التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً
١١٦
إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً
١١٧
لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً
١١٨
وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً
١١٩
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً
١٢٠
أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً
١٢١
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً
١٢٢
-النساء

تفسير المنار

بين الله لنا في الآية التي قبل هذه الآية أن جهنم هي مصير من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين، وكلا هذين الأمرين كان يكون في زمن الرسول ظاهرا جليا بمثل ما فعل طعمة من ترك صحبة النبي والمؤمنين وموالاة أعدائهم من المشركين كما يظهر ذلك في عصره وغير عصره في كل من بلغته دعوته وتبين له الهدى فيها فتركها وعادى أهلها ووالى أعداءهم، فإن مشاقة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشاقة له.
ولكن وراء ذلك أنواعا من الكفر والضلال لا يصدق على كل واحد منها أنه مشاقة للرسول واتباع لغير سبيل المؤمنين، كما بينا ذلك في تفسير تلك الآية وقلنا: إن كل صنف من أصناف الضالين يوليه الله ما تولى، ويوجهه إلى حيث توجه بكسبه واجتهاده ; لأن الله - تعالى - وكل أمر النوع الإنساني إلى نفسه، إلا أن يختص من شاء من الناس برحمة من لدنه.
وبقي علينا أن نعرف ما يجوز أن يغفره الله - تعالى - للناس من أنواع ضلالهم وخطاياهم وما لا يغفره لهم ألبتة، فإن هذا مما يحتاج إليه في هذا المقام فبينه - تعالى - بقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وقد تقدم هذا النص بعينه في سياق آخر من هذه السورة، ولم يمنع ذلك من إعادته هنا ; لأن القرآن ليس قانونا ولا كتابا فنيا فيذكر المسألة مرة واحدة يرجع إليها حافظها عند إرادة العمل بها، وإنما هو كتاب هداية ومثاني يتلى لأجل الاعتبار والاستبصار تارة في الصلاة، وتارة في غير الصلاة، وإنما ترجى الهداية والعبرة بإيراد المعاني التي يراد إيداعها في النفوس في كل سياق يوجه النفوس إليها أو بعدها ويهيئها لقبولها، وإنما يتم ذلك بتكرار المقاصد الأساسية من تلك المعاني، ولا يمكن أن تتمكن دعوة عامة في النفوس إلا بالتكرار ; ولذلك نرى أهل المذاهب الدينية والسياسية الذين عرفوا سنن الاجتماع وطبائع البشر وأخلاقهم يكررون مقاصدهم في خطبهم ومقالاتهم التي ينشرونها في صحفهم وكتبهم، بل قال بعض علماء الاجتماع: إن نشر التجار للإعلانات التي يمدحون بها سلعهم وبضائعهم ويدلون الناس على الأماكن التي تباع فيها هو عمل بهذه القاعدة، فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء ولو من المتهم في مدحه لا بد أن يؤثر فيه.
وقال الأستاذ الإمام: تقدم صدر هذه الآية في هذه السورة وتتمتها هنا:
{ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } [النساء: 48]، وقد تقدمها هنالك إثبات ضلال أهل الكتاب وتحريفهم ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزله الله على نبيه مصدقا لما معهم، فقد بين لهم أن اتباع الرسول فيما جاء به والتسليم له درجات، فمنها ما تغلب النفوس على مخالفته نزوات الشهوة وثورات الغضب ثم يعود صاحبه ويتوب، فهذا مما تناله المغفرة، وأما التوحيد الذي هو أساس الدين فلا يغفر الميل عنه إلى ضرب من ضروب الشرك.
والآيات التي قبل هذه الآية تفيد أن السياق هنا كالسياق هناك فأعادها لذلك المقصد وهو بيان أن مشاقة الرسول ومخالفته إنما تكون بالخروج عن التوحيد والوقوع في الشرك ; لأن التوحيد روح الدين وقوامه، فالمناسبة هنا تقتضي أن يعاد هذا المعنى، وهو إعادة تنادي البلاغة بطلبها ولا تعد من التكرار الذي قالوا: إنه ينافي البلاغة، فإن هذا إنما يتحقق إذا كان المخاطبون قد فهموا منك معنى تمام الفهم كما تريد، ثم ذكرته لهم بعبارة لا تزيدهم فائدة ولا تأثيرا جديدا ولا تمكينا للمعنى وأما ما يفيد شيئا من هذا الذي ذكرناه فهو الذي تقتضيه البلاغة اهـ.
