التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوۤاْ أَوْ يُصَلَّبُوۤاْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٣٣
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٤
-المائدة

تفسير المنار

اختلف نقلة التفسير المأثور فيمن نزل فيهم هاتان الآيتان على ما هو ظاهر من اتصالهما بما قبلهما أتم الاتصال.
روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أنس أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة، فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. زاد البخاري أن قتادة الراوي للحديث عن أنس قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.
وفي رواية لأحمد والبخاري وأبي داود، قال قتادة: فحدثني ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود {أي في الآية التي نحن بصدد تفسيرها} وروى أبو داود والنسائي عن أبي الزناد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع أيدي الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله في ذلك فأنزل: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} الآية، وفي القصة روايات أخرى مفصلة، ومنها أنه أباح لهم إبل الصدقة كلها في غدوها ورواحها.
وروى أبو داود والنسائي عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في المشركين، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه (ومثله عند ابن جرير عن الحسن).
وروى ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس أيضا أنه قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض فخير الله نبيه فيهم إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وفي بعض الروايات زيادة: إلا من أسلم قبل أن يؤخذ. وروى ابن جرير أيضا ما تقدم من كون الآية نزلت عتابا للنبي صلى الله عليه وسلم على سمل أعين العرنيين وقطع أيديهم وتركها بدون حسم; فكانت الآية تحريما للمثلة عند هؤلاء، على أنه ثبت أنه كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة قبل نزول المائدة، وروي عن آخرين أنه صلى الله عليه وسلم كان أمر بسمل أعينهم وقطعهم كما فعلوا بالراعي المسلم - وفي بعض الروايات " الرعاة " بالجمع - فنزلت الآية، فترك ذلك ولم يفعله.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم: إنه خاص بمثل من نزلت فيهم من الكفار مطلقا، أو الذين غدروا من اليهود، أو الذين خدعوا النبي والمسلمين بإظهار الإسلام، حتى إذا تمكنوا من الإفساد بالقتل والسلب عادوا إلى قومهم، وأظهروا شركهم معهم، وذهب أكثر الفقهاء إلى أنها خاصة بمن يفعلون هذه الأفعال من المسلمين، وكأنهم اعتدوا بما أظهره العرنيون من الإسلام، ورووا عدة روايات في تطبيق الآية على الخوارج، بل قالوا إنها نزلت فيهم.
والظاهر المتبادر - بصرف النظر عن الروايات المتعارضة - أنها عامة لكل من يفعل هذه الأفعال في دار الإسلام إذا قدرنا عليهم وهم متلبسون بها بالفعل أو الاستعداد. وقد قال الذين جعلوها خاصة بالمسلمين: إن أحكام الكفار في الحرب معروفة بالنصوص والعمل، وليس فيها هذه الدرجات في العقاب.
وجوابه أن هذا العقاب خاص بمن فعل مثل أفعال العرنيين، فلا يقتضي ذلك أن يتبع في حرب كل من حاربنا من الكفار، وقال بعضهم: إن استثناء من تابوا قبل القدرة عليهم دليل على إرادة المسلمين; لأن الكفار لا يشترط في توبتهم أن تكون قبل القدرة عليهم، ويجاب عن هذا بأن التوبة من هذا الإفساد هي التي يشترط فيها أن تكون قبل القدرة عليهم، لا التوبة من الكفر.
ومجموع الروايات في قصة العرنيين تفيد أنهم جعلوا الإسلام خديعة للسلب والنهب، وأنهم سملوا أعين الرعاة، ثم قتلوهم ومثلوا بهم، وفي بعضها أنهم اعتدوا على الأعراض أيضا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عاقبهم بمثل عقوبتهم; عملا بقوله تعالى:
{ وجزاء سيئة سيئة مثلها } [غافر: 40] وقوله: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله } [البقرة: 194] إن صح أن الآية نزلت بعد عقابهم، ولم يعف عنهم كعادته; لئلا يتجرأ على مثل فعلتهم أمثالهم من أعراب المشركين وغيرهم، فأراد بذلك القصاص وسد الذريعة، وأن الله تعالى أنزل الآية بهذا التشديد في العقاب على مثل هذا الإفساد لهذه الحكمة؛ وهي سد ذريعة هذه المفسدة، ولكنه حرم مع ذلك كله المثلة؛ وهي تشويه الأعضاء، ولا مفسدة أشد وأقبح من سلب الأمن على الأنفس والأعراض والأموال الناطقة والصامتة. فرب عصبة من المفسدين تسلب الأمان والاطمئنان من أهل ولاية كبيرة، ورب عصبة مفسدة تعاقب بهذه العقوبات المنصوصة في الآية فتطهر الأرض من أمثالها زمنا طويلا.
