التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
٩٢
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً
٩٣
-النساء

تفسير المنار

لما بين الله - تعالى - أحكام قتل المنافقين الذين يظهرون الإسلام مخادعة ويسرون الكفر ويعينون أهله على قتال المؤمنين، والذين يعاهدون المسلمين على السلم ويحالفونهم على الولاء والنصر، ثم يغدرون ويكونون عونا لأعدائهم عليهم، ناسب أن يذكر أحكام قتل من لا يحل قتله من مؤمن ومعاهد وذمي وما يقع من ذلك خطأ.
فقال: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا}، بينا في غير موضع أن هذا الضرب من النفي نفي للشأن وهو أبلغ من نفي الفعل، أي ما كان من شأن المؤمن من حيث هو مؤمن ولا من خلقه وعمله أن يقتل أحدا من أهل الإيمان ; لأن الإيمان - وهو صاحب السلطان على نفسه والحاكم على إرادته المصرفة لعمله - هو الذي يمنعه من هذا القتل أن يجترحه عمدا، ولكنه قد يقع منه ذلك خطأ فقوله - تعالى -: {إلا خطأ}، استثناء منقطع معناه ما ذكرنا من الاستدراك، وقيل: هو متصل معناه ما ثبت ولا وجد قتل المؤمن للمؤمن إلا خطأ، وهو نفي بمعنى النهي للمبالغة.
{ومن قتل مؤمنا خطأ}، بأن ظنه كافرا محاربا، والكافر الحربي - غير المعاهد والمستأمن والذمي - من إذا لم تقتله قتلك إذا قدر على قتلك، أو أراد رمي صيد أو غرض فأصاب المؤمن، أو ضربه بما لا يقتل عادة كالصفع باليد أو الضرب بالعصا فمات وهو لم يكن يقصد قتله فتحرير رقبة مؤمنة، أي: فعليه من الكفارة على عدم تثبته تحرير رقبة مؤمنة، أي عتق رقبة نسمة من أهل الإيمان من الرق ; لأنه لما أعدم نفسا من المؤمنين كان كفارته أن يوجد نفسا، والعتق كالإيجاد، كما أن الرق كالعدم.
عبر بالرقبة عن الذات لأن الرقيق يحني رقبته دائما لمولاه، كلما أمره ونهاه، أو يكون مسخرا له كالثور الذي يوضع النير على رقبته لأجل الحرث، ولهذا قال جمهور العلماء: لا يجزئ عتق الأشل ولا المقعد ; لأنهما لا يكونان مسخرين ذلك التسخير الشديد في الخدمة الذي يحب الشارع إبطاله وتكريم البشر بتركه، ومثلهما الأعمى والمجنون الذي قلما يصلح للخدمة وقلما يشعر بذل الرق.
وروي عن مالك أنه لا يجزئ عتق الأعرج الشديد العرج، والأكثرون على أنه يجزئ كالأعور وتفصيل هذه الأحكام في كتب الفقه، والحر العتيق في أصل اللغة كريم الطباع، ويقولون: الكرم في الأحرار واللؤم في العبيد، وإنما يكونون لؤماء لأنهم يساسون بالظلم، ويسامون الذل، والتحرير جعل العبد حرا.
واختلفوا في تحديد معنى المؤمنة هنا، فروي عن ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم من مفسري السلف وفقهائهم أنها التي صلت وعقلت الإيمان، ويظهر هذا في الكافر الذي يسلم دون من نشأ في الإسلام، وقال آخرون من فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي: إن كل من يصلى عليه إذا مات يجوز عتقه في الكفارة، وهذا هو التعريف المناسب لزمنهم الذي كثر فيه الأرقاء الناشئون في الإسلام.
وروى ابن جرير في سبب نزول هذه الآية عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج الحارث مهاجرا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فنزلت الآية فقرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال له: " قم فحرر " رواه ابن جرير وابن المنذر عن السدي بأطول من هذا، وروي عن ابن زيد أنها نزلت في رجل قتله أبو الدرداء في سرية حمل عليه بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فضربه.