أقول: إن هذا يقال على تقدير كون القرآن يوجه إلى كل فرد من أفراد المكلفين، وأنهم جميعهم يسمعونه ويتلونه كله ويتذكرون عند كل سياق ما يناسبه في غيره، وإذا أنت تذكرت أن الله - تعالى - يعلم أن الأمر لا يكون كذلك، وأنه ربما يسمع هذا السياق الذي جاءت هذه الآية فيه من لم يكن سمع ذلك السياق الذي جاءت فيه الأخرى سواء كان ذلك في الصلاة أو غير الصلاة، فإنك تجزم بأنه لا محل لجعل هذه الآية من التكرار الذي يفرون منه ; لأنه في هذه الحال يكون من قبيل ذكر الشاعر لمعنى من المعاني في قصيدتين يمدح في كل واحدة منهما رجلا غير الذي يمدحه في الأخرى.
وعلى هذا لا يتجه قول جمهور المفسرين الذين اطلعنا على كتبهم: إن هذا التكرار للتأكيد، والتأكيد تكأتهم في تعليل كل تكرار، وإنما نقول هذا على تقدير كون التكرار المحض منتقدا ومخلا بالبلاغة، وقد علمت أنه ليس كذلك، بل هو ركن البلاغة الركين الذي لا يبلغ المتكلم مراده من النفس بدونه.
وأما معنى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فهو ظاهر وتقدم في تفسير الآية السابقة ولا يصدنا ذلك أن نقول فيه شيئا هنا نرجو أن يكون مفيدا: أكد الله للناس أنه لا يغفر لأحد شركه ألبتة، وأنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين ما دون الشرك من الذنوب فلا يعذبهم عليه، وقد بينا في التفسير وفي بعض مباحث المنار أن عقاب الله - تعالى - للمذنبين هو أثر طبيعي لذنوبهم، وما تحدثه من الصفات القبيحة في أنفسهم، فكما أن السكر يحدث في البدن أمراضا يتعذب صاحبها بها في الدنيا يحدث هو وغيره من الشرور والخطايا أمراضا في القلوب والأرواح يتعذب بها صاحبها في الآخرة.
وكما أن قوة البدن وصحة المزاج تغلب بعض جراثيم الأمراض فلا يظهر لها تأثير مؤلم يعذب صاحبه كذلك قوة الروح بالتوحيد وصحة مزاجها بالإيمان، والفضائل تغلب بعض المعاصي التي قد يلم بها المؤمن بجهالة أو نسيان ثم يتوب منها من قريب، ولكن قوة البدن لا تدفع ما يعرض للقلب فيقطع نياطه أو للدماغ فيتلفه، كذلك الشرك يشبه في إفساده للأرواح ما يصيب القلب أو الدماغ من سهم نافذ أو رصاصة قاتلة، فلا مطمع في النجاة من العقاب عليه.
ذلك بأن الشرك في نفسه هو منتهى فساد الأرواح وسفاهة الأنفس وضلال العقول فكل حق أو خير يقارنه لا يقوى على إضعاف شروره ومفاسده.
والعروض إلى جوار الله - تعالى - بروح صاحبه، فإن روحه تكون في الآخرة على ما كانت في الدنيا متعلقة بشركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه - عز وجل -، والله لا يقبل إلا ما كان خالصا له، والمذنب قد يكون في إيمانه وسريرته خالصا لله عبدا له وحده، فالعبد المملوك قد يعصي وقد يأبق فلا العصيان ولا الإباق يخرجانه عن كونه عبدا لسيد واحد، ولسيده أن يعاقبه وأن يعفو عنه، ولا يغفر له أن يجعل نفسه عبدا لغيره لا قنا ولا مبغضا
{ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } [الزمر: 29]، بل هم يجهلون أن شركاءهم الذين استكبروا امتيازهم عليهم بعلم أو عمل غير معتاد كبعض الأنبياء والأولياء والملوك، كل هؤلاء عبيد أمثالهم لا ينبغي أن يكون لهم شركة ما في مقام العبادة لا بدعاء ولا نداء.