والتشديد في سد الذرائع ركن من أركان السياسة، لا تزال جميع الدول تحافظ عليه حتى إن بعضهم يحكم الوهم فيه، ومن الأمر الإد ما اجترحته إنكلترة في مصر بهذا القصد؛ إذ مر بقرية (دنشواي) منذ سنين قليلة أفراد من جند الإنكليز، كانوا يصيدون الحمام عند بيدرها، فتخاصموا مع أصحاب الحمام وتضاربوا، فعظم على الإنكليز تجرؤ الفلاح المصري على ضرب الجندي الإنكليزي، فعقدوا المحكمة العرفية لمحاكمة أولئك الفلاحين برياسة بطرس باشا غالي، فحكمت على بعض أولئك الفلاحين بأن يصلبوا ويعذبوا بالضرب بالسياط (الكرابيج) ذات العقد، حتى تتناثر لحومهم، وأن يبقوا مصلوبين بعد موتهم مدة طويلة، وأن يكون ذلك على أعين أهليهم وأعين الناس، ونفذ الحكم.
وقد أنكر هذه القسوة واستفظعها الناس، حتى بعض أحرار الإنكليز في بلادهم، وشنعوا عليها في الجرائد وفي مجلس النواب، ومثل هذه الحادثة لا تعد من الخروج على ذي السلطان، ولا من الفساد في الأرض، ولكن قصد الإنكليز بالقسوة فيها ألا يتجرأ أحد على مقاومة جندي إنكليزي، وإن اعتدى، فأين هذا من عدل الإسلام الذي ساوى خليفته عمر بن الخطاب بين ابن فاتح مصر وقائد جيشها وحاكمها العام (عمرو بن العاص) وبين غلام قبطي; إذ تسابقا، فسبق القبطي ابن الحاكم، فصفعه هذا وقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ فلما رفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه لم يرض إلا أن يصفع القبطي ابن الفاتح الحاكم كما صفعه، وقال لعمرو كلمته الذهبية المشهورة: يا عمرو منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ولكن المسلمين لما تركوا حكم الإسلام صاروا يطلبون من الإنكليز وممن دون الإنكليز أن يعلموهم العدل وقوانينه ! !.
أما تفسير الآية فهو ما ترى:
{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} أي إن جزاء الذين يفعلون ما ذكر محصور فيما يذكر بعده من العقوبات على سبيل الترتيب والتوزيع على جناياتهم ومفاسدهم، لكل منها ما يليق بها من العقوبة.
والمحاربة (مفاعلة) من الحرب، وهي ضد السلم، والسلم السلام; أي السلامة من الأذى والضرر والآفات، والأمن على النفس والمال، والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال. لسان العرب: الحرب بالتحريك، أن يسلب الرجل ماله، حربه يحربه (بوزن طلب، وكذا بوزن تعب) إذا أخذ ماله، فهو محروب وحريب، من قوم حربى وحرباء، ثم قال: حريبة الرجل ماله الذي يعيش به، والحرب بالتحريك أخذ الحريبة; فهو أن يأخذ ماله ويتركه بلا شيء يعيش به، انتهى.
فأنت ترى أن الحرب والمحاربة ليس مرادفا للقتل والمقاتلة، وإنما الأصل فيها الاعتداء والسلب وإزالة الأمن، وقد يكون ذلك بقتل وقتال، وبدونهما. وقد ذكر القتل والقتال في القرآن في أكثر من مائة آية. وأما المحاربة فلم تذكر إلا في هذه وفي قوله تعالى في بيان علة بناء المنافقين لمسجد الضرار:
{ وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } [التوبة: 107]. قال رواة التفسير المأثور: أي ترقبا وانتظارا للذي حارب الله ورسوله، من قبل بناء هذا المسجد، وهو أبو عامر الراهب، فإنه كان شديد العداوة للإسلام، ووعد المنافقين بأن يذهب ويأتيهم بجنود من عند قيصر للإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فمحاربة هذا الراهب من قبل كانت بإثارة الفتن، لا بالقتال والنزال.
