التفاسير

< >
عرض

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً
٨٥
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً
٨٦
ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً
٨٧
-النساء

تفسير المنار

الشفاعة من الشفع وهو مقابل الوتر أي الفرد، قال الراغب: الشفع ضم الشيء إلى مثله، والشفاعة الانضمام إلى آخر، ناصرا له وسائلا عنه، والذي يناسب السياق واتصال الآية بما قبلها من الآيات أن معنى قوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة} من يجعل نفسه شفعا لك وقد أمرت بالقتال وترا، وهي الشفاعة الحسنة لأنها نصر للحق وتأييد له، ومثل ذلك كل من ينضم إلى أي محسن ويشفعه {يكن له نصيب منها}، أي من شفاعته هذه بما يناله من الفوز والشرف والغنيمة من الدنيا عندما ينتصر الحق على الباطل، وبما يكون له من الثواب في الآخرة سواء أدرك النصر في الدنيا أم لم يدركه.
والنصيب الحظ المنصوب، أي: المعين كما قال الراغب: {ومن يشفع شفاعة سيئة} بأن ينضم إلى عدوك فيقاتل معه، أو يخذل المؤمنين عن قتاله، وهذه هي الشفاعة السيئة، ومثلها كل إعانة على السيئات {يكن له كفل منها}، أي: نصيب من سوء عاقبتها، وهو ما يناله من الخذلان في الدنيا والعقاب في الآخرة.
فالكفل بمعنى النصيب المكفول للشافع لأنه أثر عمله، أو المحدود لأنه على قدره، أو الذي يجيء من الوراء، وهو على هذا مشتق من كفل البعير وهو عجزه، أو مستعار من المركب الذي يسمى كفلا بالكسر، قال في لسان العرب: والكفل من مراكب الرجال وهو كساء يؤخذ فيعقد طرفاه ثم يلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره مما يلي العجز - أي الكفل بفتح الكاف والفاء - وقيل: هو شيء مستدير يتخذ من خرق أو غير ذلك ويوضع على سنام البعير.
وفي حديث أبي رافع قال: " ذلك كفل الشيطان " يعني مقعده ثم قال: والكفل ما يحفظ الراكب من خلفه، والكفل النصيب مأخوذ من هذا، انتهى، كأنه أراد الانتفاع من ناحية الكفل والمؤخر.
والراغب ذهب إلى القول الأول وفاقا لابن جرير، قال: إنه مستعار من الكفل - بالكسر - وهو الشيء الرديء واشتقاقه من الكفل، وهو أن الكفل لما كان مركبا ينبو براكبه صار متعارفا في كل شدة كالسيساء، وهو العظم الناتئ من ظهر الحمار فيقال: لأحملنك على الكفل والسيساء، ثم قال: ومعنى الآية من ينضم إلى غيره معينا له في فعلة حسنة يكن له منها نصيب، ومن ينضم إلى غيره معينا له في فعلة سيئة ينله منها شدة، وقيل: الكفل الكفيل ونبه على أن من تحرى شرا فله من فعله كفيل يسأله، كما قيل من ظلم فقد أقام كفيلا بظلمه، تنبيها إلى أنه لا يمكنه التخلص من عقوبته انتهى.
وفسر الآية بنحو ما ذكرنا شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، ولكنه جعل الشفاعة لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونحن جعلناها له - صلى الله عليه وسلم - ; لأنه أمر أولا بالقتال وحده فكأن كل من يتصدى للقتال معه قد تصدى لأن يجعل نفسه معه شفيعا، واسم الشرط في {من يشفع} يؤذن بالعموم ولكن يدخل فيه ما ذكرنا دخولا أوليا بقرينة السياق.
قال ابن جرير: وقد قيل إنه عنى بقوله {من يشفع شفاعة حسنة}، شفاعة الناس بعضهم لبعض، وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكرنا ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر، وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك لأنه في سياق الآية التي أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيما يحض المؤمنين على القتال، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والوعيد لمن أبى إجابته - أشبه منه بالحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض اهـ.
