التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
١٠٩
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
١١٠
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
١١١
إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ
١١٢
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ
١١٣
قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ
١١٤
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ
١١٥
-المائدة

تفسير المنار

بينا في أول تفسير الآيتين 87، 88 من هذه السورة وجه الاتصال والترتيب بين مجموع آياتها وطوائفها من أولها إلى هذا السياق الأخير منها وهو يتعلق بمحاجة أهل الكتاب عامة، والنصارى منهم خاصة، وفيه ذلك المعاد والحساب والجزاء الذي ينتهي إليه أمر المختلفين في الدين وأمر المؤمنين المخاطبين بالأحكام التي سبق بيانها، وهذا هو وجه المناسبة والاتصال بين هذه الآيات وما قبلها مباشرة من آيات الأحكام. ويرى بعض المفسرين أن كلمة " يوم " أولها في متعلقات الآية أو الجملة التي قبلها كما نرى فيها يلي:
{يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} قيل: إن هذا متعلق بالفعل من آخر جملة مما قبله، والتقدير: والله لا يهدي القوم الفاسقين إلى طريق النجاة يوم يجمع الرسل في الآخرة ويسألهم عن تبليغ الرسالة وما أجابتهم به أقوامهم أو لا يهديهم يومئذ طريقا إلا طريق جهنم، وقيل: إنه متعلق بقوله: (واتقوا الله) أو بقوله: (واسمعوا) أي واتقوا عقاب الله يوم جمعه الرسل أو واسمعوا يوم يجمع الله الرسل. أي خبره وما يكون فيه.
وذهب آخرون إلى أن الآية منقطعة عما قبلها والمعنى: يوم يجمع الله الرسل ويسألهم يكون من الأهوال ما لا يفي ببيانه مقال، أو المعنى واذكر أيها الرسول يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أجبتم؟ وهذا التقدير أظهر، وله في التنزيل نظائر.
والمراد من السؤال توبيخ أممهم، وإقامة الحجة على الكافرين منهم، والمعنى أي إجابة أجبتم، أإجابة إيمان وإقرار أم إجابة كفر واستكبار؟ فهو سؤال عن نوع الإجابة لا عن الجواب ماذا كان، وإلا لقرن بالباء. وقيل: الباء محذوفة، والتقدير بماذا أجبتم. وهذا السؤال للرسل من قبيل سؤال الموءودة في قوله تعالى:
{ وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت } [التكوير: 8-9] في أن كلا منهما وجه إلى الشاهد دون المتهم لما ذكر آنفا من الحكمة، وهو يكون في بعض مواقف القيامة، ويشهدون على الأمم بعد التفويض الآتي، أو عقب سؤال غير هذا، ويسأل الله تعالى الأمم في موقف آخر أو في وقت آخر كما هو شأن قضاة التحقيق في سؤال الخصم والشهود لتحقق شرائط الحكم الصحيح كما هو المعهود، قال تعالى: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين } [الأعراف: 6-7].
ولما كان تعالى يسأل كلا من الفريقين عما هو أعلم به منه، وكان الرسل عليهم الصلاة والسلام على علم يقيني بذلك يكون جوابهم في أول العهد بالسؤال التبرؤ من العلم وتفويضه إلى الله تعالى إما لنقصان علمهم بالنسبة إلى علمه تعالى كما نقل عن ابن عباس، وإما لما يفاجئهم من فزع ذلك اليوم أو هوله أو ذهوله كما نقل عن الحسن ومجاهد و السدي وذلك قوله تعالى:
{قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب} جاء الجواب منفصلا كسائر ما يأتي من أقوال المراجعة على طريقة الاستئناف البياني، وعبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه حتى كأنه وقع، قال ابن عباس: يقولون للرب: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. يعني أنه ليس بنفي لعلمهم بإطلاق وإنما هو نفي لعلم الإحاطة الذي هو خاص بالخلاق العليم; إذ الرسل كانوا يعلمون ظاهر ما أجيبوا به من مخاطبيهم ولا يعلمون بواطنهم، ولا حال من لم يروه من أممهم، إلا ما يوحيه تعالى إليهم من ذلك، وهو قليل من كثير; ولذلك فقرنوا نفي العلم عنهم بإثبات المبالغة في علم الغيب له تعالى، فإن صيغة " علام " معناها كثير العلم، أي بكثرة المعلومات، وإلا فعلمه واحد محيط بكل شيء إحاطة كاملة. ولا يوصف تعالى بالعلامة، ولعله لما فيه من تاء التأنيث. قال تعالى لنوح عليه السلام لما سأل ربه أن ينجي ولده من الطوفان:
{ فلا تسألني ما ليس لك به علم } [هود: 46] وقال لخاتم رسله عليه الصلاة والسلام: { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم } [التوبة: 101].
وقال الفخر الرازي ما معناه: إن الرسل أرادوا أنه لم يكن لهم من حقيقة حال أممهم إلا الظن الذي هو ظاهر حالهم لا العلم القطعي الذي يتوقف على معرفة الظاهر والباطن، بدليل ما ورد في الحديث من الحكم بالظاهر (قال) فالأنبياء قالوا: لا علم لنا ألبتة بأحوالهم إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن، والظن كان معتبرا في الدنيا; لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن; لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا:
{ لا علم لنا إلا ما علمتنا } [البقرة: 32] ولم يذكروا ألبتة ما معهم من الظن؛ لأن الظن لا عبرة به في القيامة اهـ.
ونقول: إن هذا رأي ضعيف وإن بني على اصطلاح أهل الكلام والأصول في تفسير الظن والعلم، والصواب ما بيناه قبله وذلك أن الرسل يعلمون كثيرا من الحقائق علما يقينيا، كاستكبار المجرمين عن إجابة دعوتهم وإصرارهم على كفرهم ومن علمهم بذلك ما شهد به التنزيل إذ أخبرهم الله أن أولئك المعاندين لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، وأنه قد ختم على قلوبهم وحق القول عليهم، ومنهم من يكاشف النبي بحالهم ويمثلون له في النار كما كان يعلم أن بعض المؤمنين صادقون في إيمانهم وبشرهم بالجنة، وأن بعضهم ضعفاء الإيمان ولكن إيمانهم صحيح مقبول عند الله تعالى، والعلم بالظواهر يقبل في شهادتهم على الجاحدين إذ لا عبرة بالإيمان في الباطن مع الجحود في الظاهر بل هو أشد الكفر،
وقد أخبرنا الله تعالى أنهم يشهدون على أممهم، فلو كان كل ما يعرفون من أحوال أممهم ظنا لا عبرة به في القيامة لما كان لشهادتهم فائدة:
{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } [النساء: 41].
