التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
١
يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢
-المائدة

تفسير المنار

الوفاء والإيفاء: هو الإتيان بالشيء وافيا تاما لا نقص فيه { وأوفوا الكيل إذا كلتم } [الإسراء: 35] { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } [النحل: 91] ويقال لمن لم يوف الكيل: أخسر الكيل، وكذا الميزان، ولمن لم يوف العهد: غدر ونقض، ولكل كلمة موضع.
و (العقود): جمع عقد بالفتح، وهو مصدر استعمل اسما فجمع، ومعناه في الأصل ضد الحل، وقال الراغب: العقد: الجمع بين أطراف الشيء، أي: وربط بعضها ببعض، ويستعمل في الأجسام الصلبة; كعقد الحبل وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني; نحو عقد البيع والعهد وغيرهما. اهـ. ومنه عقدة النكاح، وفسروه في الآية بالعهد، وهو ما يعهد إليك لأجل حفظه، ويطلب منك القيام به، يقال: عقد اليمين وعقد النكاح: أبرمه
{ والذين عقدت أيمانكم } [النساء: 33] وعقد البيع، وعقدوا الشركة، ويقال عاقدته وعاهدته، وتعاقدنا وتعاهدنا. وعهد الله: كل ما عهد إلى عباده حفظه والقيام به أو التلبس به من اعتقاد وأمر ونهي. وما يتعاقد الناس عليه من العهود: هو أوثقها وآكدها، فالعقد أخص من العهد. و (البهيمة): ما لا نطق له، وذلك لما في صوته من الإبهام، لكن خص في التعارف بما عدا السباع والطير، قاله الراغب. وروي عن الزجاج أن البهيمة من الحيوان ما لا عقل له مطلقا، وفي القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم، ولو في الماء، أو كل حي لا يميز، جمعه بهائم. اهـ.
{والأنعام}: هي الإبل (العراب) والبقر والجواميس. والغنم: (الضأن والمعز) وإضافة بهيمة إلى الأنعام للبيان عند الجمهور. " كشجر الأراك " أي: أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام، وذهب بعضهم إلى أن الإضافة على معنى التشبيه; أي أحلت لكم البهيمة المشابهة للأنعام، قيل في الاجترار وعدم الأنياب، والأولى أن يقال: إن وجه الشبه المقتضي للحل هو كونها من الطيبات التي هي الأصل في الحل.
{والحرام} بضمتين، جمع حرام، وهو المحرم بالحج أو العمرة، و (شعائر الله) معالم دينه ومظاهره، وغلب في مناسك الحج، واحدها شعيرة، واشتقاقه من الشعور.
{والهدي}: جمع هدية; كجدي جمع جدية لحشية السرج والرحل، وهو ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام; ليذبح هنالك، وهو من النسك.
{والقلائد}: جمع قلادة، وهي ما يعلق في العنق، وكانوا يقلدون الإبل من الهدي بنعل أو حبل أو لحاء شجر، أو غير ذلك; ليعرف فلا يتعرض له أحد، كما كانوا يتقلدون إذا أرادوا الحج أو عادوا منه; ليأمنوا على أنفسهم.
{ويجرمنكم} من جرمه الشيء: أي حمله عليه وجعله يجرمه، أي: يكسبه ويفعله، فهو ككسب، يتعدى إلى مفعول وإلى مفعولين، وأصل الجرم قطع الثمرة عن الشجرة.
(والشنآن): البغض مطلقا، أو الذي يصحبه التقزز من المبغوض، يقال شنأه (بوزن منع وسمع) شنأ (بتثليث الشين) وشنآنا (بفتح النون وسكونها) ومشنأ ومشنأة: أبغضه، وشنئ بالضم فهو مشنوء أي مبغض، وإن كان جميلا، وضده المشنأ (كمقعد) وهو القبيح وإن كان محببا، والشنوءة: المتقزز والتقزز، وقال الراغب: شنئته: تقززته; بغضا له.
{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} روى ابن عباس أن المراد بالعقود: عهود الله التي عهد إلى عباده: " ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حد في القرآن كله، لا تغدروا ولا تنكثوا " وعن قتادة: هي عقود الجاهلية، أي ما كان من الحلف فيها، وعن عبد الله بن عبيدة: العقود الخمس: عقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة البيع، وعقدة العهد، وعقدة الحلف، وعن زيد بن أسلم: عقدة النكاح، وعقدة الشركة، وعقدة اليمين، وعقدة العهد، وعقدة الحلف.