ثم قال: {ودية مسلمة إلى أهله}، أي وعليه من الجزاء مع عتق الرقبة دية يدفعها إلى أهل المقتول، فالكفارة حق الله، والدية ما يعطى إلى ورثة المقتول عوضا عن دمه أو عن حقهم فيه، وهي مصدر ودى القتيل يديه وديا ودية - كعدة وزنة من الوعد والوزن - ويعرفها الفقهاء بأنها المال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو فيما دونها، وقد أطلق الكتاب الدية وذكرها نكرة فظاهر ذلك أنه يجزئ منها ما يرضي أهل المقتول وهم ورثته قل أو كثر، ولكن السنة بينت ذلك وحددته على الوجه الذي كان معروفا مقبولا عند العرب.
وأجمع الفقهاء على أن دية الحر المسلم الذكر المعصوم - أي المعصوم دمه بعدم ما يوجب إهداره - مائة بعير مختلفة في السن وتفصيلها في كتب الفقه، وقالوا: يجوز العدول عن الإبل إلى قيمتها، والعدول عن أنواعها في السن بالتراضي بين الدافع والمستحق، وإذا فقدت وجبت قيمتها، ودية المرأة - ومثلها الخنثى - نصف دية الرجل، والأصل في ذلك أن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أكبر من المنفعة التي تفوت بفقد الأنثى فقدرت بحسب الإرث، وظاهر الآية أنه لا فرق بين الذكر والأنثى.
وفي حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان في كتابه:
" { أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل - إلى أن قال بعد ذكر قود الأعضاء - وعلى أهل الذهب ألف دينار } "، وهذا يدل على أن دية الإبل على أهلها التي هي رأس مالهم، وأن على أهل الذهب الدية من الذهب.
وظاهر الحديث أن الدية على الذين يتعاملون بالنقد كأهل المدن تكون من الذهب والفضة وأن هذا الأصل لا قيمة للإبل، وسيأتي مزيد لبحث الدية في دية الكافر، والحديث روي مرسلا عند أبي داود والنسائي، وموصولا عند غيرهما، واختلف فيه وعمل به الجماهير.
والاعتباط: القتل بغير سبب شرعي، من اعتبط الناقة إذا ذبحها لغير علة، والقود - بالتحريك - القصاص ; أي: يقتل به إلا إذا عفا عنه أولياء المقتول.
وقوله - تعالى -: {إلا أن يصدقوا}، معناه أن الدية تجب على قاتل الخطأ لأهل المقتول، ألا أن يعفوا عنها ويسقطوها باختيارهم فلا تجب حينئذ ; لأنها إنما فرضت لهم تطييبا لقلوبهم وتعويضا عما فاتهم من المنفعة بقتل صاحبهم وإرضاء لأنفسهم عن القاتل حتى لا تقع العداوة والبغضاء بينهم.
فإذا طابت نفوسهم بالعفو عنها حصل المقصود، وانتفى المحذور ; لأنهم يرون أنفسهم بذلك أصحاب فضل، ويرى القاتل لهم ذلك، وهذا النوع من الفضل والمنة لا يثقل على النفس حمله، كما يثقل عليها حمل منة الصدقة بالمال، وقد عبر عنه بالتصدق للترغيب فيه.
{فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن}، أي فإن كان المقتول من أعدائكم والحال أنه هو مؤمن كالحارث بن يزيد، كان من قريش وهم أعداء للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين يحاربونهم، وقد آمن ولم يعلم المسلمون بإيمانه لأنه لم يهاجر وإنما قتله عياش في حال خروجه مهاجرا لأنه لم يعلم بذلك ومثله كل من آمن في دار الحرب ولم يعلم المسلمون بإيمانه إذا قتل فتحرير رقبة مؤمنة، أي: فالواجب على قاتله عتق رقبة من أهل الإيمان فقط، ولا تجب الدية لأهله لأنهم أعداء محاربون، فلا يعطون من أموال المسلمين ما يستعينون به على عداوتهم وقتالهم، وقيل: إن ديته واجبة لبيت المال، ولو صح هذا لما سكت عنه الكتاب في معرض البيان.
{وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق}، وهم المعاهدون لكم على السلم لا يقاتلونكم ولا تقاتلونهم، كما عليه الدول في هذا العصر، كلهم معاهدون قد أعطى كل منهم للآخرين ميثاقا على ذلك، وهو ما يعبر عنه بالمعاهدات وحقوق الدول ومثلهم أهل الذمة بعموم الميثاق أو بقياس الأولى {فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة}، أي فالواجب في قتل المعاهد والذمي هو كالواجب في قتل المؤمن: دية مسلمة إلى أهله تكون عوضا في حقهم، وعتق رقبة مؤمنة كفارة عن حق الله - تعالى - الذي حرم قتل الذميين والمعاهدين، كما حرم قتل المؤمنين، وقد نكر الدية هنا كما نكرها هناك، وظاهره أنه يجزئ كل ما يحصل به التراضي، وأن للعرف العام والخاص حكمه في ذلك ولا سيما إذا ذكر في عقد الميثاق أن من قتل تكون ديته كذا وكذا، فإن هذا النص أجدر بالتراضي وأقطع لعرق النزاع، وسيأتي ما ورد من الروايات المرفوعة والآثار في ذلك.
