التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
٨
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ
٩
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ
١٠
يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١١
-المائدة

تفسير المنار

نادى الله المؤمنين في الآية الأولى من هذه السورة، وأمرهم بالوفاء بالعقود عامة، ثم امتن عليهم بإباحة بهيمة الأنعام لهم إلا ما استثنى، وما حرم من الصيد في حال الإحرام، وناداهم في الآية الثانية، بل الثالثة، فنهاهم عن أشياء وأمرهم بأشياء، وحرم عليهم ما يضرهم من الطعام إلا في حال الضرورة التي يرجح فيها أخف الضررين على أشدهما، وأحل لهم الطيبات وصيد الجوارح المعلمات، وطعام أهل الكتاب ونساءهم إذا كن محصنات، وذلك في أربع آيات، وناداهم ثالثا فأمرهم بالطهارة، وامتن عليهم برفع الحرج، وذكرهم بنعمه عليهم، وميثاقه الذي واثقهم به، ثم ناداهم بعد ذلك في الآية الأولى والآية الأخيرة من هذه الآيات بما ترى.
وإذا راجعت سائر السورة تجد النداء فيها كثيرا، منه نداء بني إسرائيل في سياق الكلام عنهم، ونداء النبي صلى الله عليه وسلم مرارا، ونداء المؤمنين مرارا أيضا، هذا أسلوب في الخطاب يجوز أن يكون كل نداء منه مبدأ موضوع مستقل، لا يناسب ما قبله، على أن المناسبة بين هذه الآيات ظاهرة، فإنه تعالى بعد أن ذكرنا بميثاقه أمرنا بأن نكون قوامين له، شهداء بالقسط، وذكرنا بوعده ووعيده; لأننا بذلك يرجى أن نفي بميثاقه ولا ننقضه، كما نقضه الذين من قبلنا، كما حكى عنهم بعد هذه الآيات، ويظهر لك هذا الاتصال والتناسب مما يلي:
{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} القوام، هو المبالغ في القيام بالشيء، وهو الإتيان به مقوما تاما لا نقص فيه ولا عوج، وقد حذف هنا ما أمرنا بالمبالغة في القيام به، فكان عاما شاملا لجميع ما أخذ علينا الميثاق به من التكاليف حتى المباحات; أي كونوا من أصحاب الهمم العالية، وأهل الإيقان والإخلاص لله تعالى في كل عمل تعملونه من أمر دينكم أو أمر دنياكم، ومعنى الإخلاص لله في أعمال الدنيا أن تكون بنية صالحة; بأن يريد العامل بعمله الخير والتزام الحق من غير شائبة اعتداء على حق أحد، أو إيقاع ضرر به.
والشهادة بالقسط معروفة، وهي أن تكون بالعدل بدون محاباة مشهود له ولا مشهود عليه; لا لقرابته وولائه، ولا لماله وجاهه، ولا لفقره ومسكنته. فالشهادة هنا عبارة عن إظهار الحق للحاكم; ليحكم به، أو إظهاره هو إياه بالحكم به، أو الإقرار به لصاحبه.
والقسط: هو ميزان الحقوق، متى وقعت فيه المحاباة والجور - لأي سبب أو علة من العلل - زالت الثقة من الناس، وانتشرت المفاسد وضروب العدوان بينهم، وتقطعت روابطهم الاجتماعية، وصار بأسهم بينهم شديدا، فلا يلبثون أن يسلط الله تعالى عليهم بعض عباده الذين هم أقرب إلى إقامة العدل والشهادة بالقسط منهم، فيزيلون استقلالهم، ويذيقونهم وبالهم، وتلك سنة الله التي شهدناها في الأمم الحاضرة، وشهد بها تاريخ الأمم الغابرة، ولكن الجاهلين الغافلين لا يسمعون ولا يبصرون; فأنى يعتبرون ويتعظون؟.
{ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} أي ولا يكسبنكم ويحملنكم بغض قوم وعداوتهم لكم، أو بغضكم وعداوتكم لهم، على عدم العدل في أمرهم بالشهادة لهم بحقهم إذا كانوا أصحاب الحق، ومثلها هنا الحكم لهم به، فلا عذر لمؤمن في ترك العدل وعدم إيثاره على الجور والمحاباة، بل عليه جعله فوق الأهواء وحظوظ النفس، وفوق المحبة والعداوة مهما كان سببهما، فلا يتوهمن متوهم أنه يجوز ترك العدل في الشهادة للكافر، أو الحكم له بحقه على المؤمن.
ولم يكتف بالتحذير من عدم العدل مهما كان سببه والنية فيه، بل أكد أمره بقوله (اعدلوا هو أقرب للتقوى) أي قد فرضت عليكم العدل فرضا لا هوادة فيه، اعدلوا هو - أي العدل المفهوم من " اعدلوا " - أقرب لتقوى الله; أي لاتقاء عقابه وسخطه باتقاء معصيته، وهي الجور الذي هو من أكبر المعاصي; لما يتولد منه من المفاسد.
{واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} الخبرة، العلم الدقيق الذي يؤيده الاختبار; أي لا يخفى عليه تعالى شيء من أعمالكم ظاهرها وباطنها، ولا من نياتكم وحيلكم فيها، وهو الحكم العدل القائم بالقسط فاحذروا أن يخزيكم بالعدل على ترككم العدل، فقد مضت سنته العادلة في خلقه بأن جزاء ترك العدل وعدم إقامة القسط في الدنيا هو ذل الأمة وهوانها، واعتداء غيرها من الأمم على استقلالها، ولجزاء الآخرة أذل وأخزى، وأشد وأبقى، قال نبينا صلى الله عليه وسلم:
" إذا ظلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو " رواه الطبراني عن جابر.
وقد تقدم في سورة النساء:
{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } [النساء: 135] (فراجع تفسيرها في ص 270 - 373 من جزء التفسير الخامس ط الهيئة) وما أطلنا به هناك يغنينا عن الإطالة هنا، على أن ما هنا أبلغ، وإن كان أخصر; لأن حذف متعلق " قوامين " يدخل فيه القسط وغيره، وتأكيد الأمر بالعدل مع الأعداء والشهادة لهم به يفيد وجوبه مع غيرهم بالأولى.
ولما كان الأمر بالتقوى مما حتم على الإطلاق، بعد بيان أن العدل هو أقرب ما يتقى به عقاب الله في الدنيا والآخرة; لأنه قوام الصلاح للأفراد والإصلاح في الأقوام، ولما علل هذا الأمر المطلق بأن الله خبير بدقائق الأعمال وخفاياها، وكان هذا التعليل يشير إلى جزاء العاملين المتقين وغير المتقين - قال عز وجل في بيان الجزاء العام:
{وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: الأعمال الصالحات التي يصلح بها أمر العباد في أنفسهم، وفي روابطهم، ومرافقهم الاجتماعية، ومن أسسها: العدل العام التام، والتقوى في جميع الأحوال، وماذا وعدهم؟ أو ماذا في وعده لهم، والوعد من جملة القول؟ قال تعالى مبينا هذا {لهم مغفرة وأجر عظيم}.
وهذا التعبير أبلغ من تعلق الوعد بالموعود نفسه; كقوله تعالى في آخر سورة الفتح:
{ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } [الفتح: 29] لأن ما هنالك خبر واحد، لا تأكيد فيه، ولا زيادة عناية بتقريره، وما هنا خبر فيه زيادة تأكيد أو تقرير للوعد; فقد وعد وعدا مجملا من شأنه أن تتوجه النفس للسؤال عن بيانه، فهذا خبر مستقل، ثم بين ذلك الإجمال بخبر آخر أثبت فيه أن لهم مغفرة وأجرا عظيما، فكأنه قال: إنه وعدهم وعدا حسنا، أو جزاء حسنا، ثم بين أن وعده مفعول، وأن لهؤلاء الموعودين عنده كذا وكذا.