والظاهر المتبادر أن الله - تعالى - أمرنا بالوفاء بجميع العقود الصحيحة التي عقدها علينا، والتي نتعاقد عليها فيما بيننا.
وفي روح المعاني عن الراغب، قال: العقود باعتبار المعقود والعاقد ثلاثة أضرب: عقد بين الله - تعالى - وبين العبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر، وكل واحد باعتبار الموجب له ضربان: ضرب أوجبه العقل وهو ما ركز الله - تعالى - معرفته في الإنسان فيتوصل إليه إما ببديهة العقل وإما بأدنى نظر، دل عليه قوله تعالى:
{ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم } [الأعراف: 172] الآية، وضرب أوجبه الشرع، وهو ما دلنا عليه كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فذلك ستة أضرب.
وكل واحد من ذلك; إما أن يلزم ابتداء أو يلزم بالتزام الإنسان إياه. والثاني أربعة أضرب: فالأول واجب الوفاء; كالنذور المتعلقة بالقرب، نحو أن يقول: علي أن أصوم إن عافاني الله تعالى. والثاني يستحب الوفاء به، ويجوز تركه; كمن حلف على ترك فعل مباح، فإن له أن يكفر عن يمينه ويفعل ذلك. والثالث يستحب ترك الوفاء به، وهو ما قاله صلى الله عليه وسلم: إذا حلف أحدكم على شيء، فرأى غيره خيرا منه; فليأت الذي هو خير منه، وليكفر عن يمينه والرابع واجب ترك الوفاء به نحو أن يقول: علي أن أقتل فلانا المسلم. فيحصل من ضرب ستة في أربعة: أربعة وعشرون ضربا، وظاهر الآية يقتضي كل عقد سوى ما كان تركه قربة واجبا، فافهم ولا تغفل. اهـ.
هذا أجمع كلام رأيته للمفسرين في العقود، وقد تجدد لأهل هذا العصر أنواع من المعاملات تبعها أنواع من العقود، يذكرونها في كتب القوانين المستحدثة; منها ما يجيزه فقهاء المذاهب الإسلامية المدونة، ومنها ما لا يجيزونه; لمخالفته شروطهم التي يشترطونها. كاشتراط بعضهم الإيجاب والقبول قولا حتى لو كتب اثنان عقدا بينهما على شيء قولا أو كتابة نحو: " تعاقد فلان وفلان على أن يقوم الأول بكذا والثاني بكذا، من غير ذكر إيجاب وقبول بالقول وأمضيا ما كتباه بتوقيعه أو ختمه، لا يعدونه عقدا صحيحا نافذا، وقد يصيغونه بصيغة الدين، فيجعلون التزام المتعاقدين لمباح وإيفاءهما به محرما ومعصية لله تعالى; لعدم صحة العقد. ويشترطون في بعض العقود شروطا:; منها ما يستند على حديث صحيح أو غير صحيح، صريح الدلالة أو خفيها، ومنها ما لا يستند إلا على اجتهاد مشترطه ورأيه، ويجيزون بعض الشروط التي يتعاقد عليها الناس، ويمنعون بعضها حتى بالرأي.
وأساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة أوفوا بالعقود وهي تفيد أنه يجب على كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به، وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الشارع إلا ببينة منه، فالتراضي من المتعاقدين شرط في صحة العقد لقوله تعالى:
{ عن تراض منكم } [النساء: 29] وأما الإيجاب والقبول فلا نص فيه، وإنما هو عبارة عن العقد نفسه، إذ الغالب فيه أن يكون بالصيغة اللفظية أو كتابة، والإشارة تقوم مقام العبارة عند الحاجة كإشارة الأخرس، والفعل أبلغ من القول في حصول المقصد من العقد; كبيع المعاطاة الذي منعه بعضهم تعبدا بصيغة الإيجاب والقبول اللفظية، ومثل بيع المعاطاة إعطاء الثوب للغسال أو الصباغ أو الكواء، فمتى أخذه منك كان ذلك عقد إجارة بينكما بأجرة المثل. ومن هذا القبيل إعطاء المال لمن بيده تذاكر السفر في سكك الحديد، أو البواخر وأخذ التذكرة منه، ومثله دخول الحمام، وركوب سفن الملاحين ومركبات الحوذية الذين يأخذون الأجرة بعد إيصال الراكب إلى المكان الذي يقصده.