وقد قدم هنا ذكر الدية، وأخر ذكر الكفارة، وعكس في قتل المؤمن، ولعل النكتة في ذلك الإشعار بأن حق الله - تعالى - في معاملة المؤمنين مقدم على حقوق الناس، ولذلك استثنى هنالك في أمر الدية فقال: {إلا أن يصدقوا} ; لأن من شأن المؤمن العفو والسماح، والله يرغبهم فيما يليق بكرامتهم ومكارم أخلاقهم، ولم يستثن هنا ; لأن من شأن المعاهدين المشاحة والتشديد في حقوقهم، وليسوا مذعنين لهداية الإسلام فيرغبهم كتابه في الفضائل والمكارم.
وثم نكتة أخرى وهو أن في سماح المعاهد للمؤمن بالدية منة عليه، والكتاب العزيز الذي وصف المؤمنين بالعزة لا يفتح لهم باب هذه المنة، ومن محاسن نظم الكلام وتأليفه أن يؤخر المعطوف الذي له متعلق على ما ليس له متعلق، وما متعلقاته أكثر على ما متعلقاته أقل، وهذه نكتة لفظية لتأخير ذكر الدية في حق المؤمن إذ تعلق بها الوصف وهو قوله: {مسلمة إلى أهله}، والاستثناء وهو قوله: {إلا أن يصدقوا}.
ثم إنه لم يقل هنا في الدية {مسلمة إلى أهله}، ويدل ذلك على أن القاتل لا يكلف أن يوصل الهدية إلى أهل المقتول ألبتة وهم في غير حكم المسلمين ; إذ ربما يتعذر أو يتعسر عليه ذلك، ولأنها حق لهم فعليهم أن يحضروا لطلبه وأخذه، وقد يكون من شروط العهد أن تعطى إلى رؤساء قوم المقتول وحكامهم الذين يتولون عقد العهود والمواثيق، أو إلى من ينيبونه عنهم في دار الإسلام، فوسع الله في ذلك، هذا ما ظهر لي في هذه الإطلاقات والقيود ونكتها ولم أر من بينها.
هذا هو الذي تعطيه الآية في دية غير المسلم - إذا لم يكن محاربا - وناهيك به عدلا، وقد اختلف الفقهاء في دية غير المسلمين لاختلاف الرواية وعمل الصدر الأول فيه، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"عقل الكافر نصف دية المسلم" ، رواه أحمد والترمذي وحسنه، وفي لفظ: " قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين "، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه مقال معروف والجمهور على قبوله.
والمراد بالعقل الدية ; لأن الأصل فيها عند العرب الإبل تعقل في فناء دار أهل المقتول، ولفظ الكافر في الحديث عام يشمل الكتابي وغيره، ورواية أهل الكتابين لا تصلح لتخصيصه ولا لتقييده فإنها صادقة في نفسها، ومفهوم اللقب ليس بحجة، وفي رواية أخرى للحديث: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم. قال: وكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق - الفضة - اثني عشر ألفا - أي من الدراهم - وعلى أهل البقرة مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية، رواه أبو داود.
وروى الشافعي والدارقطني والبيهقي وابن حزم عن سعيد بن المسيب، قال: " كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف والمجوسي ثمانمائة "، وفي إسناده ابن لهيعة ضعيف، والمراد أربعة آلاف درهم وثمانمائة درهم، والأربعة الآلاف هي نصف دية المسلم على ما كان عليه العمل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وثلثها بحسب تعديل عمر، ولذلك قال الشافعية: إن دية الذمي ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم.
واحتجوا بأثر عمر وهو ضعيف ومعارض للحديث المرفوع، ولو صح لما وجدنا له مخرجا إلا فهم عمر وغيره من الصحابة أن ما كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حتما، وأنهم علموا منه أن الأمر في الدية اجتهادي ومداره على التراضي كما أشرنا إلى ذلك في بيان ظاهر عبارة الآية.