وكذلك ما استكبروا خلقه أو نفعه أو ضره كالكواكب والنار وبعض الأنهار والحيوانات
{ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } [الأعراف: 194]، { أولئك الذين يدعون } [الإسراء: 57]، أي يدعونهم ويتوسلون بهم هم { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } [الإسراء: 57]، التي تقربهم إليه زلفى وهي التوحيد والإخلاص والعمل الصالح { أيهم أقرب } [الإسراء: 57] أي: أقربهم وأعلاهم منزلة كالملائكة، والمسيح يبتغي هذه الوسيلة إليه - عز وجل - { ويرجون رحمته ويخافون عذابه } [الإسراء: 57]، وإن أعرفهم به أشدهم خوفا منه ورجاء في فضله ورحمته.
ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك كما قال - عز وجل -، فتجد الملايين منهم يدعون المسيح ويوجهون كل عبادتهم إليه وحده تارة، ويذكرون اسم الله مع اسمه تارة أخرى، وتجد ملايين من دونهم يدعون وينادون من دون المسيح من الأولياء، ويصمدون إلى قبورهم أو إلى الصور والتماثيل التي اتخذها قدماء المفتونين بهم تذكارا لهم، وإنني أكتب هذا في ضواحي مدينة " دهلي " من أعظم مدن الهند وأنا أرى أصنافا من هؤلاء المشركين يجولون أمامي في مصالحهم
{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } [الزخرف: 9]، وإنما هؤلاء المعبودات أو الأولياء وسائط بيننا وبينه وشفعاء { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [يونس: 18].
ولكن الله - تعالى - لا يقبل العبادة إلا خالصة لوجهه من كل شائبة
{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار } [الزمر: 2، 3].
ومن الناس من يسمون أنفسهم موحدين، وهم يفعلون مثلما يفعل جميع المشركين ولكنهم يفسدون في اللغة كما يفسدون في الدين، فلا يسمون أعمالهم هذه عبادة، وقد يسمونها توسلا أو شفاعة، ولا يسمون من يدعونهم من دون الله أو مع الله شركاء، ولكن لا يأبون أن يسموهم أولياء وشفعاء، وإنما الحساب والجزاء على الحقائق لا على الأسماء، ولو لم يكن منهم إلا دعاء غير الله ونداؤه لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكفى ذلك عبادة له هو وشركاه بالله - عز وجل -، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"الدعاء هو العبادة" رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وفي رواية ضعيفة "الدعاء مخ العبادة" والأولى تفقد حصر العبادة الحقيقية في الدعاء، وهو حصر على سبيل المبالغة كأن ما عدا الدعاء لا يعد بالنسبة إليه.
وقد قالوا: إن هذا الحديث من قبيل حديث:
"الحج عرفة" أي: هو الركن الأهم الذي لا يعتد بغيره عند تركه، ومن تأمل تعبير الكتاب العزيز عن العبادة بالدعاء في أكثر الآيات الواردة في ذلك وهي كثيرة جدا يعلم كما يعلم من اختبر أحوال البشر في عباداتهم أن الدعاء هو العبادة الحقيقية الفطرية التي يثيرها الاعتقاد الراسخ من أعماق النفس ولا سيما عند الشدة، وأن ما عدا الدعاء من العبادات في جميع الأديان فكله أو جله تعليمي تكليفي يفعل بالتكلف والقدوة، وقد يكون في الغالب خاليا من الشعور الذي به يكون القول أو العمل عبادة وهو الشعور بالسلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العادية.
حتى إن الأدعية التعليمية في جميع الأديان قد تكون خالية من معنى العبادة وروحها الذي ذكرناه، سواء دعي بها الله وحده أو دعي بها غيره معه أو وحده، ولا سيما الأدعية الراتبة في الصلوات الموقوتة أو في غير الصلوات، فإن الحافظ لها يحرك بها لسانه في الوقت المعين وقلبه مشغول بشيء آخر.