فكل قول أو فعل يعده الناس عقدا، فهو عقد يجب أن يوفوا به كما أمر الله - تعالى - ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام مما ثبت في الشرع; كالعقد بالإكراه أو على إحراق دار أحد، أو قطع شجر بستانه أو على الفاحشة، أو أكل شيء من أموال الناس بالباطل; كالربا والميسر - القمار - والرشوة، فهذه الثلاثة منصوصة في الكتاب والسنة، ونهى النبي، صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما في صحيح مسلم وغيره; لأنه من قبيل الميسر في كونه مجهول العاقبة وهو من الغش المحرم أيضا، وقد توسع بعض الفقهاء في تفسير الألفاظ القليلة التي وردت في الكتاب والسنة، فأدخلوا في معنى الربا والغرر ما لا تطيقه النصوص من التشديد، ودعموا تشديداتهم بروايات لا تصح، وأشدهم تضييقا في العقود الشافعية والحنفية، وأكثرهم اتساعا وسعة المالكية والحنابلة.
ومن الأصول التي بنوا عليها معظم تشديداتهم في ذلك ذهاب بعضهم إلى أن الأصل في العقود والشروط الحظر، فلا يصح منها إلا ما دل الشرع على صحته، وأن كل شرط يخالف مقتضى العقد باطل. وعدوا من هذا ما يمكن أن يقال إنه ليس منه. وإطلاق الوفاء بالعقود يدل على أن الأصل فيها الإباحة، وكذلك الشروط، ولا سيما العقود والشروط في أمور الدنيا، والحظر لا يثبت إلا بدليل.
ويؤيد إطلاق الآية حديث: الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم، رواه أبو داود، والدارقطني من طريق كثير بن زيد، والترمذي والبزار، بزيادة " إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " وقال الترمذي حسن صحيح، والصواب أنه ضعيف يعتضد - كما قيل - بحديث " الناس على شروطهم ما وافقت الحق " رواه البزار من حديث ابن عمر، وهو أشد ضعفا من حديث الصلح الذي ذكره السيوطي في الجامع الصغير، بدون زيادة " الشروط " وعلم عليه بالصحة.
وقد يعترض على هذا بحديث عائشة في قصة بريرة وهو: " ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق. رواه الشيخان وغيرهما. ويجاب بأن المراد بالشرط هنا حاصل المصدر; أعني: المشروط لا المصدر الذي هو الاشتراط، ولذلك قال: ولو كان مائة شرط، وأذن باشتراط الولاء لمكاتبي بريرة، وهو موضع الإنكار، كما يأتي قريبا في بيان سبب هذا الحديث، والمراد بما ليس في كتاب الله: ما خالفه. كما يؤخذ من سبب الحديث، وإلا كان جميع المسلمين مخالفين لهذا الحديث حتى الظاهرية; لأنهم يجيزون في العقود شروطا لا ذكر لها في كتاب الله تعالى، وليس في كتاب الله - تعالى - شروط لأنواع العقود فيكتفى بها ويقتصر عليها، وإنما الواجب ألا يشترط أحد شرطا يحل ما حرمه كتاب الله أو يحرم ما أحله، فذلك هو الذي يصدق عليه أنه ليس في كتاب الله؛ إذ في كتاب الله ما يخالفه، وأما اشتراط ما أباحه كتاب الله - تعالى - بالنص أو الاقتضاء فهو في كتاب الله تعالى.
وفي هذا الحديث بحث آخر، وهو أنه ورد في مسألة دينية من العبادات، وهي المكاتبة والعتق والولاء، وسبب الحديث بينته رواية عائشة في الصحيحين، قالت: " وجاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي، فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فقالت: إني قد عرضت عليهم، فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق. ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فما بال رجال يشترطون... " إلخ. فالواقعة في أمر ديني اشترط فيه شرط مخالف لحكم الله فكان لغوا، والأمور الدينية موقوفة على النص، وأما الأمور الدنيوية كالبيع والإجارة والشركات، وغيرها من المعاملات الدنيوية; فالأصل فيها عرف الناس، وتراضيهم ما لم يخالف حكم الشرع في تحليل حرام أو تحريم حلال، كما تقدم. ومن أدلة هذا الأصل بعد الآية التي نفسرها وما أيدناها به، حديث: أنتم أعلم بأمر دنياكم، رواه مسلم من حديث أنس وعائشة، وحديث: ما كان من أمر دينكم فإلي، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به. رواه أحمد. لهذا تجد الإمام أحمد أكثر أئمة الفقه تصحيحا للعقود والشروط، على أنه أوسعهم رواية للحديث وأشدهم استمساكا به، فأبو حنيفة يقدم القياس الجلي على حديث الآحاد الصحيح، وأحمد يقدم الحديث الضعيف على القياس.
