التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً
٤٨
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٤٩
ٱنظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً
٥٠
-النساء

تفسير المنار

روى ابن المنذر عن أبي مجلز قال: لما نزل قوله تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } [الزمر: 53]، قام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل فقال: والشرك بالله؟ فسكت ثم قام إليه فقال: يا رسول الله والشرك بالله؟ فسكت مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} وروى ابن جرير نحوه عن ابن عمر، وروى ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري في رجل شكا ابن أخيه للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لا ينتهي عن الحرام، وذكر الفخر الرازي أنها نزلت في وحشي قاتل حمزة ـ رضي الله عنه ـ إذ أراد أن يسلم وخاف ألا يقبل إسلامه، وذكر في ذلك محاورة ومراجعة عزاها إلى ابن عباس، وهي لا تصح فلا حاجة إلى إيرادها.
الأستاذ الإمام: قالوا في سبب نزول هذه الآية قصة وحشي، وأنه ندم على قتله لما أخلفه مولاه ما وعده من عتقه، وراجع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إسلامه، فكأنهم يثبتون أن الله جلت عظمته كان يداعب وحشيا وأصحابه ويستميلهم بآية بعد آية، ولا حاجة إلى هذا كله، فالكلام ملتئم بعضه مع بعض، فهو بعد ما ذكر من شأن اليهود وأن عمدتهم في تكذيب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحريف أحبارهم للكتاب، واتباعهم لهم في أمر الدين كما قال في آية أخرى:
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [التوبة: 31]، وورد في تفسيرها المرفوع أنهم كانوا يتبعونهم في التحليل والتحريم من غير رجوع إلى أصل الكتاب، فهذه الآية تشير إلى أنهم وقعوا في الشرك المشار إليه في الآية الأخرى ; إذ الشرك بالله يتحقق باعتماد الإنسان على غير الله مع الله في طلب النجاة من رزايا الدنيا ومصائبها، أو من العذاب في الآخرة، كما يتحقق بالأخذ بقول بعض الناس في التشريع كالعبادات، والعقائد، والحلال والحرام، وإثبات الشرك لليهود هنا وفي تلك الآية لا ينافي تسميتهم أهل الكتاب الذي يدخل فيه الإيمان بالله والأنبياء، فإنه قال في الآية السابقة: {فلا يؤمنون إلا قليلا} أي: إيمانا لا يعتد به ; إذ لا يقي صاحبه من الشرك.
أقول: قد بينا في مواضع كثيرة من التفسير حقيقة الشرك في الألوهية وهو: الشعور بسلطة وتأثير وراء الأسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى، وكل قول وعمل ينشأ عن ذلك الشعور، والشرك في الربوبية هو: الأخذ بشيء من أحكام الدين والحلال والحرام عن بعض البشر دون الوحي، وهذا النوع من الشرك هو الذي أشار الأستاذ الإمام إلى تفسير النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لآية التوبة به، وهي قوله تعالى في أهل الكتاب كلهم:
{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } [التوبة: 31]، فسر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتخاذهم أربابا بطاعتهم واتباعهم في أحكام الحلال والحرام كما ذكرنا غير مرة، فهذا إثبات لطروء الشرك على أهل الكتاب، وإن لم يجعل ذلك عنوانا لهم في القرآن؛ لأنه ليس من أصل دينهم وليميزهم عن مشركي الوثنيين، وبينا أيضا أن الشرك في الألوهية والربوبية قد سرى منذ قرون كثيرة إلى بعض المسلمين حتى عرفت طوائف منهم بنبذ الإسلام ألبتة كطوائف الباطنية (راجع مباحث الشرك في ص 57، 68 و354 - 360 من جزء التفسير الثاني وفي ص 24، 45، 325، 347 من جزئه الثالث، 82 من جزئه الخامس وفي غير هذه المواضع من التفسير والمنار) وبإثبات الشرك لأهل الكتاب تظهر مناسبة وضع هذه الآية بين هذه الآيات في محاجتهم ودعوتهم إلى الإسلام، كأنه يقول: لا يغرنكم انتماؤكم إلى الكتب والأنبياء، وقد هدمتم أساس دينهم بالشرك الذي لا يغفره الله بحال من الأحوال.