وذهب الزهري والثوري وزيد بن علي وأبو حنيفة إلى أن دية الذمي كدية المسلم، وروي عن أحمد أن ديته كدية المسلم إن قتل عمدا، وإلا فنصف ديته، واحتج القائلون بالمساواة بظاهر إطلاق الآية في أهل الميثاق، وهم المعاهدون وأهل الذمة، ونوزعوا في هذا الاحتجاج.
وبما رواه الترمذي عن ابن عباس وقال غريب: " إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان لهما عهد من النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشعر به عمرو - بدية المسلمين "، وثم روايات أخرى عنه في ذلك، وبما أخرجه البيهقي عن الزهري: إن دية اليهودي والنصراني كانت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل دية المسلم وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف في بيت المال.
ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف وألغى ما كان جعل معاوية. وأجيب بأن حديث ابن عباس في إسناده أبو سعيد البقال وهو سعيد المرزبان ولا يحتج بحديثه، وحديث الزهري مرسل ومراسيله لا يحتج بها ; لأنه - لسعة حفظه - لا يرسل إلا لعلة، على أن هذا في المعاهد، وحق الذمي أقوى من حق المعاهد لخضوعه لأحكامنا.
وجملة القول أن الروايات القولية والعملية مختلفة متعارضة، ولذلك اختلف فيها الفقهاء وظاهر الآية أن أمر الدية منوط بالعرف وبالتراضي، والأقرب أن اختلاف السلف في العمل كان لأجل هذا.
هذا، وإن ظاهر الآية أن الدية على القاتل، ولكن بينت السنة أن العاقلة هم الذين يدفعون الدية عنه سواء كانت إبلا أو نقدا، وهم عصبته وعشيرته الأقربون - وتسمى العاقلة - الآن - العائلة بالهمزة وهو من تحريف العامة - وإنما جعلت السنة الدية على العاقلة لا على القاتل ; لأن الخطأ قد يتكرر فيذهب بمال الرجل كله ولأجل تقرير التضامن بين الأقربين، وإذا عجزت العاقلة من عصبة النسب ثم السبب عن دفعها جعلت في بيت المال، والله أعلم.
{فمن لم يجد}، الرقبة التي يعتقها كأن انقطع الرقيق كما هو مقصد الإسلام، - وهذه العبارة تشعر بهذا المقصد - أو لم يجد المال الذي يشتريها به من مالكها ليحررها من رقه - وحذف المفعول يدل على الأمرين معا {فصيام شهرين متتابعين} أي فعليه صيام شهرين قمريين متتابعين لا يفصل بين يومين من أيامهما إفطار في النهار، فإن أفطر يوما بغير عذر شرعي استأنف وكان ما صامه قبله كأن لم يكن، ولم يفرض على من لا يستطيع الصيام إطعام مسكينا كما فرضه في كفارة الظهار، وبعض الفقهاء يقيس هذه الكفارة على تلك، ومنهم من لا يقيس كالشافعي وهو الظاهر، وما يدرينا أن هذا فرض قبل ذاك، فلم يخطر في بال أحد ممن نزل في عهدهم أن للصيام بدلا على من عجز عنه وهو إطعام مسكين عن كل يوم.
{توبة من الله}، أي شرع الله لكم ما ذكر توبة منه عليكم فهو يريد به أن يتوب عليكم لتتوبوا وتطهر نفوسكم من التهاون وقلة التحري التي تفضي إلى قتل الخطأ {وكان الله عليما حكيما} أي: عليما بأحوال نفوسكم وما يصلحها من التأديب، حكيما فيما يشرعه لكم من الأحكام، ويهديكم إليه من الآداب، فإذا أطعتموه فيه صلحت نفوسكم وتزكت وصارت أهلا لسعادة الدنيا والآخرة.