ومن العقود التي شدد بعض الفقهاء في إبطال شروطها عقد النكاح، فترى الذين يجوزون الشروط في البيع - وهو من المعاملات الدنيوية الموكولة إلى العرف - لا يجوزون الشروط في عقد النكاح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" رواه أحمد، والشيخان في صحيحيهما، وأصحاب السنن عن عقبة بن عامر. وقد جوز أحمد بهذا الحديث أن تشترط المرأة في عقد النكاح ألا يتزوج عليها، وألا تنتقل من بلدها أو من الدار، ويجيز لها فسخ النكاح إذا تزوج عليها وقد اشترطت عليه عدم التزوج عليها، كما يجوز لها الفسخ بغير ذلك من العيوب والتدليس، وأجاز اشتراط التسري في شراء الجارية، وحينئذ لا تجبر على الخدمة، واشتراط أن يأخذ البائع الجارية بثمنها إذا أراد المشتري بيعها، ولكن قال لا يقربها وله فيها شرط، ومذهبه هذا في الشروط هو الموافق لسهولة الحنيفية السمحة، ورفع الحرج منها. ولم أر أحدا من العلماء وفى موضوع العقود حقه مؤيدا بدلائل الكتاب والسنة وآثار السلف ووجوه الاعتبار في مدارك القياس - إلا شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله تعالى. فليراجعه من أراد التوسع في هذه المسألة.
{أحلت لكم بهيمة الأنعام} أي أحل الله لكم أكل بهيمة الأنعام والانتفاع بها، قالوا: إن هذا من التفصيل بعد الإجمال، بناء على أن العقود شاملة لجميع الأحكام التي شرعها الله - تعالى - وأمر المكلفين بالإيفاء بها، فكانت كالعقد بارتباطهم وتقيدهم بها، فبدأ بعد وضع هذه القاعدة العامة ببيان ما يحل من الطعام بشرطه الذي يتضمن ما يحرم من الصيد في بعض الأحوال {إلا ما يتلى عليكم} أي في الآية الثالثة من هذه السورة كالميتة والدم إلخ {غير محلي الصيد} أي أحلت لكم بهيمة الأنعام حال كونكم غير محلي الصيد الذي حرمه الله عليكم، بألا تجعلوه حلالا باصطياده أو الأكل منه {وأنتم حرم} أي وأنتم محرمون بالحج أو العمرة أو كليهما، أو داخلون في أرض الحرم، وهذه الجملة حال من " محلي الصيد " فلا يحل الصيد لمن كان في أرض الحرم، ولو لم يكن محرما، ولا للمحرم، أي الداخل في الإحرام بالحج أو العمرة، وإن كان في خارج حدود الحرم بأن نوى الدخول في هذا النسك، وبدأ بأعماله كالتلبية ولبس غير المخيط، ولك أن تجعل هذا القيد لحل بهيمة الأنعام مرجحا لقول من قال: إن المراد بها ما كان مشابها للأنعام من البهائم الوحشية التي من شأنها أن تصاد; كالظباء وبقر الوحش وحمرها، وأما حل الأنعام الإنسية فيعلم من الآية بالطريق الأولى، ومن غيرها من النصوص، بل كان معروفا عند نزول هذه الآية جاريا عليه العمل في الحل والحرم. {إن الله يحكم ما يريد} أي يمنع ما أراد منعه، أو يجعله حكما وقضاء.
والحكم بمعنى المنع وبمعنى القضاء معروف في اللغة، وإرادته إنما تكون على حسب علمه المحيط وحكمته البالغة ورحمته الواسعة، فلا عبث في أحكامه ولا جزاف ولا خلل ولا ظلم.
{يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} أي لا تجعلوا شعائر دين الله حلالا تتصرفون بها كما تشاءون، وهي معالمه التي جعلها أمارات تعلمون بها الهدى; كمناسك الحج وسائر فرائضه وحدوده وحلاله وحرامه، بل اعملوا فيها بما بينه لكم {ولا الشهر الحرام} ولا تحلوا الشهر الحرام باستئنافكم قتال المشركين فيه، قيل: المراد به هنا ذو القعدة، وقيل: رجب، والمتبادر أن المراد به جنس الشهر الحرام فيدخل فيه بقية الأربعة الحرم، وهي ذو الحجة والمحرم، وراجع تفسير قوله تعالى:
{ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [البقرة: 217] في الجزء الثاني من التفسير; لتقف على تتمة هذه المسألة.