أما الحكمة في عدم مغفرة الشرك، فهي أن الدين إنما شرع لتزكية نفوس الناس وتطهير أرواحهم وترقية عقولهم، والشرك هو منتهى ما تهبط إليه عقول البشر وأفكارهم ونفوسهم، ومنه تتولد جميع الرذائل والخسائس التي تفسد البشر في أفرادهم وجمعياتهم ; لأنه عبارة عن رفعهم لأفراد منهم أو لبعض المخلوقات التي هي دونهم أو مثلهم إلى مرتبة يقدسونها ويخضعون لها ويذلون بدافع الشعور بأنها ذات سلطة عليا فوق سنن الكون وأسبابه، وأن إرضاءها وطاعتها هو عين طاعة الله تعالى، أو شعبة منها لذاتها، فهذه الخلة الدنيئة هي التي كانت سبب استبداد رؤساء الدين والدنيا بالأقوام والأمم واستعبادهم إياهم وتصرفهم في أنفسهم وأموالهم ومصالحهم ومنافعهم تصرف السيد الملك القاهر بالعبد الذليل الحقير، وناهيك بما كان لذلك من الأخلاق السافلة والرذائل الفاشية من الذل والمهانة والدناءة والتملق والكذب والنفاق وغير ذلك.
والتوحيد الذي يناقض الشرك هو عبارة عن إعتاق الإنسان من رق العبودية لكل أحد من البشر، وكل شيء من الأشياء السماوية والأرضية، وجعله حرا كريما عزيزا لا يخضع خضوع عبودية مطلقة إلا لمن خضعت لسننه الكائنات، بما أقامه فيها من النظام في ربط الأسباب بالمسببات، فلسننه الحكيمة يخضع، ولشريعته العادلة المنزلة يتبع، وإنما خضوعه هذا خضوع لعقله ووجدانه، لا لأمثاله في البشرية وأقرانه، وأما طاعته للحكام فهي طاعة للشرع الذي رضيه لنفسه، والنظام الذي يرى فيه مصلحته ومصلحة جنسه، لا تقديسا لسلطة ذاتية لهم، ولا ذلا واستخذاء لأشخاصهم، فإن استقاموا على الشريعة أعانهم، وإن زاغوا عنها استعان بالأمة فقومهم، كما قال الخليفة الأول في خطبته الأولى بعد نصب الأمة له ومبايعتها إياه: " وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني "، فهكذا يجب أن يكون شأن الموحدين مع حكامهم، وهكذا يكونون سعداء في دنياهم بالتوحيد، كما يكونون أشقياء بالشرك الجلي أو الخفي.
وأما سعادة الآخرة وشقاؤها فهو أشد وأبقى، والمدار فيهما على التوحيد والشرك أيضا، إن روح الموحدين تكون راقية عالية لا تهبط بها الذنوب العارضة إلى الحضيض الذي تهوي فيه أرواح المشركين، فمهما عمل المشرك من الصالحات تبقى روحه سافلة مظلمة بالذل والعبودية والخضوع لغير الله تعالى، فلا ترتقي بعملها إلى المستوى الذي تنعم فيه أرواح الموحدين العالية في أجسادهم الشريفة، ومهما أذنب الموحدون، فإن ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم، وظلمتها لا تعم قلوبهم ; لأنهم بتوحيد الله ومعرفته وعز الإيمان ورفعته يغلب خيرهم على شرهم، ولا يطول الأمد وهم في غفلتهم عن ربهم، بل هم كما قال تعالى:
{ إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } [الأعراف: 201]، يسرعون إلى التوبة، وإتباع الحسنة السيئة: { إن الحسنات يذهبن السيئات } [هود: 114]، فإذا ذهب أثر السيئة من النفس كان ذلك هو الغفران، فكل سيئات الموحدين قابلة للمغفرة ; ولذلك قال تعالى:
{ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} أي: يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده المذنبين، وإنما مشيئته موافقة لحكمته، وجارية على مقتضى سننه، كما بينا ذلك في مواضع كثيرة من التفسير (تراجع الفهارس عند مادة مشيئة) وقد أشرنا إليها آنفا بقولنا: ومهما أذنب الموحدون إلخ، وهو بيان لما يشاء غفرانه، ولسننه في ذلك، وأما سننه تعالى فيما لا يغفره من الذنوب فتظهر من المقابلة، وتلك هي الذنوب التي لا يتوب منها صاحبها ولا يتبعها بالحسنات التي تزيل أثرها السيئ من النفس حتى يترتب عليه أثره السيئ في الدنيا، ثم في الآخرة، فإن العقاب على الذنوب عبارة عن ترتب آثارها في النفس عليها كما تؤثر الحرارة في الزئبق في الأنبوبة فيتمدد ويرتفع، وتؤثر فيه البرودة فيتقلص وينخفض، فهذا مثال سنته تعالى في تأثير الأعمال الصالحة والسيئة في نفوس البشر وجزائهم عليها كما بينا ذلك مرارا في التفسير وغيره (راجع مادة ذنب وعقاب وجزاء في فهارس التفسير والمنار).
