان عالما نحريرا، وما زاد الناس اختلاف العلماء في تفسير الاستطاعة إلا بعدا عن حقيقتها الواضحة من الآية أتم الوضوح؛ إذ قال بعضهم: إن الاستطاعة صحة البدن والقدرة على المشي، وقال بعضهم: إنها القدرة على الزاد والراحلة، واشترطوا فيها أمن الطريق ولم يشترطوا الأمن في أرض الحرم، لأنها كانت آمنة قطعا، وأما في هذا الزمان فما كل أحد يأمن فيها ولا سيما إذا كان متهما بالاشتغال بالسياسة. وكيف وقد ألقي بعض علمائها في ظلمة السجن مكبلا بالسلاسل والأغلال، ولا ذنب له إلا أنه ألف كتابا أيد فيه التوحيد وبين فساد ما طرأ على الناس من نزعات الوثنية التي يعبرون عنها بالتوسل بالأولياء؟
فيا ليت شعري لو كان مثل الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني الذي كان ينكر كرامات الأولياء حيا، أكان يأمن على نفسه إذا أراد الحج، وهو المعدود في عصر العلم من أئمة علماء السنة في أصول الدين؟
وقل مثل هذا في الإمام أبي بكر الباقلاني الذي كان يقول في الأرواح بمثل ما يقول جمهور علماء أوربا اليوم من ماديين وغيرهم، دع الفرق التي وسمت بالابتداع كالمعتزلة والخوارج والشيعة، ولم يكن أهل السنة يكفرون أحدا منهم ولا يعاقبونه على مخالفة الجمهور في بعض الآراء أيام كان قرب جمهور المسلمين من العلم والدين كبعدهم عنه اليوم.
وقال الأستاذ الإمام في قوله - تعالى -: {من استطاع إليه سبيلا} إنه بيان لموقع الإيجاب ومحله، وإعلام بأن الفرضية موجهة أولا وبالذات إلى هذا العمل، ولكن الله رحم من لا يستطيع إليه سبيلا، والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص ولم يزد على ذلك.
وقوله - تعالى -: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} تأكيد لما سبق ووعيد على جحوده، وبيان لتنزيه الله - تعالى - بإزالة ما عساه يسبق إلى أوهام الضعفاء عند سماع نسبة البيت إلى الله، والعلم بفرضه على الناس أن يحجوه من كونه محتاجا إلى ذلك. فالمراد بالكفر: جحود كون هذا البيت أول بيت وضعه إبراهيم للعبادة الصحيحة بعد إقامة الحجج على ذلك، وعدم الإذعان لما فرض الله من حجه والتوجه إليه بالعبادة. هذا هو المتبادر.
وحمله بعضهم على الكفر مطلقا على أنه كلام مستقل لا متمم لما قبله، وهو بعيد جدا، وبعضهم على ترك الحج، وهو بعيد أيضا وإن دعموه بحديث أبي هريرة مرفوعا:
"من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا" رواه ابن عدي. وحديث أبي أمامة عند الدارمي والبيهقي: من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا ورواه غيرهم باختلاف في اللفظ. والروايات كلها ضعيفة إلا ما قيل في رواية موقوفة، بل عده ابن الجوزي من الموضوعات، واعترض عليه لكثرة طرقه، وأمثل طرقه المرفوعة ما روي عن علي - كرم الله وجهه - بلفظ: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا؛ وذلك لأن الله - تعالى - قال في كتابه: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} الآية. رواه الترمذي.
وقال: غريب في إسناده مقال، والحارث يضعف. وهلال بن عبد الله الراوي له عن أبي إسحاق مجهول. وقد قال بعضهم: إن تعدد طرق الحديث ترتقي به إلى درجة الحسن لغيره كما يقولون في مثله، ولا يقدح في ذلك قول العقيلي والدارقطني: لا يصح في هذا الباب شيء؛ إذ لا ندعي أن هنا شيئا صحيحا، وأشد من ذلك أثر عمر عند سعيد بن منصور في سننه قال: " لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جدة فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين ".
واستدل بهذه الروايات على أن الحج واجب على الفور، وبه قال كثير من أهل الفقه والأثر، والآخرون يقولون: إنه على التراخي. والاحتياط ألا يؤخر المستطيع الحج بغير عذر صحيح لئلا يفاجئه الموت قبل ذلك.