{ولا الهدي ولا القلائد} ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت الله من الأنعام; للتوسعة على من هناك من عاكف وباد تقربا إليه تعالى، وإحلاله يكون بمنع بلوغه إلى محله من بيت الله; كأخذه لذبحه غصبا أو سرقة، أو حبسه عند من أخذه، ولا تحلوا القلائد التي يقلد بها هذا الهدي، بنزع القلادة من عنق البعير; لئلا يتعرض لها أحد يجهله.
وقيل: المراد بالقلائد ذوات القلائد من الهدي كأنه قال: لا تحلوا الهدي مقلدا ولا غير مقلد، وخص المقلد بالذكر لأنه أكرم الهدي وأشرفه، ويؤخذ من الكشاف أنهم ما كانوا يقلدون إلا البدن (الإبل) وقيل: الهدي هو ما لم يقلد، وهذا كما قالوا في "ولا يبدين زينتهن" : لا يبدين مواضع زينتهن، وقد يدخل في عمومه من يتقلد من الناس ليعرف أنه محرم، وكان من يريد الحج في الجاهلية ومن يرجع منه، يتقلد من لحاء شجره ليأمن على نفسه، فلا يعرض له أحد، فأقر الله تأمين المقلد لتعلم العرب أن من تقلد لأجل النسك كان في جوار المسلمين وحمايتهم، وبهذا فسر بعضهم الآية.
وقيل: إن المراد هنا المنع من أخذ شيء من شجر الحرم لأجل التقلد به عند العودة من أرض الحرم; لأن هذا من استحلال قطع شجر الحرم أو التحائه، أي: أخذ قشر شجره، والظاهر أن المراد بالنهي تحريم التعرض للقلائد نفسها بإزالتها، والتعرض للمقلد بها من الهدي; لأن كل ذلك يعد من إحلال القلائد حقيقة، فلا حاجة إلى القول بأن النهي عن إحلال القلائد يدل على النهي عن إحلال ذوات القلائد بالأولى، وهذا هو المتبادر عندي، وأما من يقصد الحرم للنسك أو غير النسك فقد حرم التعرض لهم بقوله: {ولا آمين البيت الحرام} أي ولا تحلوا قتال آمين البيت الحرام، أي قاصديه المتوجهين إليه، يقال: أمه، ويممه، وتيممه: إذا توجه إليه، وعمده، وقصد إليه قصدا مستقيما لا يلوي إلى غيره.
والبيت الحرام هو بيت الله المعروف بمكة المكرمة الذي حرمه وما حوله، أي منع أن يصاد صيده، وأن يقطع شجره وأن يختلى خلاه; أي يؤخذ نباته وحشيشه، وجعله آمنا لا يروع من دخله. راجع ومن دخله كان آمنا في أول الجزء الرابع.
{يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} أي يطلبون بأمهم البيت وقصده التجارة والحج معا، أو ربحا في التجارة ورضاء من الله يحول بينهم وبين عقوبته في الدنيا، فلا يحل بهم ما حل بغيرهم في عاجل دنياهم، وبهذا فسره ابن جرير ورواه عن أهل الأثر، بناء على أن المراد بالكلام هنا المشركون.
فروي عن قتادة أنه قال: هم المشركون يلتمسون فضل الله، ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم، وفي رواية أخرى عنه: والفضل والرضوان الذي يبتغون أن يصلح لهم معايشهم في الدنيا، وألا يعجل لهم العقوبة فيها. وروي عن مجاهد أنه قال: يبتغون الأجر والتجارة، وعن ابن عمر أنه قال في الرجل يحج ويحمل معه متاعا " لا بأس به " وتلا الآية. ولم يرو فيها عن ابن عباس إلا أنه قال: " يترضون ربهم بحجهم " وروى عبد بن حميد عن الربيع بن أنس; أنه فسر الفضل من ربهم بالتجارة، والرضوان بالحج نفسه، ولهذا قال قتادة ومجاهد وغيرهما: إن هذه العبارة من الآية منسوخة، بقوله - تعالى - في سورة براءة
{ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5] وقال بعضهم: إنها نسخت بقوله - تعالى - في المشركين {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم; فلما زال العهد بسورة (براءة) زال ذلك الحظر. اهـ. أي لم ينسخ الحكم، ولكن زال الوصف الذي نيط به.
وقال بعض المفسرين: إن الآية في المسلمين، فهي محكمة، وحكمها باق فلم تنسخ ولم ينته حكمها، ومن فسر القلائد بمن كان يتقلد من المشركين، قال: إن النهي عن إحلالها منسوخ أيضا، وقد روي أن هذه السورة من آخر القرآن نزولا، وأنه ليس فيها شيء منسوخ.