هذا إذا جعلت الجملة استئنافا بيانيا، وهو التقدير المتقدم المختار، وكذلك إذا جعلت الجملة الثانية من باب مقول القول تتضمن زيادة التقرير للموعود به، والتأكيد لوقوعه. ومعنى المغفرة: أن إيمانهم وعملهم الصالح يستر أو يمحو من نفوسهم ما كان فيها من سوء تأثير الأعمال السابقة، فيغلب فيها حب الحق والخير، وتكون صالحة لجوار الله تعالى. والأجر العظيم: هو الجزاء على الإيمان والعمل، المضاعف بفضل الله ورحمته أضعافا كثيرة.
ولما بين الوعد اقتضى أن يبين الوعيد، كما هي سنة القرآن في مثل هذا المقام، فقال:
{والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} المراد بالكفر هنا: الكفر بالله وبرسله، ولا فرق فيه بين الكفر بجميع الرسل، والكفر ببعض والإيمان ببعض، كما تقدم في سورة النساء [النساء: 150] لأن الكفر بأي رسول منهم لا يكون - ممن يعقل معنى الرسالة - إلا عنادا واستكبارا عن طاعته تعالى كما بيناه في تفسير تلك الآية. وآيات الله تعالى قسمان: آياته المنزلة على رسوله، وآياته التي أقامها في الأنفس والآفاق للدلالة على وحدانيته وكماله وتنزيهه، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه.
فهؤلاء الكفار المكذبون هم أصحاب الجحيم; أي دار العذاب. والجحيم: النار العظيمة، كما يؤخذ من قوله حكاية عن قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم
{ قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم } [الصافات: 97] ومعلوم من الآيات الأخرى أنهم جعلوا في هذا البنيان نارا عظيمة، وهذا هو الجزاء على الكفر والتكذيب بصرف النظر عن أعمال الكافرين المكذبين، ولا ينفع مع مثل هذا الكفر والتكذيب عمل، فإن إفساده للأرواح وتدسيته للنفوس لا يمحوها عمل آخر من أعمال الخير وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟.
{ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} روى غير واحد أن الآية نزلت في رجل هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم أرسله قومه لذلك، وكان بيده السيف، وليس مع النبي صلى الله عليه وسلم سلاح، وكان منفردا. وأقوى هذه الروايات ما صححه الحاكم من حديث جابر، وهي
"أن الرجل من محارب، واسمه غورث بن الحارث (قال): قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك؟ قال: الله. فوقع السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك؟ قال: كن خير آخذ، قال: (تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟) قال: أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فجاء إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس" .
وفي غير هذه الرواية أن السيف الذي كان بيد الأعرابي كان سيف النبي صلى الله عليه وسلم علقه في شجرة وقت الراحة، فأخذه الرجل، وجعل يهزه، ويهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فيكبته الله تعالى. وروى آخرون أنها نزلت في قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع بني النضير; إذ ذهب إليهم ومعه أبو بكر وعمر وعلي، رضي الله عنهم، يطلبون منهم الإعانة على دية قتل الرجلين الكلابيين، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري منصرفه من بئر معونة، وكان معهما أمان من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلم به، وقومهما محاربون.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم عاهد بني النضير على ألا يحاربوه، وأن يعينوه على الديات; فلما طلب منهم ذلك وهو بينهم أظهروا له القبول، وقالوا اقعد حتى نجمع لك. وفي رواية: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا. فلما جلس بجانب جدار دار لهم وجدوا أن الفرصة قد سنحت للغدر به، وقال لهم حيي بن أخطب: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون شرا أبدا! فهموا أن يطرحوا عليه صخرة، وفي رواية: رحى عظيمة، وإنما اعتلوا بصنع الطعام; ليكون لهم فيه وقت ينقلون الصخرة، أو الرحى إلى سطح الدار، ولا شك أنهم كانوا يريدون قتل من معه أيضا، وقيل كان معهم عثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف أيضا، وقد أعلم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فانطلق وتركهم، ونزلت الآية في ذلك.