ذكر الله سؤال الرسل وجوابهم بالإجمال ثم بين بالتفصيل سؤال واحد منهم عن التبليغ وجوابه عن السؤال لإقامة الحجة على من يدعون اتباعه، وهم الذين حاجتهم هذه السورة فيما يقولون في رسولهم أوسع الاحتجاج، وأقامت عليهم البرهان في إثر البرهان، وقدم عز وجل على هذا السؤال والجواب ما خاطب به هذا الرسول من بيان نعمته عليه وآياته له التي كانت منشأ افتتان الناس به فقال:
{إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا} قال البيضاوي في قوله تعالى: (إذ قال) بدل من " يوم يجمع " وهو على طريقة
{ ونادى أصحاب الجنة } [الأعراف: 44] أي في التعبير عن المستقبل بالماضي، والمعنى أنه تعالى يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديل ما ظهر عليهم من الآيات، فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة، وغلا آخرون واتخذوهم آلهة. أو نصب بإضمار " اذكر " اهـ.
والنعمة تستعمل مصدرا واسما لما حصل بالمصدر، والمفرد المضاف يفيد التعدد والمعنى: اذكر إنعامي عليك وعلى والدتك، وقت تأييدي إياك بروح القدس إلخ. أو اذكر نعمي حال كونها واقعة عليك وعلى والدتك إذ أيدتك أي قويتك شيئا فشيئا بروح القدس الذي تقوم به حجتك، وتبرأ من تهمة الفاحشة والدتك، حال كونك تكلم الناس في المهد بما يبرئها من قول الآثمين الذين أنكروا عليها أن يكون لها غلام من غير زوج يكون أبا له، وكهلا حين بعثت فيهم رسلا تقيم عليهم الحجة بما ضلوا به عن الحجة، فكلامه في المهد هو قوله:
{ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا } [مريم: 30] إلى آخر ما ذكر في سورة مريم.
وروح القدس هو ملك الوحي الذي يؤيد الله به الرسل بالتعليم الإلهي والتثبيت في المواطن التي من شأن البشر أن يضعفوا فيها. قال تعالى في شأن القرآن:
{ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين } [النحل: 102]. وقد تقدم في موضعين من سورة البقرة، وقال تعالى: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا } [الأنفال: 12].
{وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} أي ونعمتي عليك إذ علمتك قراءة الكتاب أي ما يكتب أو الكتابة بالقلم، أي وفقتك لتعلمها، والحكمة.. وهي العلم الصحيح الذي يبعث الإرادة إلى العمل النافع بما فيه من الإقناع والعبرة والبصيرة وفقه الأحكام، والتوراة: وهي الشريعة الموسوية، والإنجيل: وهو ما أوحاه تعالى إليه من الحكم والأحكام، والبشارة بخاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد سبق لنا تفصيل القول في حقيقة التوراة والإنجيل في تفسير أول سورة آل عمران [ص 129 إلى 132 ج 3 ط الهيئة] وفي تفسير هذه السورة [ص 234 250 ج 6 ط الهيئة].
{وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني} قرأ نافع هنا وفي آية آل عمران " فتكون طائرا " والطائر واحد الطير كراكب وركب والجمهور: " فتكون طيرا " قيل: هو جمع، وقيل: اسم جمع، وأجاز أبو عبيدة وقطرب إطلاق طير على الواحد، ولعله مبني على أن أصله المصدر كما وجهه ابن سيده، ولفظ الطير مؤنث بمعنى جماعة. والخلق في أصل اللغة: التقدير؛ أي جعل الشيء بمقدار معين. يقال: خلق الإسكافي النعل ثم فراه، أي عين شكله ومقداره، ثم قطعه، قال الشاعر:

فلأنت تفري ما خلقت، وبع... ض القوم يخلق ثم لا يفري

ومنه خلق الكذب والإفك قال تعالى: { وتخلقون إفكا } [العنكبوت: 17] أي تقدرون وتزورون كلاما يأفك سامعه أي يصرفه عن الحق. ويستعمل في إيجاد الله تعالى الأشياء بتقدير معين في علمه،
والمعنى: واذكر نعمتي عليك إذ تجعل قطعة من الطين مثل هيئة الطير في شكلها ومقادير أعضائها فتنفخ فيها بعد ذلك فتكون طيرا بإذن الله ومشيئته، أو بتسهيله أو تكوينه، إذ يجعل جلت قدرته نفسك سببا لحلول الحياة في تلك الصورة من الطين، فأنت تفعل التقدير والنفخ، والله هو الذي يكون الطير،
وقد تقدم في تفسير نظير هذه الآية من سورة آل عمران كلام من شيخنا الأستاذ الإمام، مضمونه أن عيسى عليه السلام أعطي هذه الآية أي مكنه الله منها ولم يفعلها. واستدركنا على ذلك بالإشارة إلى دلالة آية المائدة هذه على وقوعها من غير جزم بذلك،
وبينا سر ذلك وحكمته عند الصوفية وهو قوة روحانية عيسى عليه السلام، ولا يبعد كتمان اليهود لهذه الآية إذا كان رآها بعضهم مرة واحدة وعده من السحر اعتقادا أو مكابرة وخاف أن تجذب قومه إلى المسيح، ولكن قوله تعالى: (بإذني) يدل على أن المسيح لم يعط هذه القوة دائما بحيث جعل السبب الروحي فيها كالأسباب الجسمانية المطردة، بل كانت هذه الآية كغيرها لا تقع إلا بإذن من الله وتأييد من لدنه،
ونكتة التعبير بالمضارع عن فعل مضى هي تصوير ذلك الماضي وتمثيله حاضرا في الذهن كأنه حاضر في الخارج، لا لإفادة الاستمرار، فإنه فعل مضى والكلام تذكير به كما وقع إذ وقع.
{وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني} عطف التذكير بإبراء الأكمه والأبرص على ما قبله مباشرة فلم يبدأ بإذ،
وبدئ بها للتذكير بإخراج الموتى، فكان عطفا على قوله: {إذ أيدتك بروح القدس} ولعل نكتة ذلك أن إبراء الأكمه والأبرص من جنس شفاء المرض الذي قد يقع بعض أفراده على أيدي غير الأنبياء المرسلين، ولا سيما من يظن المرضى فيهم الصلاح والولاية، فلما كان كذلك ذكر بالتبع لإحياء الصورة من الطير، ولما كان إحياء الموتى أعظم منه جعل نعمة مستقلة فقرن بإذ، والمراد بالأكمه والأبرص والموتى الجنس والأكمه من ولد أعمى، ويطلق على من عمي بعد الولادة أيضا. وفي كتب العهد الجديد أنه أبرأ كثيرا من العمي والبرص وأحيا ثلاثة أموات: (الأول) ابن أرملة وحيد في (نابين) كانوا يحملونه على النعش فلمس النعش وأمر الميت أن يقوم منه فقام، فقال الشعب: " قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه " أي شعب إسرائيل انتهى. (من إنجيل لوقا 7: 11 17). (الثاني) ابنة رئيس ماتت ودعاه لإحيائها فجاء بيته وقال للجميع: " تنحوا، فإن الصبية لم تمت لكنها نائمة فضحكوا عليه، فلما أخرج الجمع دخل وأمسك بيدها فقامت الصبية " والقصة في (إنجيل متى 9: 18 26) ونفيه لموتها ثم إثباته لنومها ينافي أن يكون أراد بالنوم الموت مجازا على ما نقل عنه في غير هذا الموضع، وعليه قد يقال: يحتمل أن يكون أغمي عليها فظنوا أنها ماتت فعلم بالكشف أو الوحي أنها لم تمت، والمسلمون لا يثقون بنقول القوم ولا بدقتهم في الترجمة ومراعاة ما يدل عليه الإثبات بعد النفي. (الثالث) لعازر الذي كان يحبه جدا ويحب أختيه مريم ومرثا كما يحبونه، ففي الفصل الحادي عشر من إنجيل يوحنا أنه كان مات في بيت عنيا، ووضع في مغارة، فجاء المسيح وكان له أربعة أيام فرفع عينيه إلى فوق وقال: " أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا إنك أرسلتني، ولما قال هذا: صرخ بصوت عظيم " لعازر هلم خارجا " فخرج الميت إلخ.
وملاحدة أوربة يزعمون أن لعازر تماوت بإذن المسيح والتواطؤ معه... وقد كذبوا أخزاهم الله تعالى، ولم ينقل النصارى عنه أنه أحيا أمواتا كانوا تحت التراب بعد البلى كما نقل عن دانيال عليهما السلام.
وتكرار كلمة الإذن بتقييد كل فعل من تلك الأفعال بها يفيد أنه ما وقع شيء منها إلا بمشيئة الله الخاصة وقدرته. والإذن يطلق على الإعلام بإجازة الشيء والرخصة فيه وعلى الأمر به وكذا على المشيئة والتيسير كقوله تعالى:
{ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } [البقرة: 102] ومحال أن يكون معناه بإجازته أو أمره، ومثله بل أظهر منه قوله: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله } [آل عمران: 166] أي بإرادته وتيسيره.
{وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} أي واذكر نعمتي عليك حين كففت بني إسرائيل عنك فلم أمكنهم من قتلك وصلبك وقد أرادوا ذلك وقت تكذيب كفارهم إياك وزعمهم أن ما جئت به من البينات لم يكن إلا سحرا ظاهرا، لا من جنس الآيات التي جاء بها موسى، على أنها مثلها أو أظهر منها، قرأ الجمهور (سحر) وقرأ حمزة والكسائي (ساحر) بالألف، ورسمها في المصحف الإمام بغير ألف ككلمة (ملك) في الفاتحة وتقرأ (مالك)، وكلمة (الكتب) في عدة سور تقرأ فيها (الكتاب) بالإفراد كما تقرأ في بعضها بصيغة الجمع، ولو كتبت هذه الكلمة بالألف لما احتملت إلا قراءة المد وحدها،
وظاهر أن قراءة الجمهور (سحر) يراد بها أن تلك البينات التي جاء بها من السحر وهو التمويه والتخييل الذي يري الإنسان الشيء على غير حقيقته، أو ما له سبب خفي عن غير فاعله وأن قراءة (ساحر) يراد بها أن من أتى بتلك البينات ساحر، إذ جاء بأمر صناعي أو بتخييل باطل، والمراد من القراءتين كلتيهما أن الذين كفروا بعيسى عليه السلام طعنوا في تلك الآيات بأنها سحر، وفيمن جاء بها بأنه من جنس السحرة، أي فلا يعتد بشيء مما يظهر على يديه من خوارق العادات، فأفاد أنهم لا يؤمنون وإن جاءهم بآيات أخرى، إذ لم يكن الطعن فيما كان قد جاء به لشبهات تتعلق بها، وإنما كان عن عناد ومكابرة ادعوا بهما أن السحر صنعة له يجب أن يوصف به كل شيء غريب يجيء به.
{وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} أي واذكر نعمتي عليك حين ألهمت الحواريين أن يؤمنوا بك وقد كذبك جمهور بني إسرائيل فجعلتهم أنصارا لك يؤيدون حجتك وينشرون دعوتك. والوحي في أصل اللغة الإشارة السريعة الخفية، أو الإعلام بالشيء بسرعة وخفاء كما بيناه من قبل، ولو وجد هذا التلغراف في عهد العرب الخلص لسموا خبره وحيا، والمصريون يسمونه حتى في الرسميات إشارة، وأطلق الوحي في القرآن على ما يلقيه الله تعالى في نفوس الأحياء من الإلهام كقوله تعالى:
{ وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا } [النحل: 68] وقوله: { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم } [القصص: 7] وهكذا ألقى الله تعالى في قلوب الحواريين الإيمان به وبرسوله عيسى عليه السلام، وقيل: الوحي إليهم هو ما أنزل على أنبيائهم.