أما ما رواه أهل المأثور في سبب نزول الآية وكونها في المشركين; فهو كما روى ابن جرير عن السدي أن الحطم بن هندي البكري، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، وخلف خيله خارجة من المدينة، فدعاه، فقال: إلام تدعو؟ فأخبره، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه:
"يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة، يتكلم بلسان شيطان، فلما أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أنظر ولعلي أسلم، ولي من أشاوره. فخرج من عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر" ، فمر بسرح من سرح المدينة، فساقه... ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد وأهدى، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث إليه، فنزلت هذه الآية حتى بلغ {ولا آمين البيت الحرام} فقال له ناس من أصحابه: " يا رسول الله، خل بيننا وبينه فإنه صاحبنا، قال: إنه قد قلد. قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية. فأبى عليهم فنزلت هذه الآية " .
وروي عن ابن جريج عن عكرمة، أن الحطم قدم المدينة في عير له يحمل طعاما، فباعه ثم دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فبايعه وأسلم، فلما ولى خارجا نظر إليه، فقال لمن عنده: " لقد دخل علي بوجه فاجر، وولى بقفا غادر " فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تهيأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار; ليقطعوه في عيره، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} فانتهى القوم (ثم قال ابن جرير) قال ابن جريج: قوله: {ولا آمين البيت الحرام} قال: ينهى عن الحجاج أن تقطع سبلهم، قال: وذلك أن الحطم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ليرتاد وينظر، فقال: إني داعية قوم فأعرض علي ما تقول، قال له: " أدعوك إلى الله أن تعبده، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت " قال الحطم: إن في أمرك هذا غلظة فأرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت، فإن قبلوا أقبلت معهم وإن أدبروا كنت معهم. قال له: " ارجع " فلما خرج قال: " لقد دخل علي بوجه كافر وخرج من عندي بعقبى غادر، وما الرجل بمسلم " ففاتهم وقدم اليمامة، وحضر الحج، فجهز خارجا، وكان عظيم التجارة، فاستأذنوا أن يتلقوه ويأخذوا ما معه، فأنزل الله، عز وجل {لا تحلوا شعائر الله} إلخ. وأنت ترى هذه الروايات متعارضة، وسواء صحت أو لم تصح; فالآية على إطلاقها وعمومها، والمفيد من مثل هذه الروايات معرفة أحوال أهل ذلك العصر، فإنها تعين على الفهم.
{وإذا حللتم فاصطادوا} أي وإذا خرجتم من إحرامكم بالحج أو العمرة، ومن أرض الحرم فاصطادوا إن شئتم، فإنما حرم عليكم الصيد في أرض الحرم وفي حال الإحرام فقط، فهذا تصريح بمفهوم قوله في الآية السابقة: غير محلي الصيد وأنتم حرم والأصل في الأمر بالشيء يجيء بعد حظره: أن يكون للإباحة، أي رفع ذلك الحظر كقوله تعالى:
{ فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } [الجمعة: 10] أي بالبيع والكسب الذي جاء بعد قوله { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } [الجمعة: 9] ومنه حديث "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر بالآخرة" رواه ابن ماجه، وله شاهد في صحيح مسلم من غير تعليل. وما كان الأصل فيه الإباحة قد يجب أو يندب أو يحظر; لعارض يقتضي ذلك.
{ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} قرأ ابن عامر وأبو بكر بن عاصم وإسماعيل عن نافع " شنآن " بسكون النون الأولى، والباقون بفتحها، وهما لغتان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " إن صدوكم " بكسر " إن " على أنها شرطية والباقون بفتحها على أنها للتعليل. وهذه القراءة تشير إلى صد المشركين المؤمنين عن العمرة عام الحديبية، وتنهاهم أن يعتدوا عليهم عام حجة الوداع الذي نزلت فيه السورة لأجل اعتدائهم السابق، والمعنى عليه: ولا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على أن تعتدوا عليهم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام.