ثم ذكر أقوال من ذكروا أنها في شفاعة الناس بعضهم لبعض.
وقد ذكر الرازي لاتصال الآية بما قبلها وجوها أولها، وثانيها أنه جعل تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على القتال بمعنى الشفاعة الحسنة له أجره، وأنه ليس عليه ممن تمرد وعصى وزر ولا عيب. والثالث: جواز أن بعض المنافقين كان يشفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن القتال فنهى الله - تعالى - عن هذه الشفاعة، وبين أن الشفاعة إنما تحسن إذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله - تعالى - دون العكس، وهذا الوجه صحيح، وكان واقعا وقد ذكر في سورة التوبة استئذانهم في التخلف، وقد يستأذن بعضهم بغيره ويشفع له كما يستأذن لنفسه.
والرابع - مما ذكره الرازي -: جواز أن يشفع بعض المؤمنين لبعض في إعانة من لا يجد أهبة القتال أن يعان عليها.
وحاصل الوجهين: أن الشفاعة ذكرت في هذا السياق لأن من شأنها أن تقع في الإعانة على القتال أو القعود عنه، وإن كان اللفظ عاما على سنة القرآن في الإتيان بالقواعد الكلية والمسائل العامة في سياق بيان بعض ما يدخل في ذلك العموم.
ثم ذكر الرازي في تفسير الشفاعة خمسة وجوه:
أولها: أنها تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم على الجهاد ; لأنه بذلك يجعل نفسه شفعا لهم، وذكر علة ثانية لتسمية التحريض شفاعة وهي أن التحريض على الشيء عبارة عن الأمر به، لا على سبيل التهديد بل على الرفق والتلطف، وذلك يجري مجرى الشفاعة، وهذا التعليل أو التوجيه يؤيد الوجه الأول مما ذكر من وجوه الاتصال والمناسبة ويقربه.
ثانيها: أنها شفاعة المنافقين بعضهم لبعض في التخلف، أو شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض في الإعانة، وفاقا لما ذكره في الوجهين الثالث والرابع من وجوه الاتصال.
ثالثها: قوله نقل الواحدي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما معناه أن الشفاعة الحسنة هاهنا هي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار - أي يضمه إليه - والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم، أقول: وكان ينبغي أن يقول بإعانة الكفار على قتال أهل الحق وخذلانهم.
رابعها: قول مقاتل: إن الشفاعة الحسنة الدعاء وإن نصيب الشافع منها يؤخذ من حديث: من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله رواه مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء وأورده الرازي بالمعنى، وذكر أن الشفاعة السيئة ما كان من تحريف اليهود للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم: " السام عليكم " أي الموت، أقول: والحديث في هذا معروف ولا يظهر فيه معنى الشفاعة ألبتة.
خامسها: قول الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: إنها شفاعة الناس بعضهم لبعض، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة، ثم جزم الرازي بأن هذه الشفاعة لا بد أن يكون لها تعلق بالجهاد، فلا يجوز قصرها على الوجوه الثلاثة، وإنما يجوز أن تكون داخلة في معناها بطريق العموم الذي لا ينافيه خصوص السبب كما هو معلوم.
وقد أنكر الأستاذ الإمام على الجلال وغيره حمل الشفاعة على ما يكون بين الناس في شئونهم الخاصة من المعايش، وقال: إن هذا التخصيص يذهب بما في الآية من القوة والحرارة ويخرجها من السياق، والصواب أنها أعم فالمقصود أولا وبالذات الشفاعة المتعلقة بالحرب، وقد علمنا أن الآيات في المبطئين عن القتال، والذين يبيتون ما لا يرضى الله - تعالى - من خلاف ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك ضروب الاعتذار التي كانوا يعتذرون بها، وقد يكون هذا الاعتذار بواسطة بعض الناس الذين يرجى السماع لهم والقبول منهم، وهو عين الشفاعة، اهـ.