بعد هذا أذكر ما عندي في الآية عن الأستاذ الإمام، وهو بيان لروح الهداية فيها لا لأحكامها ومدلول ألفاظها، فإنه استغنى عن هذا بشرح ما قاله الجلال فيه قالرحمه الله - تعالى - ما مثاله:
هذه الآية جاءت بعد أن ورد ما ورد في المذبذبين الذين أذن الله بقتلهم، إلا من استثنى للتناسب، وتتميم أحكام القتل، فذكر هنا أن من شأن المؤمن ألا يقتل مؤمنا لأن الإيمان مانع ذلك وبيانه من وجهين (أحدهما): أن المؤمن إنما يصح إيمانه ويكمل إذا كان يشعر بحقوق الإيمان عليه، وهي حقوق لله وحقوق للعباد، ومن حدود حقوق المؤمنين أن في القصاص حياة لما فيه من الزجر عن القتل، فالمؤمن الصادق يشعر بهذا الحق وهذه الحياة، وأنه إذا أخل بحقوق الدماء فقد استهزأ بحياة الأمة، ومن استهزأ بحياة الأمة ولم يحترم أكبر حقوقها، ولم يبال بما يقع فيه المؤمنون من الخطر فأمره معلوم، فإنه باعتدائه على مؤمن قد هدم ركنا من أركان قوة الإيمان وحزبه، وذلك آية عدم المبالاة بقوة الإيمان وقوامه، والمؤمن غيور على الإيمان فلا يصدر منه ذلك أي ليس من شأنه أن يصدر عنه.
أقول: ويؤيد ما قاله الأستاذ قوله - تعالى -:
{ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا } [المائدة: 32].
ثم ذكر سبب العقوبة على الخطأ في الأمور العظيمة كأمر القتل، وهو أن الخطأ فيه لا يخلو من التهاون وعدم العناية بالاحتياط، ومثل الخطأ في هذا الأمر النسيان، ولولا أن من شأنهما أن يعاقب الله عليهما لما أمرنا - تعالى - بالدعاء بألا يؤاخذنا عليهما بقوله في آخر سورة البقرة:
{ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } [البقرة: 286]، ولم يخبرنا أنه رفع عنا المؤاخذة عليهما في الدنيا والآخرة، وقد ثبت بنص القرآن أن آدم نسي ومع ذلك سميت مخالفته معصية وعوقب عليها، ولكن ورد في الحديث: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وهو معقول ولا ينافي ما قلناه فإن عقاب قتل الخطأ ليس هو عقاب قتل العمد، وهو " النفس بالنفس "، وأما في الآخرة فلا يؤاخذنا بما نفعله مخالفا لأمره إذا نسينا أو أخطأنا فيرجى أن يستجيب الله دعاءنا.
أقول: والحديث الذي ذكرناه ورد هكذا في كتب الفقه والأصول، ولا يعرف بهذا اللفظ في كتب الحديث، وقد رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم بلفظ: وضع الله عن هذه الأمة ثلاثا: الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه وقد وثقوا رواته وصححه ابن حبان.
ثم بين - تعالى - حكم قتل المؤمن تعمدا بما يوافق مفهوم هذه الآية من كونه ليس من شأنه أن يقع من مؤمن، فلم يذكر له كفارة بل جعل عقابه أشد عقاب توعد به الكافرين فقال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}، قال الأستاذ الإمام: هذا فرع عن كون القتل ليس من شأن المؤمن مع المؤمن لأنه ينافي الإيمان، وقال ابن عباس: هذه الآية آخر آية نزلت في عقاب القتل.
وقال بعض الصحابة: إن قوله - تعالى -:
{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 48]، نزل قبل هذه الآية بستة أشهر، فهذه الآية مخصصة له وقد قلنا من قبل: إن قوله تعالى: {لمن يشاء}، فيه مع تغليظ أمر الشرك أن كل شيء بمشيئته تعالى، فلو شاء أن يخصص أحدا بالمغفرة فلا مرد لمشيئته.
وقد يقال: إنه أخرج من هذه المشيئة من يقتل مؤمنا متعمدا، فآية: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، نزلت ترغيبا للمشركين الذين آذوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإيمان، وهم الذين نزل فيهم
{ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } [الأنفال: 38]، وقد نقل عن ابن عباس أن قاتل العمد لا توبة له وقالوا: إن آية الفرقان نزلت في المشركين، والتوبة فيها متعلقة بعدة أعمال منها القتل ومنها الشرك.
أقول: ويعني بآية الفرقان قوله - تعالى -:
{ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } [الفرقان: 70]، بعد أن ذكر من صفات عباد الرحمن أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، وتوعد على ذلك كله بمضاعفة العذاب والخلود فيه.