والحواريون جمع حواري وهو من خلص لك، وأخلص سرا وجهرا في مودتك ومعناه في أصل اللغة الأبيض النقي اللون، والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود لبياضهن قال في اللسان: والأعراب تسمي الأمصار حواريات لبياضهن وتباعدهن من قشف الأعراب بنظافتهن قال:

فقلت إن الحواريات معطبة... إذا تفتلن من تحت الجلابيب

وأما الحور العين فهما جمع حوراء وعيناء من الحور (بالتحريك) وهو شدة بياض العين مع شدة سوادها، فالحوراء مؤنث الأحور، والحوارية مؤنث الحواري، ثم استعمل الحواري بمعنى النفي الخالص في غير اللون،
قال في اللسان، وقال بعضهم: الحواريون صفوة الأنبياء الذين خلصوا لهم. قال الزجاج: الحواريون خلصان الأنبياء عليهم السلام وصفوتهم قال: والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"الزبير ابن عمتي، وحواريي من أمتي" أي خاصتي من أصحابي وناصري قال: وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حواريون، وتأويل الحواريين في اللغة الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب اهـ.
واللغة لا تدل على النقاء من كل عيب بهذا التحديد، وإنما تدل على النقاء والخلوص مطلقا، فيكفي في صحة الإطلاق أن يكونوا قد خلصوا لنصره أو خلصوا ونقوا من الكفر والنفاق، وقد حكى الله عنهم هنا أنهم قالوا: آمنا، أي بالله ورسوله عيسى عليه السلام، وأشهدوا الله على أنفسهم أنهم مسلمون أي مخلصون في إيمانهم، مذعنون لما يترتب عليه من الأمر والنهي، وحكى عنهم في سورتي [آل عمران: 52] و [الصف 14] أنهم حين قال المسيح:
{ من أنصاري إلى الله } (ه) قالوا: { نحن أنصار الله } .
{إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} قال أبو السعود العمادي في تفسير: " إذ قال الحواريون " ما نصه: كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام وبين قومه منقطع عما قبله كما ينبئ عنه الإظهار في موقع الإضمار، و " إذ " منصوب بمضمر خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام، بطريق تلوين الخطاب والالتفات، لكن لا لأن الخطاب السابق لعيسى عليه السلام فإنه ليس بخطاب وإنما هو حكاية خطاب، بل لأن الخطاب لمن خوطب بقوله تعالى: {اتقوا الله} الآية فتأمل كأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم عقيب حكاية ما صدر عن الحواريين من المقالة المعدودة من نعم الله تعالى الفائضة على عيسى عليه السلام. اذكر الناس وقت قولهم إلخ. وقيل: هو ظرف لقالوا، أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم اهـ.
أقول: في متعلق الظرف قولان للمفسرين، رجح أبو السعود المشهور منهما وهو الأول ورد الثاني الذي جرى عليه الزمخشري في الكشاف، وهو أنه متعلق بقوله تعالى: {قالوا آمنا} أي ادعوا الإيمان وأشهدوا الله على أنفسهم أنهم مسلمون مخلصون في إيمانهم في الوقت الذي قالوا فيه ما ينافي ذلك وهو قولهم: {يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء}
ويقول الزمخشري: إن الله تعالى ما وصفهم بالإيمان والإسلام وإنما حكى قولهم حكاية ووصله بما يدل على كذبهم فيه وهو سؤالهم هذا وجوابه عليه السلام لهم إذ أمرهم بتقوى الله إن كانوا مؤمنين حقا، وإصرارهم على السؤال بعد ذلك،
ووجه رد هذا القول أنه لو كان هو المراد لقيل: " إذ قالوا يا عيسى ابن مريم " ولم يقل: (إذ قال الحواريون) ولما صح أن تكون دعوى الإيمان من الحواريين نعمة من الله على عيسى وهي كاذبة ولا أن تكون على وحي من الله تعالى،
ولكن هذا الأخير لا يرد على الزمخشري؛ لأنه فسر الوحي إلى الحواريين بالإيمان بأنه أمر الله إياهم بذلك على ألسنة الرسل،
أي أمره إياهم مع غيرهم; إذ كلف الناس كافة أن يؤمنوا بما تجيئهم به الرسل، ولكن يرد قوله أيضا تسميتهم بالحواريين وما في سورتي آل عمران والصف من إجابتهم عيسى إلى نصره، ولعله يرى أن هذا شأنهم في أول الدعوة ثم آمنوا بعد ذلك وصاروا أنصار الله ورسوله عيسى عليه السلام.
وقد حكى أبو السعود ما ذكرناه عنه: الخلاف في إيمانهم. ومنشأ هذا الخلاف كلمة " يستطيع " وقد قرأ الكسائي " هل تستطيع ربك " قالوا: أي سؤال ربك وهذه القراءة مروية عن علي وعائشة وابن عباس ومعاذ من علماء الصحابة رضي الله عنهم وقد صحح الحاكم عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه " تستطيع ربك " ومثله في ذلك غيره؛ لأن تلقين القرآن لا يتوقف على تصريح الصحابي برفعه، وقرأ الجمهور (يستطيع ربك) وهذا الذي استشكل بأنه لا يصدر عن مؤمن صحيح الإيمان، وأجاب عنه القائلون بصحة إيمانهم من وجوه:
(1) أن هذا السؤال لأجل اطمئنان القلب بإيمان العيان لا للشك في قدرة الله تعالى على ذلك، فهو على حد سؤال إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم رؤية كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه بإيمان الشهادة والمعاينة مع إقراره بإيمانه بذلك بالغيب
(2) إنه سؤال عن الفعل دون القدرة عليه فعبر عنه بلازمه
(3) إن السؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة الإلهية لا بحسب القدرة، أي هل ينافي حكمة ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء أم لا؟ فإن ما ينافي الحكمة لا يقع وإن كان مما تتعلق به القدرة، كعقاب المحسن على إحسانه وإثابة الظالم المسيء على ظلمه.