ثم أقول: إن العلماء متفقون على أن شفاعة الناس بعضهم لبعض تدخل في عموم الآية، وأنها قسمان: حسنة وسيئة، فالحسنة أن يشفع الشافع لإزالة ضرر ورفع مظلمة عن مظلوم أو جر منفعة إلى مستحق، ليس في جرها إليه ضرر ولا ضرار، والسيئة أن يشفع في إسقاط حد، أو هضم حق، أو إعطائه لغير مستحق، أو محاباة في عمل، بما يجر إلى الخلل والزلل، والضابط العام أن الشفاعة الحسنة هي ما كانت فيما استحسنه الشرع، والسيئة فيما كرهه أو حرمه.
ومن العبرة في الآية أن نتذكر بها أن الحاكم العادل لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإعلامه ما لم يكن يعلم من مظلمة المشفوع له أو استحقاقه لما يطلب له، ولا يقبل الشفاعة لأجل إرضاء الشافع فيما يخالف الحق والعدل وينافي المصلحة العامة، وأما الحاكم المستبد الظالم فهو الذي تروج عنده الشفاعات ; لأنه يحابي أعوانه المقربين منه ليكونوا شركاء له في استبداده، فيثق بثباتهم على خدمته وإخلاصهم له، وما الذئاب الضارية بأفتك من الغنم من فتك الشفاعات في إفساد الحكومات والدول، فإن الحكومة التي تروج فيها الشفاعات يعتمد التابعون لها على الشفاعة في كل ما يطلبون منها لا على الحق والعدل، فتضيع فيها الحقوق، ويحل الظلم محل العدل، ويسري ذلك من الدولة إلى الأمة فيكون الفساد عاما.
وقد نشأنا في بلاد هذه حال أهلها وحال حكومتهم، يعتقد الجماهير أنه لا سبيل إلى قضاء مصلحة في الحكومة إلا بالشفاعة أو الرشوة، ولا يقوم عندنا دليل على صلاح حكومتنا إلا إذا زال هذا الاعتقاد، وصارت الشفاعة من الوسائل التي لا يلجأ إليها إلا أصحاب الحق بعد طلبه من أسبابه، والدخول عليه من بابه، وظهور الحاجة إلى شفيع يظهر للحاكم العادل ما لم يكن يعلمه من استحقاق المشفوع له لكذا، أو وقوع الظلم عليه في كذا، وأن يكون ما عدا هذا من النوادر التي لا تخلو حكومة منها، مهما ارتقت وصلح حالها.
{وكان الله على كل شيء مقيتا} أي: مقتدرا أو حافظا أو شاهدا، وعبر بعضهم بالحفيظ والشهيد، أقوال: قال الراغب: وحقيقته قائما عليه يحفظه ويقيته - يعني أنه مشتق من القوت وهو ما يمسك الرمق من الرزق وتحفظ به الحياة - يقال: قاته يقوته إذا أطعمه قوته، وأقاته يقيته إذا جعل له ما يقوته اهـ، ومن جعل لك ما يقوتك دائما كان قائما عليك بالحفظ وشهيدا عليك لا يقوته أمرك ولا يغيب عنه، ويتضمن ذلك معنى القدرة أيضا باللزوم.