ومعنى القراءة الأخرى أنه لا يباح للمسلمين أن يعتدوا على أعدائهم إن صدوهم عن المسجد الحرام، أي عن النسك فيه وزيارته، ولو للتجارة، واستشكل بأن هذا قد نزل بعد فتح مكة، ولم يكن يتوقع صد من أحد، وبأنه معارض لقوله
{ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } [البقرة: 191] وأجيب بأن الشرط على معنى الماضي بتقدير الكون، أي: إن كانوا صدوكم عن المسجد الحرام، ويمكن أن يقال: إن ورود هذا بعد فتح مكة وظهور الإسلام على الشرك وأهله، لا إشكال فيه؛ لأن الأحكام قد تبنى على الفرض، ولأن هذا الصد قد يقع من المسلمين بعضهم لبعض كما يفعله بعض أمراء مكة في عصرنا من منع بعض العرب كأهل نجد من الحج لأسباب دنيوية; كأخذ بعض أمراء نجد الزكاة من بعض القبائل الذين يعدهم أمراء مكة تابعين لهم. ويحتمل أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله تعالى: {فاصطادوا} داخلة في حيز شرطه، ويكون المعنى: إن الصيد الذي كان محرما عليكم حال كونكم حرما يحل لكم إذا حللتم، وأما الاعتداء على من تبغضونهم فلا يباح لكم وأنتم حل، كما أنه لا يباح لكم وأنتم حرم، وإن كانوا صدوكم عن المسجد الحرام من قبل، وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل; لأنه نهي عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام، فإن من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق، وحينئذ لا يراعي المماثلة ولا يقف عند حدود العدل، ولم أر من نبه على هذا ولا من حرر هذا المبحث، ولكن أجاز بعضهم أن يكون هذا من توجيه النهي إلى المسبب وإرادة السبب، كقوله: لا أرينك ههنا. فالمراد النهي عن البغض والعداوة، وجعلها حاكمة على النفس، حاملة لها على الاعتداء والبغي، ولا ينفي هذا أن يكون لكل نوع من أنواع الاعتداء - كالصد عن المسجد الحرام - جزاء خاص يعرف بدليله.
لما كان اعتداء قوم على قوم لا يحصل إلا بالتعاون; قفى على النهي عن الاعتداء بقوله: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (البر): التوسع في فعل الخير، قاله الراغب، وسيأتي تحقيقه {والتقوى}: اتقاء كل ما يضر صاحبه في دينه أو دنياه فعلا أو تركا (والإثم): فسره الراغب بأنه كالأثام، اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، وجمعه آثام، والآثم متحمل الإثم وفاعله، ثم صار الإثم يطلق على كل ذنب ومعصية، {والعدوان} تجاوز حدود الشرع والعرف في المعاملة، والخروج عن العدل فيها، وفي الحديث البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس رواه مسلم وأصحاب السنن عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، وروى أحمد والدارمي، وحسنه النووي في الأربعين عن وابصة بن معبد الجهني رضي الله عنه أنه قال:
" أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: جئت تسأل عن البر" وفي رواية " جئت تسأل عن البر والإثم قلت: نعم، وكان قد جاء لأجل ذلك، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بما في نفسه وأجابه عنه، فقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك " وليس هذا تفسيرا للبر والإثم بالمعنى الشرعي ولا اللغوي، وإنما هو بيان لما يطلبه السائل من الفرقان بين ما يشتبه من البر والإثم; فيشك الإنسان هل هو منهما أم لا، فأحاله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك على ضميره ووجدانه، وأرشده إلى الأخذ بالاحتياط الذي تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وإن خالف فتوى المفتين الذين يراعون الظواهر دون دقائق الاحتياط الخفية، وكان - صلى الله عليه وسلم - يجيب كل سائل بحسب حالته.
كان الصحابة، وسائر العرب يفهمون معنى البر، وإنما كان القرآن والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبينان لهم خصال البر وأعماله وآياته، وما قد يغلطون في عده منه، ولذلك قال الله تعالى:
{ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى } [البقرة: 189] وكانوا في الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها إذا كانوا محرمين بالحج، ويعدون هذا من النسك والبر، وقال تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177] فهذا بيان لأهم أركان البر في الدين; من الإيمان والعبادات البدنية والمالية والأخلاق، وقال تعالى: { وتناجوا بالبر والتقوى } [المجادلة: 9].
فمجموع ما ورد في البر مصداق لما فسره به الراغب من أنه التوسع في فعل الخير إذا أريد به ما يشمل الأفعال النفسية والأخلاق الحسنة باعتبار ما ينشأ عنها من الأعمال. وقد قال: إنه مشتق من (البر) بالفتح الذي هو مقابل البحر بتصور سعته.
وإلا قلنا: إن البر اسم لمجموع ما يتقرب به إلى الله تعالى; من الإيمان والأخلاق والآداب والأعمال، وكل واحد منها يعد خصلة أو شعبة من البر.