(4) إن في الكلام حذفا تقديره: هل تستطيع سؤال ربك، ويدل عليه قراءة: هل تستطيع ربك؟ والمعنى هل تستطيع أن تسأله من غير صارف يصرفك عن ذلك؟
(5) إن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة والمعنى هل يطيعك ويجيب دعاءك ربك إذا سألته ذلك؟
وأقول: ربما يظن الأكثرون أن هذا الوجه الأخير تكلف بعيد، وليس كذلك فالاستطاعة استفعال من الطوع وهو ضد الكره. قال تعالى:
{ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } [فصلت: 11] وفي لسان العرب: الطوع نقيض الكره. طاعه يطوعه وطاوعه، والاسم الطواعة والطواعية (ثم قال) ويقال: طعت له وأنا أطيع طاعة، ولتفعلنه طوعا أو كرها وطائعا أو كارها، وجاء فلان طائعا غير مكره. قال ابن سيده: وطاع يطاع وأطاع لان وانقاد، وأطاعه إطاعة وانطاع له كذلك. وفي التهذيب: وقد طاع له يطوع إذ انقاد له بغير ألف فإذا مضى لأمره فقد أطاعه. فإذا وافقه فقد طاوعه. اهـ. فيفهم من هذا أن إطاعة الأمر فعله عن اختيار ورضا; ولذلك عبر به عن امتثال أوامر الدين؛ لأنها لا تكون دينا إلا إذا كانت عن إذعان ووازع نفسي،
والذي أفهمه أن الاستفعال في هذه المادة كالاستفعال في مادة الإجابة، فإذا كان " استجاب له " بمعنى أجاب دعاءه أو سؤاله فمعنى استطاعه أطاعه أي انقاد له وصار في طوعه أو طوعا له. والسين والتاء في المادتين على أشهر معانيهما وهو الطلب، ولكنه طلب دخل على فعل محذوف دل عليه المذكور المترتب على المحذوف، فأصل استطاع الشيء طلب وحاول أن يكون ذلك الشيء طوعا له فأطاعه وانقاد له، ومعنى استجاب: سئل شيئا وطلب منه أن يجيب إليه فأجاب;
فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحة قول من قال من المفسرين أن (يستطيع) هنا بمعنى يطيع، وأن معنى يطيع يفعل مختارا راضيا غير كاره فصار حاصل معنى الجملة " هل يرضى ربك ويختار أن ينزل علينا مائدة من السماء إذا نحن سألناه أو سألته لنا ذلك؟ " والمائدة في اللغة الخوان الذي عليه الطعام، فإذا لم يكن عليه طعام لا يسمى مائدة، وقد يطلق لفظ المائدة على الطعام نفسه حقيقة أو مجازا من إطلاق اسم المحل على الحال، وهو اسم فاعل من ماد بمعنى مال وتحرك أو من ماد أهله بمعنى نعشهم وقوله: وكنت للمنتجعين مائدا كما في الأساس أي أعاشهم وسد فقرهم كأنها هي تميد من يجلس إليها ويأكل منها بمعنى اسم المفعول على حد: عيشة راضية.
{قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} أي قال عيسى لهم اتقوا الله أن تقترحوا عليه أمثال هذه الاقتراحات التي كان سلفكم يقترحها على موسى لئلا تكون فتنة لكم، فإن من شأن المؤمن الصادق ألا يجرب ربه باقتراح الآيات، أو أن يعمل ويكسب ولا يطلب من ربه أن يعيش بخوارق العادات، وعلى غير السنن التي جرت عليها معايش الناس، أو المعنى اتقوا الله وقوموا بما يوجبه الإيمان من العمل والتوكل عسى أن يعطيكم ذلك، من باب قوله تعالى:
{ ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } [الطلاق: 2-3].
{قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} أي نطلبها لأربع فوائد
(إحداها): أننا نريد أن نأكل منها لأننا في حاجة إلى الطعام، ولا نجد ما يسد حاجتنا، وقيل: المراد أكل التبرك.
(الثانية): نريد أن تطمئن قلوبنا بما نؤمن به من قدرة الله بمشاهدة خرقه للعادة، أي بضم علم المشاهدة واللمس والذوق والشم إلى علم السمع منك وعلم النظر والاستدلال.
(الثالثة): أن نعلم هذا النوع من العلم أي علم المشاهدة أن الحال والشأن معك هو أنك قد صدقتنا ما وعدتنا من ثمرات الإيمان، كاستجابة الدعاء ولو بخوارق العادات.
(الرابعة): أن نكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل فيؤمن المستعد للإيمان ويزداد الذين آمنوا إيمانا فهذا ما نراه في توجيه أقوالهم على المختار من صحة إيمانهم.
{قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين} أي لما علم عيسى عليه السلام صحة قصدهم، وأنهم لا يريدون تعجيزا ولا تجربة دعا الله تعالى بهذا الدعاء، فناداه باسم الذات الجامع لمعنى الألوهية والقدرة والحكمة والرحمة وغير ذلك فقال: (اللهم) ومعناه يا الله، ثم باسم الرب الدال على معنى الملك والتدبير والتربية والإحسان خاصة فقال: (ربنا) أي يا ربنا ومالكنا كلنا ومتولي أمورنا ومربينا أنزل علينا مائدة سماوية، جثمانية أو ملكوتية، يراها هؤلاء المقترحون بأبصارهم، وتتغذى بها أبدانهم أو أرواحهم، ولو لم يقل: من السماء، لشمل الطلب إعطاءهم مائدة من الأرض ولو بطريقة عادية، فإن كل ما يعطى من الله تعالى يسمى إنزالا لتحقق معنى العلو المطلق غير المقيد بجهة من الجهات لله سبحانه، فإنه هو العلي القاهر فوق جميع عباده.
ثم وصف عيسى عليه السلام هذه المائدة بما أحب أن يستفاد من إنزالها فقال في وصفها: (تكون لنا عيدا) أي عيدا خاصا بنا معشر المؤمنين دون غيرنا، أو تكون لنا كرامة ومتاعا لنا في عيدنا ثم قال: (لأولنا وآخرنا) وهو بدل من قوله: (لنا) الذي ذكر أولا لإفادة الحصر والاختصاص، أي عيدا لأول من آمن منا وآخر من آمن، والمتبادر أنه أراد بأولهم من كان من عند ذلك الدعاء. وبآخرهم من يؤمن بعد نزول المائدة ممن يشهد لهم من شهدها وغيرهم، ويحتمل - على بعد - أن يراد أول جماعته الحاضرين معه إيمانا وآخرهم، وروي أن المعنى يأكل منها آخر القوم كما يأكل أولهم، أو كافية للفريقين.
وكلمة العيد تستعمل بمعنى الفرح والسرور، وبمعنى الموسم الديني أو المدني الذي يجتمع له الناس في يوم معين أو أيام معينة من السنة للعبادة أو لشيء آخر من أمور الدنيا، ولذلك قال السدي في تفسير العبارة: أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني يوما نصلي فيه، وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم، وقال سلمان الفارسي (رضي الله عنه): عظة لنا ولمن بعدنا، ويصح أن يسمى طعام العيد عيدا على سبيل المجاز كما أشرنا إليه آنفا.