إنما العبادة جد العبادة في الدعاء الذي يفيض على اللسان من سويداء القلب وقرارة النفس، عند وقوع الخطب وشدة الكرب، والشعور بشدة الحاجة إلى الشيء، واستعصاء الوسائل إليه، وتقطع الأسباب دونه، ذلك الدعاء الذي تسمعه من أصحاب الحاجات، وذوي الكربات عند حدوث الملمات، وفي هياكل العبادات، ولدى قبور الأموات، ذلك الدعاء الخالص الذي يغشاه جلال الإخلاص، ويمثل كل حرف من حروفه معنى الخشوع التام.
وناهيك بما يفجره هذا الخشوع من ينابيع الدموع، ذلك الدعاء الذي يستغله سدنة الهياكل ويستثمره خدمة المقابر، ويضن به ويدافع عنه رؤساء الأديان ; لأنه أشد أركان رياستهم على العوام، ومنهم من يضن به ; لأنه لا يرى لجمهور الجاهلين غنى عنه، ولا يرى في حيز الإمكان استبدال التوحيد به، على أن الموحدين أعلى إخلاصا، وأشد حبا لله وخشوعا
{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله } [البقرة: 165]. {ومن يشرك بالله} أي: ومن يشرك بالله أحدا أو شيئا فيدعه معه، ويذكر اسمه مع اسمه، أو يدعه من دونه، ملاحظا في دعائه أنه يقربه إليه زلفى، أو غير ملاحظ ذلك ولا متذكر له، وإن كان بحيث لو ذكر به لذكره.
وهذا النوع من الشرك في العبادة الذي يتجلى في الدعاء هو أقواها؛ لأن الاعتقاد فيه يكون وجدانيا حاكما على النفس مستعبدا لها، ودونه الشرك المبني على الفكر والنظر الذي يحاجك صاحبه بالشبهات المشهورة المنتزعة من تشبيه الخالق بالمخلوقين وقياسه على الملوك الظالمين، كقولهم: إن الإنسان المذنب الخاطئ والضعيف المقصر لا يليق به أن يخاطب الإله العظيم كفاحا ولا أن يدعوه مباشرة، بل عليه أن يتخذ له وليا يكون واسطة بينه وبينه، كما يتخذ آحاد الرعية الوسائط إلى الملوك والأمراء من المقربين إليهم.
وقد يكون صاحب هذه العقيدة النظرية مقلدا فيها بالرأي والقول الذي يسميه حجة ودليلا سليم الوجدان من تأثيرها لعدم التقليد فيها بتكرار العمل فهو لا يلابسه إلا قليلا، وكذلك من يشرك في ربوبية الله - تعالى - باتخاذ بعض المخلوقين شارعين يحلون له ما يرون تحليله، ويحرمون عليه ما يرون تحريمه، فيتبعهم في ذلك من يشرك بالله أي نوع من أنواع الشرك.
{فقد ضل} عن القصد، وتنكب سبيل الرشد {ضلالا بعيدا} عن صراط الهداية، موغلا في مهامه الغواية؛ لأنه ضلال يفسد العقل ويدسي النفس فيخضع صاحبه ويستخذي لعبد مثله، ويخشع ويضرع أمام مخلوق يحاكيه أو يزيد عليه في عجزه فيطيع من لا يطاع، ويرجو ولا موضع للرجاء، ويخاف ولا موطن للخوف، ويكون عبدا للأوهام، عرضة للخرافات، لا استقلال لعقله في إدراكه، ولا لإرادته في عمله، بل يكون عقله ورأيه وإرادته في تصرف بعض المخلوقات التي لا تملك له ولا لأنفسها نفعا ولا ضرا، ولا هداية ولا غواية قل إني لا أملك لكم ضرا، ولا نفعا، ولا غواية ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته.
فهذا أعلى وأعظم ما أعطاه الله - تعالى - للمصطفين الأخيار من عباده، وميزهم به على سائر عباده، وهو تبليغ رسالته، والدعوة إلى دينه، من غير أن يكونوا مسيطرين ولا جبارين، ولا آلهة أو أربابا معبودين
{ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } [الكهف: 110].