وليس المراد أنها نزلت يومئذ، وإنما المراد أنها نزلت مذكرة بهذه القصة; فإن السورة نزلت عام حجة الوداع، وذلك بعد غزوة بني النضير التي كانت في أوائل السنة الرابعة، وقيل قبل ذلك. وعلى هذا يجوز أن تكون الآية مذكرة بهذه الحادثة وبحادثة المحاربي وأمثالهما من وقائع الاعتداء التي كانت كثيرة حتى بعد قوة الإسلام بكثرة المسلمين، دع ما كان يقع في أول الإسلام من إيذاء المشركين وعدوانهم; فهو سبحانه يذكر المؤمنين بذلك كله.
والمنة له جل جلاله في ذلك ليست قاصرة على من وقعت لهم تلك الوقائع من النبي، صلى الله عليه، والمؤمنين، بل هي منة عامة، يجب أن يشكرها له، عز وجل، كل مؤمن إلى يوم القيامة; لأن حفظه لأولئك السلف الصالحين هو عين حفظه لهذا الدين القويم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأصحابه هم الذين تلقوها عنه بالقبول، وأدوها لمن بعدهم بالقول والعمل.
ومن فوائد هذا التذكير للمتأخرين ترغيبهم في التأسي بسلفهم في القيام بما جاء به الدين من الحق والعدل والبر والإحسان واحتمال الجهد والصبر على المشاق في هذه السبيل، وهي سبيل الله، وهذا هو المعنى العام للجهاد في سبيل الله.
{واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} عطف على ما قبله; أي اذكروا نعمة الله تعالى عليكم بعنايته بكم; إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم; أي شارفوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل، فكف أيديهم عنكم، فلم يستطيعوا تنفيذ ما هموا به وكادوا يفعلونه من الإيقاع بكم. واتقوا الله الذي أراكم قدرته على أعدائكم وقت ضعفكم وقوتهم، وتوكلوا عليه وحده، فقد أراكم عنايته بمن يكلون أمورهم إليه بعد مراعاة سننه، والسير عليها في اتقاء كل ما يخشى ضره وسوء عاقبته، وعلى الله فليتوكل المؤمنون بقدرته وعنايته وفضله ورحمته، لا على أنفسهم أنفسها، ولا على أوليائهم وحلفائهم; لأن هؤلاء قد يغدرون كما غدر بنو النضير وغيرهم; ولأن أنفسهم قد يكثر عليها الأعداء، وتتقطع بها الأسباب، فتقع بين أمواج الحيرة والاضطراب، حتى تفقد البأس، وتجيب داعي اليأس.
ولا يقع هذا للمؤمن المتوكل على الله تعالى; لأنه إذا هم أن ييئس من نفسه بتقطع الأسباب، وتغليق الأبواب، وتغلب الأعداء، وتقلب الأولياء، يتذكر أن الله تعالى وليه ووكيله، وأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو الذي يجير، ولا يجار عليه، فتتجدد قوته، وتنفتق حيلته، فيفر منه اليأس، ويتجدد عنه ما اخلولق من البأس، فينصره الله تعالى بما يستفيد من الإيمان والذكرى والتوكل، وما يخذل به عدوه ويلقي في قلبه من الرعب، وبغير ذلك من ضروب عنايته، عز وجل، التي رآها كل متوكل من المؤمنين الكملة، مع سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم أيام ضعفهم وقلتهم وفقرهم، وتألب الناس كلهم عليهم.
وجملة القول أن الله تعالى أمرنا بالتقوى ثم بالتوكل؛ وإنما التقوى بذل الجهد في الوقاية من كل سوء وكل شر ومن مبادئ ذلك وأسبابه. ولا تحصل حقيقة التوكل إلا بالسير على سنة الله تعالى في نظام الأسباب والمسببات; لأن من يوكل الأمر إليه يجب أن يطاع. ومن تنكب سنن الله تعالى في العالم وخالف شرعه فيما أمر به من عمل نافع، ونهى عنه من عمل ضار، لا يصح أن يسمى متوكلا عليه واثقا به، وقد حققنا مسألة التوكل والأسباب في تفسير آل عمران (راجع ص 168 - 175 من جزء التفسير الرابع.