وقوله: (وآية منك) معناه وتكون آية وعلامة منك على صحة نبوتي ودعوتي ولعل المراد بنص قوله: (منك) مع العلم بأن كل شيء منه تعالى - ولا سيما الآيات - النص على أن الآيات إنما تكون من الله وحده. أو أن تكون المائدة من لدنه تعالى بغير وساطة منه عليه السلام تشبه السبب كالآيات السابقة،
ومما نقل عنه وعن نبينا عليهما الصلاة والسلام إطعام العدد الكثير من الطعام القليل يخلق الله الزيادة فيه، وروي عن نبينا أيضا إسقاء العدد الكثير من الماء القليل إذ وضع يده فيه فصار يزيد ويفور من بين أصابعه. فأمثال هذه الآيات - وإن كانت من الله ككل شيء - تحصل بما يشبه الأسباب، وفيها مجال لاشتباه المرتاب; لأن كل من يأخذ من ذلك الطعام أو الماء فإنما يأخذ من شيء كان موجودا وهو لم يشاهد حدوث الزيادة فيه.
وينقل الناس مثل هذا عن غير الأنبياء من الصالحين: كالسحرة والمشعوذين، وقد كان معروفا في بني إسرائيل ; ولذلك وصف الحواريون المائدة بما وصفوها به، وقال هو: (وآية منك) لتوافق مطلوبهم فلا يقترحوا شيئا آخر، وإنني أذكر حكايتين عن بعض المعاصرين توضحان ما أريد:
حدثني الثقة أن بعض رجال العلم والدين عاد مريضا من الرجال المعتقدين المشهورين بالكرامات فأقام عنده في حجرة النوم ساعة وكان قد نقه، ثم أراد الانصراف فآلى عليه أن يتعشى معه، ثم دعى بالخوان فنصب ولم يوضع عليه شيء من الطعام فجلس إليه الشيخان وصار المزور يقترح على الزائر أن يذكر ما يشتهي من ألوان الطعام، وكلما ذكر شيئا مد المزور صاحب الدار يده فأخرج صحنا من تحت كرسي أو أريكة بجانبه مملوءا بذلك اللون وهو سخن يتصاعد بخاره، حتى ذكر عدة ألوان لا تناسب بينها ولم تجر عادة البلد بالجمع بينها، وأبعد من ذلك أن تكون طبخت ووضعت تحت ذلك الكرسي وبقيت على حرارتها كل تلك المدة،
فأمثال هذه الحكاية يعدها بعض من ثبتت روايتها عنده من الخوارق، ويعدها بعضهم من الشعوذة والحيل التي اكتشف مثلها، وهو موضوع الحكاية الثانية:
حدثني شيخ من كبار شيوخ الطريق والمناصب العلمية بواقعة وقعت لوالده، وكان معتقدا محترما مع رجل غريب جاء مدينتهم وظهر على يديه عدة غرائب عدت من الكرامات. وقال: إن والده أخذ هذا الرجل مرة وطاف في ضواحي البلد مدة طويلة انتهوا في آخرها إلى المقبرة التي دفن فيها أجدادهم فزاروا قبورهم واستراحوا هنالك وشكوا ما عرض لهم من الجوع بطول المشي، فأظهر والد محدثي للشيخ الغريب أنه يمكنهم أن يستضيفوا أجداده السادة الكرام، ثم نادى أحدهم واستجداه ودس يده في تراب قبره فأخرج منه صحفة فيها عدة مكرشات (كروش غنم مطبوخة وهي محشوة بالرز واللحم والصنوبر) فأكلوا منها فإذا هي حارة، وقد استطابها الرجل الغريب جدا حتى توهم أنها ليست من طعام الدنيا، ولا أذكر أكان اختيار هذه الأكلة وإخراجها باقتراح الرجل نفسه أم باقتراح غيره وإنما أظن ظنا قويا أنها اقترحت.
قال محدثي: وسر هذه المسألة أن والدي أمر قبل خروجه بأن تطبخ عندنا هذه المكرشات ويأخذها أحد الخدم أو المربين (الشك مني) فيدفنها في ذلك القبر في صحفة مغطاة بحيث تبقى سخنة ولا يصيبها تراب، وإنما فعل ذلك لاختبار الرجل وحمله إياه على مكاشفته بحقيقة ما يعمله من الغرائب في مقابلة إخباره إياه بسر هذه المسألة، ولا أتذكر ما كان من أمرهما بعد ذلك فإنني سمعت هذه القصة في أوائل العهد بطلب العلم.
فأمثال هذه الوقائع التي يعهدها الناس في كل زمان ويعلمون أن منها ما هو حيل أو صناعة تتلقى بالتعليم والتمرين هي التي حملت بعض الناس على الشك والارتياب في آيات الأنبياء، وبعضهم على تسميتها سحرا مبينا، وبعضهم على التثبت فيها للتفرقة بين الحق والباطل، وهو ما طلبه الحواريون لأجل تحصيل العلم اليقيني الذي تطمئن به قلوبهم وتقوم به حجتهم على غيرهم، على ما اخترناه مع الجمهور من صحة إيمانهم قبل طلب المائدة، أو لأجل تحصيل اليقين في الإيمان بعد التسليم في الظاهر كما اختار الزمخشري وغيره;
ولهذه الحكمة جعل الله تعالى الآية الكبرى لرسالة خاتم رسله صلى الله عليه وسلم علمية حتى لا يبقى مجال لارتياب أحد من طلاب الحق المخلصين فيها، وهي إتيان رجل أمي عاش بين الأميين إلى سن الكهولة بكتاب فيه أعلى العلوم الإلهية والأدبية والاجتماعية والشرعية وأخبار الأمم والأنبياء السابقين الذين لم يقرأ هو ولا قومه عنهم شيئا، وغير ذلك من أخبار الغيب التي ظهر صدقها في زمنه وبعد زمنه ببلاغة عجز البلغاء عن مثلها، وأسلوب أشد إعجابا كما تقدم شرحه في تفسير سورة البقرة.