ولكنهم أوردوا من الشواهد على كون المقيت بمعنى المقتدر ما يدل على أنه غير مشتق من القوت، كقول الزبير بن عبد المطلب - رضي الله عنه -:

وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على إساءته مقيتا

وقال النضر بن شميل:

تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة فإني على ما ساءهم لمقيت

ورجح ابن جرير هنا معنى المقتدر مستدلا ببيت الزبير لأنه من قريش، وفي لسان العرب أقات على الشيء اقتدر عليه، وأنشد بيت الزبير، وعزاه أولا إلى أبي قيس بن رفاعة، ثم قال: وقد روي أنه للزبير عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال قبل ذلك في تفسير اللفظ في الآية الفراء: المقيت المقتدر والمقدر كالذي يعطى كل شيء قوته، وقال الزجاج: المقيت القدير، وقيل: الحفيظ، قال: وهو بالحفيظ أشبه لأنه مشتق من القوت، يقال: قت الرجل أقوته إذا حفظت نفسه بما يقوته، والقوت اسم الشيء الذي يحفظ نفسه ولا فضل فيه على قدر الحفظ، فمعنى المقيت الحفيظ الذي يعطي الشيء قدر الحاجة من الحفظ، وقال الفراء: المقيت المقتدر كالذي يعطي كل رجل قوته، ويقال: المقيت الحافظ للشيء والشاهد له، وأنشد ثعلب للسموأل بن عاديا:

رب شتم سمعته وتصاممـ ـت وغي تركته فكفيت
ليت شعري وأشعرن إذا ما قربوها منشورة ودعيت
ألي الفضل أم علي إذا حو سبت إني على الحساب مقيت

أي: أعرف ما عملت من السوء لأن الإنسان على نفسه بصيرة، حكى ابن بري عن أبي سعيد السيرافي، قال: الصحيح رواية من روى.

ربي على الحساب مقيت

إلى آخر.
ما ذكره ومنه تفسير بعضهم للمقيت في بيت السموأل بالموقوف على الحساب.
وحاصل معنى الجملة: وكان الله وما زال على كل شيء مقيتا، أي: مقتدرا مقدرا فهو لا يعجزه أن يعطي الشافع نصيبا أو كفلا من شفاعته على قدرها في النفع والضر، لأن سنته الحكيمة مضت بأن يكون هذا الجزاء مرتبطا بالعمل، أو شهيدا حفيظا على الشفعاء لا يخفى عليه أمر محسنهم ومسيئهم فهو يعطي الجزاء على قدر العمل.
قال الأستاذ الإمام: بعد أن علم الله المؤمنين طريقة الشفاعة الحسنة والسيئة وهي من أسباب التواصل بين الناس، علمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم الضعفاء والأقوياء في الإيمان، وحسن الأدب بينهم وبين من يلقونه في أسفارهم فقال: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}، وهذا ما يراه الأستاذ في وجه الاتصال والمناسبة بين الآية والتي قبلها وذكر الرازي في النظم وجهين:
الأول: أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن يرضوا بالمسالمة إذا رضي الأعداء بها، فهذه الآية عنده كقوله تعالى:
{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } [الأنفال: 61].
والثاني: أن الرجل كان يلقى الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه فقد لا يلتفت إلى سلامه ويقتله، فمنع الله المؤمنين من ذلك وأمرهم بأن يقابلوا كل من يسلم عليهم أو يكرمهم بنوع من الإكرام بمثل ما قابلهم به أو بأحسن منه. هذا ملخص قوله: وفي الأول أنه جعل التحية بمعنى السلام والسلم، وفي الثاني من التوسع في التحية ما فيه، وسيأتي في هذه السورة
{ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } [النساء: 94]، وقد ذكر هنا أدب التحية كما ذكر ما ينبغي وما لا ينبغي في الشفاعة ; لأن لكل من التحية والشفاعة شأنا عظيما في حال القتال، يكون به نفعهما أو ضررهما أقوى منه في سائر الأحوال، ويدل على ذلك في التحية اشتقاقها من الحياة.
التحية: مصدر حياه إذا قال له حياك الله، هذا هو الأصل، ثم صارت التحية اسما لكل ما يقوله المرء لمن يلاقيه أو يقبل هو عليه من نحو دعاء أو ثناء كقولهم: أنعم صباحا وأنعم مساء، وقالوا: عم صباحا ومساء، وجعلت تحية المسلمين السلام للإشعار بأن دينهم دين السلام والأمان، وأنهم أهل السلم ومحبو السلامة، ومن التحيات الشائعة في بلادنا إلى هذا اليوم: أسعد الله صباحكم، أسعد الله مساءكم - وهذا بمعنى قول العرب القدماء: أنعم صباحا ومساء - ونهارك سعيد، وليلتك سعيدة، وهذا مترجم عن الإفرنجية.