فعلم من هذا ومما بيناه من قبل في مثل هذا البحث أن سبب عدم مغفرة الله للشرك مع جواز غفران غيره يؤخذ من قاعدتين:
الأولى: أن الجزاء في الآخرة هو بسلامة الأرواح وسعادتها أو هلاكها وشقاوتها، هو تابع لما تكون عليه في الدنيا من سلامة الفطرة وصحة العقيدة، ودرجة الفضيلة التي يلازمها فعل الخيرات، وعمل الصالحات، أو فساد الفطرة، وخطأ العقيدة، والتدنس بالرذيلة.
الثانية: أن لما يكون الناس عليه من الأمرين درجات ودركات، أسفلها وأخسها الشرك، وأعلاها كمال التوحيد، ولكل منهما صفات وأعمال تناسبهما، فلو جاز أن يغفر الشرك فتكون روح صاحبه مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، تجول مع الملائكة المقربين في عليين، لكان ذلك نقضا أو تبديلا لسنة الله - تعالى - في خلق الناس التي ترتب عليها أن يكون منهم شقي وسعيد، فريق في الجنة وفريق في السعير، بعضهم فوق بعض بطبعه وصفاته الروحية كما يكون الأخف من الغازات والمائعات فوق الأثقل بطبعه، سنة الله التي لا تبديل لها ولا تغيير.
ثم بين - تعالى - بعض أحوال المشركين فقال: {إن يدعون من دونه إلا إناثا}، أي: إنهم لا يدعون من دون الله لقضاء حوائجهم وتفريج كروبهم، إلا إناثا كاللات والعزى ومناة، وكان لكل قبيلة صنم يسمونه أنثى بني فلان، أو المراد أسماء معبودات وآلهة ليس لها من حقيقة معنى الألوهية شيء كما قال في سورة أخرى:
{ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } [يوسف: 40]، أي: أسماء مؤنثة في الغالب، أو المراد معبودات ضعيفة أو عاجزة كالإناث لا تدفع عدوا ولا تدرك ثأرا.
كما وصفها في موضع آخر بأنها لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، وكانت العرب تصف الضعيف بالأنوثة لما ذكرنا من ضعف المرأة بل ضعف جميع إناث الحيوان عن الذكور، حتى قالوا للحديد اللين أنيث.
ورجح الراغب وغيره أن وجه تسمية معبوداتهم إناثا هو كونها جمادات منفعلة لا فعل لها كالحيوان الذي هو فاعل منفعل، كما وصفت في غير هذا الموضع بكونها لا تسمع ولا تبصر، وليس لها أيد تبطش بها ولا أرجل تمشي بها.
كأنه يذكرهم بهذا النوع من الأدلة على بطلان ألوهيتها بما ارتكبوه من العار والخزي بعبادة ما كان هذا وصفه.
وقد استبعد الأستاذ الإمام تفسير الإناث بالأصنام المذكورة كما استبعد تفسيره بالملائكة لأنهم سموهم بنات الله، وقال: إن كثيرا من المفسرين قالوا: إن المراد بالإناث هنا الموتى؛ لأن العرب تطلق عليهم لفظ الإناث لضعفهم أو يقال لعجزهم ومع ذلك كانوا يعظمون بعض الموتى ويدعونها كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب ومسلمي هذه القرون، وهذا هو الذي اختاره الأستاذ وقال: إن المراد بالدعاء ذلك التوجه المخصوص بطلب المعونة لهيبة غيبية لا يعقل الإنسان معناها.
{وإن يدعون إلا شيطانا مريدا}، أي: وما يدعون بدعوتها إلا شيطانا مريدا، قالوا: الشيطان يطلق على العارم الخبيث من الجن والإنس.
والمريد والمارد المتعري من الخيرات من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق، ومنه رملة مرداء لم تنبت شيئا، أو هو من مرد على الشيء إذا مرن عليه حتى صار يأتيه بغير تكلف، ومنه قوله - تعالى -:
{ ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } [التوبة: 101]، أي: شيطانا مرد على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة، ثم وصفه وصفا آخر فقال: {لعنه الله}، واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد مع السخط والإهانة والخزي، أي: أبعده الله عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته.