(قال): وقد يقال: كيف تقبل التوبة من المشرك القاتل الزاني، ولا تقبل من المؤمن الذي ارتكب القتل وحده؟ ويمكن أن يجاب - من القائلين بعدم توبة القاتل - بأن المشرك الذي لم يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور له شبه عذر ; لأنه كان متبعا لهواه بالكفر وما يتبعه، ولم يكن ظهر له صدق النبوة وما يتبع ذلك، فلما ظهر له الدليل على أن ما كان عليه هو كفر وضلال تاب وأناب وآمن وعمل الصالحات، فهو جدير بالعفو وإن كان في إجرامه السابق مقصرا في النظر والاستدلال، وأما المؤمن الموقن بصحة النبوة وتحريم الله للقتل وجعله قاتل النفس البريئة كقاتل الناس جميعا فلا عذر له، بل لا يعقل أن يرجح هواه على إيمانه مع أنه لم يطرأ على إيمانه من الشك الاضطراري ما يكون له شبه عذر.
أما إذا طرأ عليه ذلك فإن حكمه حكم القاتل الكافر، وذلك أن الكافر الذي بلغته الدعوة ولم يؤمن لم يعرض عن الإيمان إلا لأن الدليل لم يظهر له على صحة النبوة، وهو يعاقب على التقصير في النظر وتصحيح الاستدلال حتى يخلد في النار، وإذا أحسن النظر وتبين له الهدى فآمن واهتدى يغفر له ما قد سلف في زمن الكفر ; لأنه كان عملا مرتبا على الكفر، والكفر نفسه كان خطأ منه فأشبه قتله قتل الخطأ، ومثله من أخطأ في الدليل بعد التسليم به لشبهة عرضت له فيه، فمعصيته لم تكن تهاونا بأمر الله - عز وجل - ولا استهزاء بآياته ولا دليلا على إيثاره لهواه على ما عند الله.
أما القاتل المؤمن فأمره على غير ذلك، فإنه مؤمن بالله وبرسوله وبما جاء به إيمان يقين وإذعان لما جاء به الدين من تعظيم أمر الدماء، وهو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير بحكم الإيمان، فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر الله وحكمه، وحل ما عقده، وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته، وتجرئة الناس على مثل ذلك حتى يهن المسلمون ويضعفوا ويكون بأسهم بينهم شديدا؟ لا جرم أن عقابه يكون شديدا لا تقبل توبته.
ومن نظر إلى انحلال أمر الإسلام والمسلمين بعدما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا، وأن القاتل لا يعذر بهذه الجرأة على هذه الجريمة وهو لم تعرض له شبهة في أمر الله، إذ لا رائحة للعذر في عمله بل هو مرجح للغضب وحب الانتقام وشهوة النفس على أمر الله - تعالى -، ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة ويدل على هذا قوله - تعالى -:
{ ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } [آل عمران: 135].
وتأمل قوله: {يعلمون}، ولو سمح الله أن يفضل أحد شهوته أو حميته وغضبه على الله ورسوله وكتابه ودينه والمؤمنين، ووعده بالمغفرة لتجرأ الناس على كل شيء، ولم يكن للدين ولا للشرع حرمة في قلوبهم، فهذا تقرير قول من قالوا: إن القاتل لا تقبل توبته ولا بد من عقابه، والروايات فيه عن الصحابة والسلف كثيرة تراجع في تفسير ابن جرير.
هذا ما عندنا عن الأستاذ الإمام في هذه الرواية، وهو من خير ما يبين به وجه ما ذهب إليه المشددون في هذه الجناية، وقال الزمخشري في الكشاف:
هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد، أمر عظيم، وخطب غليظ، ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة.
وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على سنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلا.
وفي الحديث
"لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم، وفيه: لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه" ، وفيه. "إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه، وفيه من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" .
والعجب من قوم يقرءون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [محمد: 24]، اهـ.
أقول: وقد استكبر الجمهور خلود القاتل في النار وأوله بعضهم بطول المكث فيها، وهذا يفتح باب التأويل لخلود الكفار فيقال: إن المراد به طول المكث أيضا، وقال بعضهم: إن هذا جزاءه الذي يستحقه إن جازاه الله - تعالى -، وقد يعفو عنه فلا يجازيه، رواه ابن جرير عن أبي مجلز.
وفيه أن الأصل في كل جزاء أن يقع لاستحالة كذب الوعيد كالوعد، وأن العفو والتجاوز قد يقع في بعض الأفراد لأسباب يعلمها الله - تعالى -، فليس في هذا التأويل تفص من خلود بعض القائلين في النار، والظاهر أنهم يكونون الأكثرين ; لأن الاستثناء إنما يكون في الغالب للأقلين.