وقد اضطرب في فهم الآية على بلاغتها وظهورها أصحاب المقالات والمذاهب الذين جعلوا القرآن عضين، فلم يأخذوه بجملته ويفسروا بعضه ببعض كالجمع بين المشيئة والحكمة والنظام، بل نظروا في كل جملة على حدتها، وحاولوا حملها على مقالاتهم كالمرجئة والمعتزلة والخوارج وغيرهم، فهذا يقول: إن الشرك وغير الشرك سواء في كونهما لا يغفران إلا بعد التوبة، وهذا يقول: إنها دالة على عدم وجوب العقاب على الذنوب وجواز غفرانها كلها ما اجتنب الشرك، وذاك يقول: إنها تكون على هذا مغرية بالمعاصي مجرئة عليها، والآية فوق ذلك تحدد ما يترتب عليه العقاب في الدنيا والآخرة حتما لإفساده للنفوس البشرية وهو الشرك، وتبين أن ما عداه لا يصل إلى درجته في إفساد النفس، فمغفرته ممكنة تتعلق بها المشيئة الإلهية، فمنه ما يكون تأثيره السيئ في النفس قويا يقتضي العقاب، ومنه ما يكون ضعيفا يغفر بالتأثير المضاد له من صالح الأعمال ـ راجع تفسير: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة [4: 17]، إلخ ص 440 - 452 من جزء التفسير الرابع.
{ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} هذه الجملة تشعر بعلة عدم غفران الشرك، والمعنى: ومن يشرك بالله واجب الوجود قيوم السماوات والأرض القائم بنفسه الذي قام به كل شيء بأن يجعل لغيره شركة ما معه ـ دع الإلحاد بإنكار سلطته التي هي مصدر النظام البديع في الكون - سواء كانت تلك الشركة بالتأثير في الإيجاد والإمداد، أو بالتشريع والتحليل والتحريم، من يشرك به في ذلك فقد افترى إثما عظيما، أي: اخترع ذنبا مفسدا عظيم الفحش والضرر سيئ المبدأ والأثر، تستصغر في جنب عظمته جميع الذنوب والآثام، فيكون جديرا بألا يغفر وإن كان ما دونه قد يمحوه الغفران.
والافتراء افتعال من فرى يفري، وأصل معناه: القطع، ويطلق على الكذب والإفساد ; لأن قطع الشيء الصحيح مفسد له، والشرك بالقول لا يكون إلا كذبا وبالفعل لا يكون إلا فسادا، قال الراغب: الفري قطع الجلد للخرز والإصلاح، والإفراء: (قطعه) للإفساد، والافتراء فيهما وفي الإفساد أكثر، ولذلك استعمل في القرآن في الكذب والشرك والظلم، وذكر الآية وغيرها من الشواهد.
كانت اليهود تفاخر مشركي العرب وغيرهم بنسبهم ودينهم ويسمون أنفسهم شعب الله، وكذلك النصارى، وقد حكى الله تعالى عنهم قولهم:
{ نحن أبناء الله وأحباؤه } [المائدة: 18]، وقوله: { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111]، وقول اليهود خاصة: { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } [البقرة: 80]، وكل هذا من تزكيتهم لأنفسهم وغرورهم بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله فيهم: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم}، وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك قاله السيوطي في لباب النقول. أقول: وروى ابن جرير أيضا أن سبب نزولها تزكيتهم لأنفسهم بالآيات التي أشرنا إليها آنفا، وروي عن السدي أنه قال: نزلت في اليهود، قالت اليهود: إنا لنعلم أبناءنا التوراة صغارا فلا تكون لهم ذنوب، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل، وذكر روايات أخرى، ورجح أن تزكيتهم لأنفسهم وصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم أبناء الله وأحباؤه. أما معنى: {ألم تر} فقد ذكر قريبا، والاستفهام للتعجب من حالهم، وتزكية النفس تكون بالعمل الذي يجعلها زاكية أي طاهرة كثيرة الخير والبركة، وأصل الزكاء والزكاة: النمو والبركة في الزرع، ومثله كل نافع، فتزكية النفس بالفعل عبارة عن تنمية فضائلها وخيراتها، ولا يتم ذلك إلا باجتناب الشرور التي تعارض الخير وتعوقه، وهذه التزكية محمودة وهي المرادة بقوله تعالى: { قد أفلح من زكاها } [الشمس: 9]، أي: نفسه. وتكون بالقول وهو ادعاء الزكاء والكمال، ومنه تزكية الشهود، وقد أجمع العقلاء على استقباح تزكية المرء لنفسه بالقول، ومدحها ولو بالحق، ولتزكيتها بالباطل أشد قبحا، وهذا هو المراد هنا، وهذا النوع من التزكية مصدره الجهل والغرور، ومن آثاره العتو والاستكبار عن قبول الحق، والانتفاع بالنصح، وقد رد الله عليهم بقوله: {بل الله يزكي من يشاء} [النساء: 49] أي: ليست العبرة بتزكيتكم لأنفسكم بأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم لا تعذبون في النار وأنكم ستكونون أهل الجنة دون غيركم؛ لأنكم شعب الله المختار، بل الله يزكي من يشاء من عباده من جميع الشعوب والأقوام بهدايتهم إلى العقائد الصحيحة، والآداب الكاملة، والأعمال الصالحة، أو شهادة كتابة لهم بموافقة عقائدهم وآدابهم وأخلاقهم وأعمالهم لما جاء فيه: { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } [النجم: 32].