أما الأمر بالتعاون على البر والتقوى فهو من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن; لأنه يوجب على الناس إيجابا دينيا أن يعين بعضهم بعضا على كل عمل من أعمال البر التي تنفع الناس أفرادا وأقواما في دينهم ودنياهم، وكل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم، فجمع بذلك بين التحلية والتخلية، ولكنه قدم التحلية بالبر، وأكد هذا الأمر بالنهي عن ضده; وهو التعاون على الإثم بالمعاصي وكل ما يعوق عن البر والخير، وعلى العدوان الذي يغري الناس بعضهم ببعض، ويجعلهم أعداء متباغضين يتربص بعضهم الدوائر ببعض.
كان المسلمون في الصدر الأول جماعة واحدة; يتعاونون على البر والتقوى عن غير ارتباط بعهد ونظام بشري، كما هو شأن الجمعيات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره، وقد شهد الله - تعالى - لهم بقوله:
{ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران: 110] ولما انتثر بأيدي الخلف ذلك العقد ونكث ذلك العهد، صرنا محتاجين إلى تأليف جمعيات خاصة بنظام خاص لأجل جمع طوائف من المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب: (التعاون على البر والتقوى) في أي ركن من أركانه أو عمل من أعماله، وقلما ترى أحدا في هذا العصر يعينك على عمل من البر، ما لم يكن مرتبطا معك في جمعية ألفت لعمل معين، بل لا يفي لك بهذا كل من يعاهدك على الوفاء، فهل ترجو أن يعينك على غير ما عاهدك عليه؟.
فالذي يظهر أن تأليف الجمعيات في هذا العصر، مما يتوقف عليه امتثال هذا الأمر، وإقامة هذا الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما قال العلماء، فلا بد لنا من تأليف الجمعيات الدينية والخيرية والعلمية، إذا كنا نريد أن نحيا حياة عزيزة، فعلى أهل الغيرة والنجدة من المسلمين أن يعنوا بهذا كل العناية، وإن رأوا كتب التفسير لم تعن بتفسير هذه الآية، ولم تبين لهم أنها داعية لهم إلى أقوم الطرق وأقصدها لإصلاح شأنهم في أمر دينهم ودنياهم. اللهم إنك تعلم أننا عنينا بتأليف جماعة يراد بها إقامة جميع ما تحب من البر والتقوى، وإصلاح أمر المسلمين في الدين والدنيا، وهي جماعة الدعوة والإرشاد، اللهم أيد من أيدها وأعن المتعاونين على أعمالها، واخذل من ثبط عنها، إنك أنت العزيز القادر، القوي القاهر، العليم بما في السرائر.
{واتقوا الله إن الله شديد العقاب} أي اتقوا الله أيها المؤمنون بالسير على سننه التي بينها لكم في كتابه وفي نظام خلقه; لئلا تستحقوا عقابه الذي يصيب من أعرض عن هدايته، إن الله شديد العقاب لمن لم يتقه باتباع شرعه، ومراعاة سننه في خلقه، لا هوادة ولا محاباة في عقابه; لأنه لم يأمر بشيء، إلا وفعله نافع وتركه ضار، ولم ينه عن شيء، إلا وفعله ضار وتركه نافع، وفي معنى المأمور به كل ما رغب فيه، وفي معنى المنهي عنه كل ما رغب عنه، فلهذا كان ترك هدايته مفضيا بطبعه إلى الحرمان من المنافع والوقوع في المضار، التي منها فساد الفطرة، وعمى البصيرة، وذلك إبسال للنفس يظهر أثره في الدنيا وسوء عاقبته في الآخرة.
وكذلك عدم مراعاة سنن الله - تعالى - في خلق الإنسان، وسجاياه وتأثير عقائده وأخلاقه في أعماله، وسننه في ارتقاء الإنسان في أفراده وشعوبه، كل ذلك يوقع الإنسان في الغواية، وينتهي به إلى شر عاقبة وغاية، وإنما يظلم الإنسان نفسه ولا عتب له إلا عليها، والعقاب هنا يشمل عقاب الدنيا والآخرة، كما أشرنا إليه، وقد ورد في بعض الآيات التصريح بالجمع بينهما، وفي بعضها التصريح بأحدهما، كقوله في عذاب الأمم في الدنيا:
{ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } [هود: 102] ووضع اسم الجلالة المظهر في قوله: إن الله شديد العقاب والمقام مقام الإضمار لما لذكر الاسم الكريم من الروعة والتأثير، وذلك أدعى إلى حصول المقصود من الوعظ والتذكير.