أي: أنهم ما يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان بما يوسوس في صدره ويعده ويمنيه كما بينه قوله - تعالى -: {وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا} إلخ، النصيب: الحصة والسهم من الشيء، وهو ليس نصا في قلة ولا كثرة، وقد يتبادر منه القلة.
والمفروض: المعين وأصله من الفرض والحز في الخشبة كما بيناه في أوائل السورة، ومنه الفرض في العطاء ويحتمل أن يكون هذا النصيب طائفة الذين يضلهم ويغويهم ويزين لهم الشرك والمعاصي، وأن يكون حظه من نفس كل فرد من أفراد الناس، وهو الاستعداد الفطري للباطل والشر المقابل للاستعداد الفطري للحق والخير وهو المختار.
قال الأستاذ الإمام: النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله - تعالى -:
{ وهديناه النجدين } [البلد: 10]، فهذا هو عون الشيطان على الإنسان، وهو عام في الناس حتى المعصومين، ولكن أخبرنا الله - تعالى - أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، فإذا هو زين لهم شيئا لا يغلبهم على عمله، فما من إنسان إلا ويشعر من نفسه بوسوسة الشيطان، فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها أو الرياء في العبادة اهـ، أقول: وقد ورد في القرآن والحديث الصحيح ما يؤيد هذا، وسنذكره إن شاء الله - تعالى - في موضع آخر من التفسير.
وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ - جل وعلا - هو من الأقوال التكوينية أي التي يعبر بها عن تكوين العالم وما خلقه الله عليه كقوله - تعالى -:
{ ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } [فصلت: 11]، فقوله - تعالى - هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء { كن فيكون } [يس: 82]، وقولهما { أتينا طائعين } [فصلت: 11]، تكويني أيضا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد الله - تعالى - أن توجدا عليه، كما يجيب العبد العاقل نداء مولاه.
والمعنى أن الشيطان خلق هكذا فدعاؤه دعاء متمرد على الحق بعيد عن الخير، مغرى بإغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم.
{ولأضلنهم ولأمنينهم} أي: لأتخذن منهم نصيبا ولأضلنهم عن الحق ولأشغلنهم بالأماني الباطلة، أي: هذا شأنه ومقتضى طبعه.
والأماني جمع أمنية، قال الراغب: وهي الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء، يقال: تمنى الشيء إذا أحب أن يكون له وإن لم يتخذ له أسبابه، كما يتمنى المقامر الثروة بالمقامرة وهي ليست سببا طبيعيا للغنى بل ليست من الكسب المعتاد، والمعنى الأصلي لهذه المادة التقدير، يقال: منى لك الماني أي: قدر لك المقدر، والمصدر المنى بالفتح.
قال الراغب: ومنه المنا الذي يوزن به فيما قيل، وأقول: الأجدر بهذا أن يكون هو الأصل على المذهب المعروف في كون الأشياء الجامدة والمدركة بالحواس هي أصل للأشياء المعنوية، والتمني تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وقد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن روية وبناء على أصل، ولما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثره تصور ما لا حقيقة له كما قال الراغب.
وقال الأستاذ الإمام: إن إضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة، بمعنى أنه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وأما التمنية فهي في الأعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو الله ورحمته ومغفرته.
{ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل، فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي: طلاقا بائنا، والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش، وبتكت الشعر تناولت بتكة منه، وهي - بالكسر - القطعة المنجذبة جمعها بتك قال الشاعر:

طارت وفي يده من ريشها بتك

والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقا واسعا ويتركون الحمل عليها، وكان هذا من أسخف أعمالهم الوثنية وسفه عقولهم، قال الأستاذ الإمام: ولهذا خصه بالذكر وإن كان داخلا فيما قبله.
{ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} تغيير خلق الله وسوء التصرف فيه عام يشمل التغيير الحسي كالخصاء، وقد رووا تفسيره بالخصاء عن ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهما - فليعتبر به من يطعنون في الإسلام نفسه باتخاذ ملوك المسلمين وأمرائهم للخصيان، ويظنون أن خصيهم جائز في هذا الدين - ويشمل سائر أنواع التشويه والتمثيل بالناس الذي حرمه الشرع، وإذا كان قد حرم تبتيك آذان الأنعام فكيف لا يحرم سمل أعين الناس وصلم آذانهم وجدع أنوفهم وما أشبه ذلك مما كان يفعله بعض الملوك والأمراء الظالمين بغير حق ولا حجة، ويشمل التغيير المعنوي.
وقد روى ابن عباس وغيره أن المراد هنا بخلق الله دينه؛ لأنه دين الفطرة وهي الخلقة، قال - تعالى -:
{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } [الروم: 30].
وروى أيضا تفسير تغيير خلق الله بوشم الأبدان ووشر الأسنان، وكل منهما يقصد به الزينة، وفي الحديث:
"لعن الله الواشمة والمستوشمة" ولعل سبب التشديد فيه إفراطهم فيه حتى يصل إلى درجة التشويه بجعل معظم البدن ولا سيما الظاهر منه كالوجه واليدين أزرق بهذا النقش القبيح وكان الناس ولا يزالون يجعلون منه صورا للمعبودات وغيرها كما يرسم النصارى به الصليب على أيديهم وصدورهم.
وأما وشر الأسنان بتحديدها وأخذ قليل من طولها إذا كانت فلا يظهر فيه معنى التغيير المشوه، بل هو إلى تقليم الأظافر وتقصير الشعر أقرب، ولولا أن الشعر والأظافر تطول دائما ولا تطول الأسنان لما كان ثم فرق، وجملة القول أن التغيير الصوري الذي يجدر بالذم يعد من إغراء الشيطان هو ما كان فيه تشويه، وإلا لما كان من السنة الختان والخضاب وتقليم الأظافر.
الأستاذ الإمام: جرى قليل من المفسرين على أن المراد بتغيير خلق الله تغيير دينه، وذهب بعضهم إلى أنه التغيير الحسي، وبعضهم إلى أنه التغيير المعنوي، وبعضهم إلى ما يشملهما، وقال كثير منهم: إن المراد تغيير الفطرة الإنسانية بتحويل النفس عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه، وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس، اهـ.
أقول: إن هذا القول هو بمعنى القول بأن المراد تغيير الدين؛ لأن من قالوا إنه تغيير الدين استدلوا بالآية {فأقم وجهك للدين} كما ذكرنا ذلك آنفا، والدين الفطري الذي هو من خلق الله وآثار قدرته ليس هو مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل - عليهم السلام -، فإن هذه الأحكام من كلام الله الذي أوحاه إليهم ليبلغوه ويبينوه للناس، لا مما خلقه في أنفس الناس وفطرهم عليه، وقد بينا الدين الفطري في غير هذا الموضع، ومعنى كون الإسلام دين الفطرة، وحديث:
"كل مولود يولد على الفطرة" .
وقد أشار الأستاذ الإمام إلى ذلك بما نقلناه عنه آنفا من كون الإنسان فطر على طلب الحق والاستدلال والأخذ بما يظهر له بالدليل أنه الحق أو الخير إن لم يكن ظاهرا بالبداهة، ومن أصول الدين وأسسه الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهي إليها الأسباب وتقف دون اكتناه حقيقتها العقول، أي: لمصدر هذه السلطة والتصرف في الكائنات كلها وهو الله - عز وجل -.
وكان أكبر وأشد مفسدات الفطرة حصر تلك السلطة العليا في بعض المخلوقات التي يستكبرها الإنسان ويعيا في فهم حقيقتها بادي الرأي وإن كان فهمها وعلمها ممكنا في نفسه لو جاءه طالبه من طريقه، وهذا هو أصل الشرك وقد بيناه آنفا في تفسير
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به } [النساء: 48]، وفي مواضع أخرى، ويتلو هذا الفساد والإفساد التقليد الذي يمده ويؤيده، ويحول بين العقول التي كمل الله بها فطرة البشر وبين عملها الذي خلقت لأجله، وهو النظر والاستدلال لأجل التوصل إلى معرفة الحق والخير، وترجيح الحق والخير متى تبينا له على ما يقابلهما.
{ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا}، أي: من يتخذ الشيطان وليا له وتلك حاله في التمرد والبعد من أسباب رحمة الله وفضله وإغوائه للناس وتزيينه لهم الشرور وسوء التصرف في فطرة الله وتشويه خلقه، بأن يواليه ويتبع وسوسته فقد خسر خسرانا بينا ظاهرا في معاشه ومعاده؛ إذ يكون أسير الأوهام والخرافات، يتخبط في عمله على غير هدى فيفوته الانتفاع التام بما وهبه الله من العقل وسائر القوى والمواهب.
{يعدهم ويمنيهم} قال تعالى في سورة البقرة:
{ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } [البقرة: 268]، أي: يعد الناس الفقر إذا هم أنفقوا شيئا من أموالهم في سبيل الله، وها هنا حذف مفعول الوعد فهو يشمل الوعد بالفقر ويشمل غيره من وعوده التي يوسوس بها، فإنه إذا كان يعد من يريد التصدق الفقر ويوسوس إليه قائلا: إن مالك ينفد أو يقل فتكون فقيرا ذليلا، فإنه يسلك في الوسوسة إلى من يغريه بالقمار مسلكا آخر فيعده الغنى والثروة، وكذلك يعد من يغريه بالتعصب لمذهبه وإيذاء مخالفه فيه من أهل دينه الجاه والشهرة وبعد الصيت، ويؤيد وعوده الباطلة بالأماني الباطلة يلقيها إليه؛ ولهذا أعاد ذكر الأمنية في مقام بيان خسران من يتخذ الشيطان وليا بعد أن ذكر عن لسان الشيطان قوله: {ولأمنينهم}، ويدخل في وعد الشيطان وتمنيته ما يكون من أوليائه من الإنس، وهم قرناء السوء الذين يزينون للناس الضلال والمعاصي ويعدونهم بالمال والجاه، ويمدونهم في الطغيان.
قال الأستاذ الإمام: لولا وعود الشيطان لما عنى أولياؤه بنشر مذاهبهم الفاسدة وآرائهم وأضاليلهم، التي يبتغون بها الرفعة والجاه والمال، وهؤلاء موجودون في كل زمان ويعرفون بمقاصدهم، وقد دل على هذا ما قبله، ولكنه ذكره ليصل به قوله {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} أي: إلا باطلا يغترون به، ولا يملكون منه ما يحبون، وأقول: فسر بعضهم الغرور بأنه إظهار النفع فيما هو ضار، أي: في الحال أو المآل كشرب الخمر والقمار والزنا وغير ذلك.
{أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا} [النساء: 121] أي: أولئك الذين يعبث بهم الشيطان بوسوسته أو بإغواء دعاة الباطل والشر من أوليائه مأواهم جهنم لا يجدون معدلا عنها يفرون إليه؛ لأنهم منجذبون إليها بطبعهم يتهافتون فيها بأنفسهم، كما يتهافت الفراش في النار.
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا}، هؤلاء عباد الله الذين ليس للشيطان ولا لأوليائه عليهم من سبيل، ذكرهم في مقابلة أولئك الذين يتولون الشيطان ويتبعون إغواءه على سنة القرآن في قرن الوعد بالوعيد {وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا} أي: لا قيل أصدق من قيله، ولا وعد أحق من وعده؛ لأنه هو القادر على أن يعطي كل ما وعد به، وأما الشيطان فهو عاجز عن الوفاء، على أنه لا يطاع لقدرته وإنما يدلي أولياءه بغرور، فوعده باطل وقوله كذب وزور، والقيل بوزن الفعل قلبت واوه ياء لكسر ما قبلها.
وقد جعل الله تعالى وعده الكريم بالجنات والخلود في النعيم لمن يؤمن به لا يشرك به شيئا ويعمل الصالحات التي تغذي الإيمان وترفع النفس، وتقدم مثل هذا مرارا.