{ولا يظلمون فتيلا} أي: ولا يظلم الله هؤلاء الذين يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه شيئا مما يستحقونه بأعمالهم ولو حقيرا كالفتيل، وقد بينا من قبل أن أصل الظلم بمعنى النقص، أي: لا ينقصهم من الجزاء على أعمالهم الحسنة شيئا ما بعدم تزكيته إياهم؛ لأن عدم تزكيتهم إنما يكون بعدم اتباعهم لما تكون به النفس زكية من هداية الدين والعقل ونظام الفطرة، والفتيل: ما يكون في شق نواة التمرة مثل الخيط، وما تفتله بين أصابعك من وسخ أو خيط، وتضرب العرب به المثل في الشيء الحقير فهو بمعنى
{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة } [النساء: 40]، وتقدم تفسيره من عهد قريب، فخذلان الملوثين برذيلة الشرك في الدنيا بالعبودية لغيرهم وغير ذلك من آثار انحطاطهم، وعذابهم في الآخرة وحرمانهم من نعيمها لا يكون بظلم من الله عز وجل لهم ونقصه إياهم شيئا من ثواب أعمالهم، وإنما يكون بنقصان درجات أعمالهم، وعجزها عن العروج بأرواحهم، بل بتدسيتها لنفوسهم، لتزكيتهم إياها بالقول الباطل دون الفعل { ولكل درجات مما عملوا } [الأنعام: 132]، كدرجات الحرارة في ميزانها، ودرجات الرطوبة في ميزانها، فما كل درجة من الأولى يغلي بها ٍالماء، ولا كل درجة منها يكون بها جليدا، ولا كل درجة من الثانية ينزل بها المطر، وكدرجات امتحان طلاب العلوم في المدارس، أو الأعمال في الحكومة لا ينال الفوز فيها إلا بالدرجات العلى المحدد أدناها وأعلاها بالحكمة.
والآية تدل على أن الله تعالى يجزي كل عامل خير بعمله، وإن كان مشركا ; لأن لعمله أثرا في نفسه يكون مناط الجزاء، فإذا لم يصل تأثير عمل المشرك إلى الدرجة التي يكون بها النجاة من العذاب ألبتة، فإن عمله ينفعه بكون عذابه أقل من عذاب من لم يعمل من الخير مثل عمله، مثال ذلك في الدنيا رجلان يشربان الخمر، أحدهم مقل والآخر مكثر، فضرر المكثر يكون أكبر من ضرر المقل، وآخران متساويان في الشرب ولكن بنية أحدهما قوية تقاوم الضرر أن يفتك بالجسم، وبنية الآخر ضعيفة لا تستطيع المقاومة، فإن ضرر هذا من الشرب يكون أشد من ضرر ذاك. كذلك الروح القوية السليمة الفطرة الصحيحة الإيمان المزكاة بالعمل الصالح لا تهبط بها السيئة الواحدة والسيئتان إلى درجة الأشرار الفجار فتجعلها شقية مثلهم، بل يغلب خيرها على الشر الذي يعرض لها، فيزيله أو يضعفه حتى يكون ضررها غير مهلك، ومنه تعلم أن بعض المؤمنين الصالحين قد يعذب في الدنيا والآخرة بذنبه ولكنه لا يكون من الهالكين الخالدين.