وقال بعضهم: إن هذا الوعيد مقيد بقيد الاستحلال، والمعنى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا لقتله، مستحلا له فجزاؤه جهنم خالدا فيها إلخ، وفيه أن الآية ليس فيها هذا القيد، ولو أراده الله - تعالى - لذكره كما ذكر قيد العمد، وأن الاستحلال كفر فيكون الجزاء متعلقا به لا بالقتل، والسياق يأبى هذا.
وقال بعضهم: إن هذا نزل في رجل بعينه فهو خاص به وهذا أضعف التأويلات، لا لأن العبرة بعموم اللفظ دون خصوص السبب فقط، بل لأن نص الآية على مجيئه بصيغة العموم " من الشرطية " جاء بفعل الاستقبال فقال:
{ومن يقتل} ولم يقل: "ومن قتل"، وقال آخرون: إن هذا الجزاء حتم إلا من تاب وعمل من الصالحات ما يستحق به العفو عن هذا الجزاء كله أو بعضه، وفيه أنه اعتراف بخلود غير التائب المقبول التوبة في النار، ولعل أظهر هذه التأويلات قول من قال: إن المراد بالخلود طول المكث ; لأن أهل اللغة استعملوا لفظ الخلود وهم لا يعتقدون أن شيئا يدوم دواما لا نهاية له، وكون حياة الآخرة لا نهاية لها لم يؤخذ من هذا اللفظ وحده بل من نصوص أخرى.
إن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان يقول: إن قاتل المؤمن عمدا لا توبة له، كما ذكرنا ذلك في عبارة شيخنا وعبارة الكشاف، ونقل ابن جرير القول بقبول توبته عن مجاهد وهو تلميذ ابن عباس، وذكر روايات كثيرة عن ابن عباس في عدم قبول توبته، منها رواية سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}، فقال: أفرأيت فإن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى له التوبة؟ فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم -
"يقول: ثكلته أمه رجل قتل رجلا متعمدا جاء يوم القيامة آخذا بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه دما من قبل عرش الرحمن يلزم قاتله بيده الأخرى يقول: سل هذا فيم قتلني؟" والذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسخها من آية أخرى حتى قبض نبيكم - صلى الله عليه وسلم - وما نزل بعدها من برهان، وفي رواية أخرى: فما جاء نبي بعد نبيكم ولا نزل كتب بعد كتابكم.
وروى ابن جرير أيضا عن سعيد بن جبير أن عبد الرحمن بن أبزى أمره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين اللتين في النساء {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} إلى آخر الآية، والتي في الفرقان
{ ومن يفعل ذلك يلق أثاما، إلى ويخلد فيه مهانا } [الفرقان: 68، 69].
قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمنا متعمدا فلا توبة له، وأما التي في الفرقان فإنها لما نزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله، أي: أشركنا - وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق فما ينفعنا الإسلام؟ قال: فنزلت: {إلا من تاب}.
وفي رواية أخرى قال: إنها نزلت في أهل الشرك.
وروي عنه أنه قال: إن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بسنة، وفي رواية أخرى بثماني سنين وهذه أقرب، فإن سورة الفرقان مكية حتما، وسورة النساء مدنية نزل أكثرها بعد غزوة أحد كما تقدم، وأما الرواية التي ذكرها الأستاذ الإمام، وهي أنها نزلت بعدها بستة أشهر فقد رواها ابن جرير عن زيد بن ثابت، وروي عن ابن مسعود أن الآية محكمة وما تزداد إلا شدة، وعن الضحاك أنه ما نسخها شيء وأنه ليس له توبة.
وقد بين الأستاذ الإمام الفرق بين قبول توبة المشرك من الشرك وما يتبعه من الجرائم، وعدم قبول توبة المؤمن من القتل على قول ابن عباس، وهو فرق واضح معقول من وجه وغير معقول من وجه آخر، وهو أنه لا ينطبق على قاعدتنا في حكمة الله في الجزاء على الشرك والذنوب، وعلى الإيمان والأعمال الصالحة، وقد بيناها مرارا كثيرة، وهي أن الجزاء تابع لتأثير الاعتقاد، والعمل في تزكية النفس أو تدسيتها.