وأما قوله عليه السلام: {وارزقنا وأنت خير الرازقين} فمعناه وارزقنا منها أو من غيرها مما تتغذى به أجسامنا أيضا، وأنت خير الرازقين ترزق من تشاء بحساب وترزق من تشاء بغير حساب. ومن محاسنه أنه أخر فائدة المائدة المادية عن ذكر فائدتها الدينية الروحية أو معناها وارزقنا الشكر عليها، وربما يقويه إنذار الله من يكفر بعد إنزالها إذ قال: {قال الله إني منزلها عليكم} قرأ ابن عامر وعاصم ونافع منزلها بالتشديد من التنزيل المفيد للتكثير أو التدريج، والباقون منزلها بالتخفيف من الإنزال، وقيل: إنهما هنا بمعنى واحد، أي وعد الله عيسى بتنزيلها عليهم مرة أو مرارا، ولكنه رتب على هذا الوعد شرطا أي شرط. فقال:
{فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، مثل
{ إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر } [الكوثر: 1-2] والمعنى أن من يكفر منهم بعد هذه الآية التي اقترحوها على الوجه الذي لا يحتمل الاشتباه ولا التأويل، فإن الله تعالى يعذبه عذابا شديدا لا يعذب مثله أحدا من سائر كفار العالمين كلهم أو عالمي أمتهم الذين لم يعطوا مثل هذه الآية، وإنما يعاقب الخاطئ والكافر بقدر تأثير الخطيئة أو الكفر، والبعد فيه عن الشبهة والعذر، وما أعطي من موجبات الشكر، وأي شبهة أو عذر لمن يرى الآيات من رسوله ثم يقترح آية بينة على وجه مخصوص تشترك في العلم بها جميع حواسه، وينتفع بها في دنياه قبل آخرته فيعطى ما طلب أو خيرا منه ثم ينكص بعد ذلك كله على عقبيه ويكون من الكافرين.
وقد اختلف مفسرو السلف في المائدة، أنزلت بالفعل أم لا؟ فروي عن بعضهم أنها نزلت، واختلف هؤلاء في الطعام الذي نزل أي أعطي على وجه المعجزة من الله فأبهمه بعضهم، وقيل: هو خبز وسمك، وصرح بعضهم بأن الخبز من الشعير، وقيل: خبز ولحم، وقيل: من ثمار من الجنة، وقيل: كل شيء إلا اللحم. وقيل: كان ينزل عليهم طعام أينما ذهبوا كما كان ينزل المن على بني إسرائيل.
ولا يصح من أسانيد هذه الروايات شيء; ولذلك رجح ابن جرير نزولها إنجازا للوعد وأنه كان عليها مأكول لا نعينه، بل قال: غير جائز أن يكون سمكا وخبزا، وقال: إن العلم به لا ينفع والجهل به لا يضر
ونقول إذا: إنه يصدق بمثل ما كان ينزل على بني إسرائيل في التيه من المن الذي يجمعونه عن الحجارة وورق الشجر، وعبارة ابن عباس عند ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد من طريق عكرمة: كان طعاما ينزل عليه من السماء حيثما نزلوا، ويصدق بما يأتي عن إنجيل يوحنا من إطعام الألوف في عيد الفصح من خمسة أرغفة وسمكتين أكل منها أول ذلك الجمع كآخره.
وقال آخرون: إنها لم تنزل ألبتة. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وقال قائلون إنها لم تنزل، فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: {أنزل علينا مائدة من السماء} قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء. رواه ابن حاتم وابن جرير. قال ابن جرير. حدثنا القاسم هو ابن سلام حدثنا حجاج عن ابن جريح عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام، وعنه قال: أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا فأبوا أن تنزل عليهم
وقال أيضا: حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل. وحدثنا بشر حدثنا يزيد، وحدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.
وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما توفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودا في كتابهم بالتواتر ولا أقل من الآحاد والله أعلم اهـ. ثم ذكر الحافظ رأي الجمهور وترجيح ابن جرير له.
وذكر الرازي أن الذين قالوا بنفي نزولها احتجوا عليه بوجهين ذكرهما وأجاب عنهما فقال: (أحدهما) أن القوم لما سمعوا قوله: {أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين} استغفروا وقالوا: لا نريدها. (والثاني) أنه وصف المائدة بكونها عيدا لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة. وبعد ذكر قول الجمهور بنزولها لوجوب إنجاز الوعد الجازم غير المعلق، قال: والجواب عن الأول أن قوله: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه} شرط وجزاء لا تعلق له بقوله: {إني منزلها عليكم} والجواب عن الثاني أن يوم نزولها كان عيدا لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم اهـ.
أقول: أما جوابه عن الحجة الأولى ففي غير محله لوجهين: (أحدهما) أنها عبارة عن خبر إن صح لا ترد صحته بكون جملة الوعيد الشرطية غير متعلقة بجملة الوعد إلا إذا قاله هذان التابعيان الأجلاء من قبيل التفسير بالرأي، والأقرب أن له عندهما أصلا مرفوعا، فالأولى أن يحمل على وجه يتفق مع صدق الوعد، وهو (الوجه الثاني) وذلك بأن يقال: إن جملة الوعيد مرتبة على جملة الوعد لعطفها عليها بالفاء كما بيناه آنفا، وهذا الترتيب كاف لحمل الحواريين على ترك طلبها بل طلب الاستقامة من إنزالها.
وما كان مثل الحسن ومجاهد وقتادة من أئمة التفسير ليخفى عليهم أن الوعد غير معلق بشرط وأنه إنما جعل الوعيد مرتبا عليه ترتيبا، ولكنهم رأوا أن هذا سبب كاف في عدم معارضة الوعد لما رووه من تنصل القوم واستقالتهم من ذلك الطلب وإقالة الله إياهم منه. وحينئذ لا يكون عدم إنزالها إخلافا للوعد،
فإن من وعد غيره بشيء وأراد أن ينجزه له مرتبا عليه تكليفا أو تخويفا حمل الموعود على عدم القبول لا يسمى مخلفا.