والعبرة بهذه الآية وما قبلها للمسلمين هي وجوب اتقاء ما هم عليه من الغرور بدينهم، كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل، وما قبله وما بعده بقرون، واتقاء مثل ما كانوا عليه من تزكية أنفسهم بالقول واحتقار من عداهم من المشركين الذي انجر إلى احتقار المسلمين عند ظهور الإسلام، حتى كان عاقبة ذلك الغرور وتلك التزكية الباطلة في الدنيا أن غلبهم المسلمون على أمرهم، واستولوا على أرضهم وديارهم، وليعلموا أن الله العظيم الحكيم لا يحابي في سننه المطردة في نظام خلقه مسلما ولا يهوديا ولا نصرانيا؛ لأجل اسمه ولقبه، أو لانتسابه بالاسم إلى أصفيائه من خلقه، بل كانت سننه حاكمة على أولئك الأصفياء أنفسهم حتى إن خاتم النبيين صلى الله عليه وعليهم أجمعين وسلم قد شج رأسه وكسرت سنه، وردي في الحفرة يوم أحد لتقصير عسكره فيما يجب من نظام الحرب، فإلى متى أيها المسلمون هذا الغرور بالانتماء إلى هذا الدين، وأنتم لا تقيمون كتابه ولا تهتدون به، ولا تعتبرون بما فيه من النذر، ألا ترون كيف عادت الكرة إلى تلك الأمم عليكم بعد ما تركوا الغرور، واعتصموا بالعلم والعمل، بما جرى عليه نظام الاجتماع من الأسباب والسنن، حتى ملكت دول الأجانب أكثر بلادكم، وقام اليهود الآن ليجهزوا على الباقي لكم، ويستردوا البلاد المقدسة من أيديكم ويقيموا فيها ملكهم؟!
فاهتدوا بكتاب الله الحكيم وبسننه في الأمم، واتركوا وساوس الدجالين الذين يبثون فيكم نزعات الشرك فيصرفونكم عن قواكم العقلية والاجتماعية، وعن الاهتداء بكلام ربكم إلى الاتكال على الأموات، والاستمساك بحبل الخرافات، ويشغلونكم عن دينكم ودنياكم بما لم ينزله الله تعالى عليكم من الأوراد والصلوات، وما غرضهم بذلك إلا سلب أموالكم، وحفظ جاههم الباطل فيكم، أفيقوا أفيقوا، تنبهوا تنبهوا، واعلموا أن الله لم يظلم ولا يظلم أحدا فتيلا، فما زال ملككم، ولا ذهب عزكم، إلا بترك هداية ربكم، واتباع هؤلاء الدجالين منكم.
{انظر كيف يفترون على الله الكذب} أي: انظر يا أيها الرسول كيف يكذبون على الله بتزكية أنفسهم وزعمهم أنهم شعبه الخاص وأبناؤه وأحباؤه، وأنه يعاملهم معاملة خاصة يخرجون فيها عن نظام سننه في سائر خلقه، وهذا تأكيد للتعجيب من شأنهم في الآية السابقة لنعتبر به.
{وكفى به إثما مبينا} أي: وكفى بهذا الضرب من آثامهم إثما بينا ظاهرا، فإنه تعالى لم يعاملهم معاملة خاصة مخالفة لسنن الاجتماع البشري التي عامل بها غيرهم، ولكنهم قوم مغرورون جاهلون، وقد أطلق الإثم على الكذب خاصة، وعلى كل ذنب، وقال الراغب: الإثم والآثام: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، يعني عن الخيرات التي يثاب الإنسان عليها، ثم بين صدق ذلك على الخمر والميسر ; إذ قال تعالى:
{ فيهما إثم كبير } [البقرة: 219]، ولا شك أن تزكية النفس، والغرور بالدين والجنس، مما يبطئ عن العمل النافع الذي يثاب عليه الناس في الدنيا بالعز والسيادة، وفي الآخرة بالحسنى وزيادة، وتقدم في تفسير: { يسألونك عن الخمر والميسر } [البقرة: 219]، أنه لا يطلق لفظ "الإثم" إلا على ما كان ضارا، وأي ضرر أكبر من ضرر الغرور وتزكية النفس بالدعوى والتبجح، كما يفعل المسلمون الآن في بعض البلاد؟! يغشون أنفسهم بمدحها، ويتركون الأعمال التي ترفعها وتعليها، وقد ترك اليهود ذلك منذ قرون، فهم يعملون لملتهم، وهم ساكتون ساكنون، ولا يدعون ولا يتبجحون، فاعتبروا أيها الغافلون.