نعم، إن إقدام المرء بعد الإيمان ومعرفة ما عظم الله - تعالى - من تحريم الدماء، وما شدد من الجزاء على جريمة القتل، يكاد يكون ردة عن الإسلام، وهو أولى بما ورد في الصحيح لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن إلخ، وقد تقدم في بحث التوبة من تفسير هذه السورة - فإن القتل أكبر إثما وأشد جرما من الزنا والسرقة وشرب الخمر التي ورد بها الحديث، ولكن لا نسلم ما قاله شيخنا من أنه ليس لفاعله شبهة عذر بعد الإسلام، وإذا سلمنا ذلك وحكمنا بأن نفس القاتل قد صارت بالقتل شر النفوس وأشدها رجسا، وأبعدها عن موجبات الرحمة، وهو معنى ما في الآية من اللعنة، فلا نستطيع أن نحكم بأن صلاحها بالتوبة النصوح والمواظبة على الأعمال الصالحة متعذر ولا متعسر.
أما شبهة العذر أو شبهه فقد يظهر فيمن كان شديد الغضب حديد المزاج، إذا رأى من خصمه ما يثير غضبه وينسيه ربه، فقد يندفع إلى القتل لا يملك فيه نفسه، إلا أن يقال إن هذا القتل لا يعد من العمد أو التعمد الذي هو أبلغ من العمد لما في صيغة التفعل من الدلالة على معنى التربص أو التروي في الشيء، وقد ذكروا أن الضرب بما لا يقتل في الغالب إذا أفضى إلى القتل لا يسمى عمدا بل شبه عمد كالضرب بالعصا، وإنما العمد ما كان بمحدد وما في معناه مما جرت العادة بكونه بقتل كبندق الرصاص المستعمل في هذا الزمان بآلاته الجديدة كالبندقية والمسدس، واشترطوا فيه أن يقصد به القتل فإنه قد يطلق الرصاص عليه بقصد الإرهاب وهو ينوي ألا يصيبه فيصيبه بدون قصد، ولفظ التعمد يدل على هذا وعلى أكثر منه كما قلنا آنفا.
وأما كون القاتل قد تصلح نفسه وتتزكى بالتوبة النصوح فهو معقول في نفسه وواقع ويدخل في عموم ما ورد في التوبة، ولا نعرف نفسا غير قابلة للصلاح، إلا نفس من أحاطت به خطيئته وران على قلبه ما كان يكسب من الأوزار، بطول الممارسة والتكرار، إذ يألف بذلك الشر ويأنس به حتى لا تتوجه نفسه إلى حقيقة التوبة بكراهة ما كان عليه ومقته والرجوع عنه، لا أنه يتوب ولا يقبل الله توبته.
فمن وقعت منه جريمة القتل فأدرك عقبها أنه تعرض بذلك للخلود في النار، واستحق لعنة الله - تعالى - والطرد من رحمته وباء بغضبه، وتهوك في عذابه العظيم، فعظم عليه ذنبه، وضاقت عليه نفسه، فندم أشد الندم فأناب واستغفر، وعزم على ألا يعود إلى هذا الحنث العظيم، ولا إلى غيره من المعاصي والأوزار، وأقبل على المكفرات، وواظب على الباقيات الصالحات إلى أن أدركه الممات، وهو على هذه الحال، فهو ولا شك في محل الرجاء، وحاش لله أن يخلد مثله في النار.
نعم إن أمراء الجور الذين يسفكون دماء من يخالفون أهواءهم، وزعماء السياسة الذين يجعلون من قوانين جمعياتهم اغتيال من يعارضهم في سياستهم، وكبراء اللصوص الذين يقتلون المؤمن وغير المؤمن بغير الحق لأجل التمتع بماله، كل أولئك الفجار، الذين يقتلون مع التعمد وسبق الإصرار، جديرون بأن ينالوا الجزاء الذي توعدت به الآية من الخلود في النار، ولعنة الله وغضبه وعذابه العظيم الذي لا يعرف كنهه سواه - عز وجل - ; لأنهم وإن كان فيهم من يعدون في كتب تقويم البلدان ودفاتر الإحصاء وسجلات الحكومة من المسلمين، ليسوا في الحقيقة من المؤمنين بالله وبصدق كتابه ورسوله فيما أخبرا به من وعيده على القتل وغيره، فهم لا يراقبون الله في عمل، ولا يخافون عذابه على ذنب، وقلما يوجد فيهم من يذكر التوبة بقلبه أو لسانه، إلا ما يذكر عن بعض عوام اللصوص من حركة اللسان ببعض الألفاظ التي لا يعقلون حقيقة معناها، ومنها: أستغفر الله وأتوب إليه، وهو يكذب في ذلك عليه.