وقد أوجب الله - تعالى - علينا في هذه الآية أن نجيب من حيانا بأحسن من تحيته أو بمثلها أو عينها، كأن نقول له الكلمة التي يقولها، وهذا هو ردها، وفسروه بأن تقول لمن قال: السلام عليكم، بقولك: وعليكم السلام، والأحسن أن تقول: وعليكم السلام ورحمة الله، فإذا قال هذا في تحية فالأحسن أن تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهكذا يزيد المجيب على المبتدئ كلمة أو أكثر.
وأقول: قد يكون أحسن الجواب بمعناه أو كيفية أدائه، وإن كان بمثل لفظ المبتدئ بالتحية، أو مساويه في الألفاظ، أو ما هو أخصر منه، فمن قال لك: أسعد الله صباحكم ومساءكم، فقلت له: أسعد الله جميع أوقاتكم كانت تحيتك أحسن من تحيته، ومن قال لك: السلام عليكم بصوت خافت يشعر بقلة العناية فقلت له: وعليكم السلام بصوت أرفع وإقبال يشعر بالعناية وزيادة الإقبال والتكريم، كنت قد حييته بتحية أحسن من تحيته في صفتها، وإن كانت مثلها في لفظها، والناس يفرقون في القيام للزائرين بين من يقوم بحركة خفيفة وهمة تشعر بزيادة العناية ومن يقوم متثاقلا، ومن أهل دمشق من يشترطون في العناية بالقيام إظهار الاندهاش فيقولون: قام له باندهاش، أو قام بغير اندهاش.
علم من الآية الجواب عن التحية له مرتبتان: أدناهما ردها بعناية، وأعلاهما الجواب عنها بأحسن منها، فالمجيب مخير وله أن يجعل الأحسن لكرام الناس كالعلماء والفضلاء، ورد عين التحية لمن دونهم، وروي عن قتادة وابن زيد أن جواب التحية لأحسن منها للمسلمين وردها بعينها لأهل الكتاب، وقيل للكفار عامة، ولا دليل على هذه التفرقة من لفظ الآية ولا من السنة.
وقد روى ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا، فإن الله يقول: {فإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}، أقول: وقد نزلت هذه الآية في سياق أحكام الحرب ومعاملة المحاربين والمنافقين، ومن قال لخصمه السلام عليكم فقد أمنه على نفسه، وكانت العرب تقصد هذا المعنى، والوفاء من أخلاقهم الراسخة ; ولذلك عد الأستاذ الإمام ذكر التحية مناسبا للسياق بكونها من وسائل السلام، ولما صار لفظ السلام تحية المسلمين صارت التحية به عنوانا على الإسلام كما يأتي في قوله - تعالى - من هذه السورة
{ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } [النساء: 94].
ومما ينبغي بيانه هنا أن بعض المسلمين يكرهون أن يحييهم غيرهم بلفظ السلام، ويرون أنه لا ينبغي رد السلام على غير المسلم، أي: يرون أنه لا ينبغي لغير المسلم أن يتأدب بشيء من آداب الإسلام، وفاتهم أن الآداب الإسلامية إذا سرت في قوم يألفون المسلمين ويعرفون فضل دينهم ربما كان ذلك أجذب لهم إلى الإسلام، ومن صفات المؤمن أنه يألف ويؤلف، وقد سئلت عن هذه الآية، وآية النور
{ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } [النور: 27]، هل السلام فيهما على إطلاقه وعمومه فيشمل المسلمين وغيرهم أم هو خاص بالمسلمين؟ فأجبت في المجلد الخامس من المنار (ص 583 - 685) بما نصه:
(ج) إن الإسلام دين عام ومن مقاصده نشر آدابه وفضائله في الناس ولو بالتدريج وجذب بعضهم إلى بعض ليكون البشر كلهم إخوة، ومن آداب الإسلام التي كانت فاشية في عهد النبوة إفشاء السلام إلا مع المحاربين ; لأن من سلم على أحد فقد أمنه، فإذا فتك به بعد ذلك كان خائنا ناكثا للعهد.