وأما جوابه عن الحجة الثانية فهو دعوى تحتاج إلى إثبات إذ لا يثبت أنه كان عند أتباع المسيح عيد للمائدة إلا بنص عن المعصوم أو نقل يعتد به من تاريخهم، وسيأتي ما عند النصارى من ذلك وأنه ليس بعيد ليوم نزول المائدة. والظاهر أن الرازي لم يطلع عليه، ومنه يعلم ما في قول الحافظ ابن كثير: إن النصارى لا تعرف خبر المائدة وأنه ليس في كتابهم المقدس عندهم، نعم إن كتابهم أو كتبهم ليس لها أسانيد متصلة لا بالتواتر ولا بالآحاد،
ولكن يقال مع ذلك: إنه لو كان لسلفهم عيد عام للمائدة لكان من الشعائر التي تتوفر الدواعي على نقلها بالقول والعمل، ويجاب بأنه يجوز أن يكون المراد بالعيد اجتماع الحواريين وأمثالهم لصلاة ونحوها كما قيل، فإن هذا يجوز أن ينسى لإخفائهم إياه في زمن الاضطهاد، أو بأن الذين أظهروا النصرانية بعد استخفاء أهلها بالاضطهاد لا يدخلون عموم قوله: (وآخرنا) لأنهم بدلوا وهو الذي أجاب به الرازي، أو بأن المراد بالعيد الذكرى والموعظة لمؤمنيهم المتبعين له عليه السلام كما تقدم عن سلمان رضي الله عنه.
ويجوز أيضا أن يكون العيد بغير اسم المائدة، وأن يكون معنى قوله: {تكون لنا عيدا} تكون طعاما للعيد، وهو يصدق بإطعامه العدد الكثير من الخبز والسمك القليل في عيد الفصح كما يأتي قريبا.
ثم إن كتب النصارى من الأناجيل وغيرها قسمان: أحدهما قانوني وهو ما أقرته الكنيسة واعتمدته، والثاني غير قانوني وهو ما رفضته الكنيسة ولم تعتمده، ومنه إنجيل برنابا الذي صرح فيه بالتوحيد الخالص والبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإنجيل الطفولية الذي ذكر فيه مسألة جعله هيئة من الطين كهيئة الطير نفخ فيها فطارت، فيجوز أن يكون خبر هذه القصة في بعض الأناجيل التي رفضتها الكنيسة وفقدت بعد ذلك، وقد صرح يوحنا في إنجيله بأن الآيات التي عملها المسيح كثيرة لو كتبت كلها لا يسع العالم الكتب المكتوبة، وإننا نرى بعض أصحاب الأناجيل الأربعة المعتمدة كتب منها ما لم يكتبه الآخرون.
وقد صرحوا بأن أكثر كلام المسيح كان أمثالا ورموزا، ويعدون من هذه الرموز كل ما ورد من خبر الأكل والشرب في الملكوت، وكذلك بعض النصوص في الأكل والشرب في الدنيا، فما يدرينا أنهم أشاروا إلى هذه القصة ببعض التأويلات حسب فهمهم واعتقادهم، إذ كانوا ينقلون ذلك بالمعنى ثم نقل عنهم بالترجمة، وقد فقدت الأصول ولا يعلم عنها شيء يقيني كما بينا ذلك من قبل بالنقول عنهم.
وأنا أذكر هنا ما في هذه الأناجيل بمعنى قصة المائدة. جاء في أول الفصل السادس من إنجيل يوحنا أن المسيح عليه السلام ذهب إلى بحر الجليل (بحيرة طبرية) وتبعه خلق كثير لأنهم آياته، فصعد إلى جبل وجلس هناك مع تلاميذه. وهم الحواريون قال يوحنا: (4 وكان الفصح عيد اليهود قريبا 5 فرفع يسوع عينيه ونظر أن جمعا كثيرا مقبل إليه فقال لفيلبس: من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء؟ 6 وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو علم ما هو مزمع أن يفعل 7 أجابه فيلبس لا يكفيهم خبز بمائتي دينار ليأخذ كل واحد منهم شيئا يسيرا 8 قال له واحد من تلاميذه وهو أندراوس أخو سمعان بطرس 9 هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان ولكن ما هذا لمثل هؤلاء 10 فقال يسوع اجعلوا الناس يتكئون، وكان في المكان عشب كثير فاتكأ الرجال وعددهم خمسة آلاف 11 وأخذ يسوع الأرغفة وشكر ووزع على التلاميذ، والتلاميذ على المتكئين، وكذلك كل من السمكتين بقدر ما شاءوا).
ثم بين أن المسيح عاتب التلاميذ على الشبع من ذلك الخبز وقال (27 اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي، للحياة الأبدية التي يعطيكم ابن الإنسان لأن هذا الله الآب قد ختمه 28 فقالوا له ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله 29 أجاب يسوع وقال لهم هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله 30 فقالوا له فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك ماذا تعمل؟ 31 آباؤنا أكلوا المن في البرية كما هو مكتوب أنه أعطاهم خبزا من السماء ليأكلوا 32 فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء بل أبي يعطيكم الخبز الحقيقي من السماء 33 لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم 34 فقالوا أعطنا في كل حين هذا الخبز 35 فقال لهم يسوع أنا هو خبز الحياة من يقبل إلي فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدا 36 ولكنني قلت لكم إنكم قد رأيتموني ولستم تؤمنون) إلى آخر القصة وفيها تكرار أنه هو خبز الحياة النازل من السماء لا المن الذي نزل على أجدادهم، وأن من يأكل جسده ويشرب دمه فله الحياة الأبدية لأنه يثبت فيه.
فهذه القصة أولها في المائدة المادية، وآخرها في المائدة الروحية، وهي قد وقعت في عيد الفصح المتفق عليه عند اليهود والنصارى إلى اليوم، ولا يزال النصارى يحتفلون به ويأكلون فيه خبزا ويشربون خمرا باسم المسيح ويسمونه العشاء الرباني. فهذا تحريف منهم لهذه الآية بين الله أصله عندهم،
ونحن نعتقد أن القرآن مهيمن على كتبهم، فما حكاه عن أنبيائهم فهو الحق اليقين، وما نفاه فهو المنفي الذي لا يقبل الثبوت، ومن الغريب أن يوحنا يثبت هنا أن التلاميذ قالوا للمسيح بعد ما رأوا إطعامه العدد الكثير من الطعام القليل أية آية تصنع لنرى ونؤمن بك، وأنه قال لهم: إنكم قد رأيتموني ولستم تؤمنون. فهذا يوافق قول من قال: إنهم سألوا امتحانا ولم يكونوا مؤمنين حقا كما ادعوا وهو ظاهر الآيتين هنا، وإنما استدللنا على صحة إيمانهم بتسميتهم حواريين وبما في آل عمران والصف على أنه حكاية عنهم أيضا، والله أعلم بالسرائر.