أقول: إن الآية تشتمل على مزايا وآيات لبيت الله الحرام. فالمزايا كونه أول مسجد وضع للناس، وكونه مباركا، وكونه هدى للعالمين. والآيات: مقام إبراهيم وأمن داخله، والحج إليه على ما بينا. ويذكر له المفسرون هنا خصائص ومزايا يعدونها من الآيات على تقدير " منها مقام إبراهيم " ومنهم من قال: إنها هي الآيات وإن قوله: مقام إبراهيم كلام مستقل.
قال الرازي: فكأنه قال: فيه آيات بينات، ومع ذلك هو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه. اهـ. ولعل الدافع لهم إلى هذا فهمهم أن مقام إبراهيم تفسير للآيات وهو مفرد، وقد علمت أن ما بعده تابع له في ذلك. ومما يؤيد ذلك: محاولة الآخرين أن يجعلوا مقام إبراهيم بمنزلة عدة آيات. قال الرازي: إن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية؛ لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء - عليهم السلام - آية خاصة لإبراهيم - عليه السلام -، وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين ألوف السنين آية. فثبت أن مقام إبراهيم - عليه السلام - آيات كثيرة. اهـ.
أقول وقد تقدم في تفسير:
{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125] أن بعضهم يقول: إن مقامه عبارة عن موقفه حيث ذلك الأثر للقدمين وإن هذا ضعيف. والكلام هنا في أن مقام إبراهيم مشتمل على ما ذكر من الأثر وهذا هو الصحيح، أما الأثر نفسه فقد كانت العرب تعتقد أنه قدمي إبراهيم، كما قال أبو طالب في لاميته:

وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل

وقد يؤخذ من قوله: " رطبة " أن الصخرة كانت عندما وطئ عليها رطبة لم تتحجر ثم تحجرت بعد ذلك وبقي أثر قدميه فيها؛ وعلى هذا لا يظهر معنى كونه آية إلا على الوجه الذي جرينا عليه في تفسير آيات بينات دون ما جرى عليه الجمهور من كون الآيات بمعنى الخوارق الكونية، وقد يكون مراده أنها كانت رطبة.
كرامة له (وهو ما جرينا عليه في تفسير القصيدة في المنار - 465 م 9) وقال بعضهم: إن مقام مصدر بمعنى الجمع، والمراد مقامات إبراهيم، أي ما قام به من المناسك وأعمال الحج والمتبادر ما ذكرناه في موضعه.
ومما عدوه من الآيات: قصم من يقصده من الجبابرة بسوء كأصحاب الفيل، ويرد عليهم ما كان من الحجاج ومن هم شر من الحجاج في هذا الزمان، وعدم تعرض ضواري السباع للصيود فيه، وهذا القول ظاهر الضعف إذ ليس ذلك آية. وعدم نفرة الطير من الناس هناك، ويرد عليه أن الطير تألف الناس لعدم تعرضهم لها، ولذلك نظائره في الأرض. وانحراف الطير عن موازاته وليس بمتحقق. وكون وقوع الغيث فيه دليلا على الخصب، فإذا عمه كان الخصب عاما وإذا وقع في جهة من جهاته كان الخصب في تلك الجهة من الأرض، وهي آية وهمية.
ولعمري إن بيت الله غني عن اختراع الآيات وإلصاقها به مع براءته، فحسبه شرفا كونه حرما آمنا ومثابة للناس وأمنا ومباركا هدى للعالمين، وما فيه من الآيات التي ذكرها الله وإقسامه - تعالى - به وما ورد عن رسوله في حرمته وتحريمه وفضله، ككونه لا يسفك فيه دم ولا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه - أي لا يقطع نباته - ولا ينفر صيده، ولا تملك لقطته، وكون قصده مكفرا للذنوب ماحيا للخطايا، وكون العبادة التي تؤدى فيه لا تؤدى في غيره، وكون استلام الحجر الأسود فيه رمزا إلى مبايعة الله - تعالى - على إقامة دينه والإخلاص له فيه، وكون الصلاة فيه بمائة ألف ضعف في غيره. والأحاديث الواردة في ذلك تطلب من الصحيحين وكتب السنن.