وكان اليهود يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيرد عليهم السلام، حتى كان من بعض سفهائهم تحريف السلام بلفظ: " السام " أي الموت، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجيبهم بقوله: " وعليكم "، وسمعت عائشة واحدا منهم يقول له: " السام عليكم "، فقالت له: وعليك السام واللعنة، فانتهرها النبي - عليه الصلاة والسلام - مبينا لها أن المسلم لا يكون فاحشا ولا سبابا وأن الموت علينا وعليهم.
وروي عن بعض الصحابة كابن عباس أنهم كانوا يقولون للذمي: السلام عليك، وعن الشعبي من أئمة السلف أنه قال لنصراني سلم عليه: وعليك السلام ورحمة الله - تعالى -، فقيل له في ذلك، فقال: " أليس في رحمة الله يعيش "، وفي حديث البخاري الأمر بالسلام على من تعرف ومن لا تعرف، وروى ابن المنذر عن الحسن أنه قال: {فحيوا بأحسن منها} للمسلمين، {أو ردوها} لأهل الكتاب، وعليه يقال للكتابي في رد السلام عين ما يقوله، وإن كان فيه ذكر الرحمة.
هذه لمعة مما روي عن السلف ثم جاء الخلف فاختلفوا في السلام على غير المسلم، فقال كثيرون: إنهم لا يبدءون بالسلام لحديث ورد في ذلك، وحملوا ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - على الحاجة أي: لا يسلم عليهم ابتداء إلا لحاجة.
وأما الرد فقال بعض الفقهاء: إنه واجب كرد سلام المسلم، وقال بعضهم: إنه سنة وفي الخانية من كتب الحنفية: ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالرد، وهذا يدل على أنه مباح عند هذا القائل لا واجب ولا مسنون مع أن السنة وردت به في الصحيح.
أما ما ورد من حق المسلم على المسلم فلا ينافي حق غيره، فالسلام حق عام ويراد به أمران: مطلق التحية، وتأمين من تسلم عليه من الغدر والإيذاء وكل ما يسيء. وقد روى الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة: إن الله - تعالى - جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا، وأكثر الأحاديث التي وردت في السلام عامة، وذكر في بعضها " المسلم " كما ذكر في بعضها غيره كحديث الطبراني المذكور آنفا.
أما جعل تحية الإسلام عامة فعندي أن ذلك مطلوب، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن اليهود كانوا يسلمون على المسلمين فيردون عليهم، فكان من تحريفهم ما كان سببا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر المسلمين أن يردوا عليهم بلفظ: " وعليكم " حتى لا يكونوا مخدوعين للمحرفين.
ومن مقتضى القواعد أن الشيء يزول بزوال سببه، ولم يرد أن أحدا من الصحابة نهى اليهود عن السلام ; لأنهم لم يكونوا ليحظروا على الناس آداب الإسلام ولكن خلف من بعدهم خلف أرادوا أن يمنعوا غير المسلم من كل شيء يعمله المسلم حتى من النظر في القرآن وقراءة الكتب المشتملة على آياته وظنوا أن هذا تعظيم للدين، وصون له عن المخالفين، وكلما زادوا بعدا عن حقيقة الإسلام زادوا إيغالا في هذا الضرب من التعظيم، وإنهم ليشاهدون النصارى في هذا العصر يجتهدون بنشر دينهم ويوزعون كثيرا من كتبه على الناس مجانا، ويعلمون أولاد المخالفين لهم في مدارسهم ليقربوهم من دينهم، ويجتهدون في تحويل الناس إلى عاداتهم وشعائرهم ليقربوا من دينهم، حتى إن الأوربيين فرحوا فرحا شديدا عندما وافقهم خديوي مصر " إسماعيل باشا " على استبدال التاريخ المسيحي بالتاريخ الهجري وعدوا هذا من آيات الفتح، وترى القوم الآن يسعون في جعل يوم الأحد عيدا أسبوعيا للمسلمين يشاركون فيه النصارى بالبطالة، ومع هذا كله نرى المسلمين لا يزالون يحبون منع غيرهم من الأخذ بآدابهم وعاداتهم ويزعمون أن هذا تعظيم للدين، وكأن هذا التعظيم لا نهاية له إلا حجب هذا الدين عن العالمين، إن هذا لهو البلاء المبين، وسيرجعون عنه بعد حين اهـ.
هذا ما أفتينا به منذ بضع سنين، وحديث عائشة المشار إليه في الفتوى رواه الشيخان في صحيحيهما، والرد على أهل الكتاب بلفظ: " وعليكم " رواه الشيخان أيضا عن أنس، ورويا عن أبي هريرة عدم ابتدائنا إياهم بالسلام، ولعل ذلك كان لأسباب خاصة اقتضاها ما كان بينهم وبين المسلمين من الحروب وكانوا هم المعتدين فيها، روى أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدءوهم بالسلام وإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم" ، فيظهر هنا أنه نهاهم أن يبدءوهم لأن السلام تأمين، وما كان يحب أن يؤمنهم وهو غير آمن منهم لما تكرر من غدرهم ونكثهم للعهد معه ; فكان ترك السلام عليهم تخويفا لهم ليكونوا أقرب إلى المواتاة.
وقد نقل النووي في شرح مسلم جواز ابتدائهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز - رضي الله عنهم - قال وهو وجه لأصحابنا، وعندي أن الحاجة إلى معرفة سبب الأحاديث لأجل فهم المراد منها أشد من الحاجة إلى معرفة سبب نزول القرآن ; لأن القرآن كله هداية عامة للناس يجب تبليغها، وفي الأحاديث ما ليس فيه من الأمور الخاصة، والرأي الذي لم يقصد به أن يكون دينا ولا هداية عامة ولا أن يبلغ للناس، فتوقف فهمها على معرفة أسبابها أظهر.
والذي عليه جماهير المسلمين في البلاد التي نعرفها، أنهم يبدءون أهل الكتاب بغير السلام من أنواع التحية المعروفة بعد كتابة هذا راجعت (زاد المعاد) فإذا هو يقول في حديث النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام " قيل: إن هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة "، وتردد في كونه حكما عاما لأهل الذمة أو خاصا بمن كانت حاله مثل حالهم، وذكر خلاف السلف في المسألة بعد حديث مسلم المطلق في النهي عن الابتداء.
هذا وإن ابتداء السلام سنة مؤكدة عند الجمهور، وقيل: واجب، وأما رده فالجمهور على وجوبه، وظاهر الآية أن رد كل تحية واجب، وليس الوجوب خاصا بتحية السلام، ويكفي أن يسلم بعض الجماعة وأن يرد بعض من يلقى عليهم السلام ; لأن الجماعة لتضامنها واتحادها يقوم فيها الواحد مقام الجميع.
والسنة: أن يسلم القادم على من يقدم عليهم، وإذا تلاقى الرجلان فالسنة أن يبدأ الكبير في السن أو القدر بالسلام.
ومن آداب السلام ما ثبت في الصحيحين أنه " يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير "، وروى البخاري سلام الصغير على الكبير، ومسلم " أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بصبيان فسلم عليهم "، والترمذي " أنه مر بنسوة فأومأ بيده بالتسليم "، وقال بعض العلماء: المستحب أن يسلم الرجال على النساء المحارم مطلقا والعجائز الأجنبيات دون غيرهن، وكان - صلى الله عليه وسلم - يسلم على القوم عند المجيء وعند الانصراف، ذكره ابن القيم في الهدي وقال: وكان يسلم بنفسه على من يواجهه، ويحمل السلام لمن يريد السلام عليه من الغائبين عنه، ويتحمل السلام لمن يبلغه إليه، وإذا بلغه أحد السلام عن غيره يرد عليه وعلى المبلغ به، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، وإذا سلم عليه أحد رد عليه مثل تحيته أو أفضل منها على الفور من غير تأخير إلا لعذر مثل حالة الصلاة وحالة قضاء الحاجة، وكان يسمع المسلم عليه رده، ولم يكن يرد بيده ولا رأسه ولا أصبعه إلا في الصلاة، فإنه كان يرد إشارة.
ثبت عنه ذلك في عدة أحاديث ولم يجئ عنه ما يعارضها إلا بشيء باطل لا يصح عنه، (وذكر الحديث الذي يرويه أبو غطفان عن أبي هريرة في إعادة صلاة من أشار إشارة تفهم، وأبو غطفان مجهول).
وورد في صفات المسلمين في حديث الصحيحين إفشاء السلام وكونه سبب الحب بينهم، ومنها حديث: إن أفضل الإسلام وخيره إطعام الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف وصح، أفشوا السلام بينكم تحابوا، رواه الحاكم عن أبي موسى، و أفشوا السلام تسلموا، رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى وابن حبان عن البراء، وفي صحيح البخاري قال عمار: " ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار "، فهذا من أدب الإسلام العالي الذي لا يكاد يجمعه غيره.
{إن الله كان على كل شيء حسيبا} الحسيب المحاسب على العمل كالجليس بمعنى المجالس قال الراغب: ويطلق على المكافئ، وقال بعضهم: معناه الكافي من حسبك كذا إذا كان يكفيك، قال الأستاذ الإمام: المعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، وفيه تأكيد لأمر هذه الصلة بين الناس، وأقول: إن فيها أيضا إشعارا بحظر ترك إجابة من يسلم علينا ويحيينا وأنه تعالى يحاسبنا على ذلك، ثم قال:
{الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء في الدار الآخرة هما الركنان الأولان للدين، وإنما الرسل يبلغون الناس ما يجب من إقامتهما ودعمهما بالأعمال الصالحة، فلا غرو أن يصرح القرآن بهما معا تارة، وبالأول منهما تارة أخرى في أثناء سرد الأحكام، فإن ذكرهما هو العون الأكبر والباعث الأقوى على العمل بتلك الأحكام، وناهيك بأحكام القتال التي يبذل المؤمن فيها نفسه وماله للدفاع عن الحق والحقيقة وحرية الدين الإلهي ونشر هدايته، وتأمين دعاته وأهله، وهل يبذل العاقل نفسه إلا في مرضاة من يجزيه على ذلك ما هو أفضل من هذه الحياة الدنيا وكل ما فيها؟
فالمعنى: الله لا إله إلا هو لا يعبد غيره، فلا تقصروا في طاعته والخضوع لأمره ; فإن في طاعته شرفكم وسعادتكم، وارتقاء أرواحكم وعقولكم، إذ حرركم بذلك من الرق والعبودية والخضوع لأمثالكم من البشر، بل له الخضوع والذل لما دون البشر من المعبودات التي ذل لها المشركون، وسيجعل لكم بهذا الدين ملكا عظيما ويجعلكم الوارثين، وهل هذا كل ما عنده من الجزاء للمحسنين؟ كلا إنه - والله - ليجمعنكم ويحشرنكم إلى يوم القيامة، لا ريب في ذلك اليوم ولا فيما يكون فيه من الجزاء الأوفى على الأعمال، فقد أكد الله - تعالى - خبره بالقسم وهو أقوى المؤكدات {ومن أصدق من الله حديثا}، أي: لا أحد أصدق منه - عز وجل - فيرجح خبره على خبره.
فكلام غيره يحتمل الصدق والكذب عن عمد وعلم، أو عن جهل أو سهو، وأما كلامه تعالى فهو عن العلم المحيط بكل شيء
{ لا يضل ربي ولا ينسى } [طه: 52]، فلا يحتمل أن يكون خبره غير صادق لنقص في العلم، كما لا يجوز أن يكون كذلك لغرض أو حاجة لأنه تعالى غني عن العالمين، وقد دل إعجاز القرآن على كونه كلام الله - تعالى -، فلم يبق عذر لمن قام عليه الدليل، إذا آثر على قوله تعالى أقوال المخلوقين، كما هو دأب المقلدين الضالين.