وأما لفظ " الحرب " فقد ذكر في أربعة مواضع من أربع سور; منها إعلام المصرين على الربا بأنهم في حرب لله ورسوله بأكلهم أموال الناس بالباطل، والباقي بالمعنى المشهور، وهو ضد السلم. وكان أهل البوادي - ولا يزالون - يغزو بعضهم بعضا لأجل السلب والنهب.
وقد جعل الفقهاء كتاب المحاربة - ويقولون الحرابة أيضا - غير كتاب الجهاد والقتال. وجعلوا الأصل فيها هاتين الآيتين، وعرفوها بأنها إشهار السلاح وقطع السبيل.
واشترط بعضهم كالشافعي أن يكون ذلك من أهل الشوكة. (كالذين يؤلفون العصابات المسلحة للسلب والنهب وقتل من يعارضهم، أو لمقاومة السلطة; ابتغاء الفتنة والفساد) واشترطوا فيها شروطا سنشير إلى المهم منها.
أما كون هذا النوع من العدوان محاربة لله ولرسوله فلأنه اعتداء على شريعة السلم والأمان والحق والعدل الذي أنزله الله على رسوله. فمحاربة الله ورسوله هي عدم الإذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق، كما قال تعالى في المصرين على أكل الربا:
{ فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة: 279] وليس معناه محاربة المسلمين، كما قال بعض المفسرين: فمن لم يذعنوا للشرع فيما يخاطبهم به في دار الإسلام يعدون محاربين لله ورسوله عليه السلام فيجب على الإمام الذي يقيم العدل ويحفظ النظام أن يقاتلهم على ذلك، كما فعل الصديق رضي الله عنه بمانعي الزكاة، حتى يفيئوا ويرجعوا إلى أمر الله، ومن رجع منهم في أي وقت يقبل منه ويكف عنه.
ولكن إذا امتنعوا على إمام العدل المقيم للشرع، وعثوا إفسادا في الأرض، كان جزاؤهم ما بينه الله في هذه الآية، فقوله تعالى: {ويسعون في الأرض فسادا} متمم لما قبله; أي يسعون فيها سعي فساد أو مفسدين في سعيهم لما صلح من أمور الناس في نظام الاجتماع وأسباب المعاش.
والفساد ضد الصلاح، فكل ما يخرج عن وضعه الذي يكون به صالحا نافعا، يقال إنه قد فسد، ومن عمل عملا كان سببا لفساد شيء من الأشياء يقال إنه أفسده، فإزالة الأمن على الأنفس أو الأموال أو الأعراض، ومعارضة تنفيذ الشريعة العادلة وإقامتها، كل ذلك إفساد في الأرض.
روى عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن الفساد هنا الزنا والسرقة وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل، وكل هذه الأعمال من الفساد في الأرض. واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد بأن هذه الذنوب والمفاسد لها عقوبات في الشرع غير ما في الآية، فللزنا والسرقة والقتل حدود، وإهلاك الحرث والنسل يقدر بقدره، ويضمنه الفاعل ويعزره الحاكم بما يؤديه إليه اجتهاده، وفات هؤلاء المعترضين أن العقاب المنصوص في الآية خاص بالمحاربين من المفسدين الذين يكاثرون أولي الأمر، ولا يذعنون لحكم الشرع، وتلك الحدود إنما هي للسارقين والزناة أفرادا، الخاضعين لحكم الشرع فعلا.
وقد ذكر حكمهم في الكتاب العزيز، بصيغة اسم الفاعل المفرد كقوله:
{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة: 38] و { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [النور: 2] وهم يستخفون بأفعالهم ولا يجهرون بالفساد حتى ينتشر بسوء القدوة بهم، ولا يؤلفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوة، فلهذا لا يصدق عليهم أنهم محاربون الله ورسوله ومفسدون، والحكم هنا منوط بالوصفين معا، وإذا أطلق الفقهاء لفظ المحاربين فإنما يعنون به المحاربين المفسدين; لأن الوصفين متلازمان.
ولا تتحقق محاربة الله ورسوله بمحاربة الشرع، ومقاومة تنفيذه وإفساد النظام على أهله إلا في دار الإسلام، وللكفار في دار الحرب أحكام أخرى كما قال الفقهاء، وأحكامهم تذكر في كتاب الجهاد، لا في كتاب المحاربة أو الحرابة كما تقدم، وقد فطن لهذا المعنى بعضهم، ولم يتضح له تمام الاتضاح، فاشترط أن يكون المحاربون المفسدون من المسلمين كما تقدم، والصواب أن يكون إفسادهم في دار الإسلام. ولا فصل حينئذ فيهم بين أن يكونوا مسلمين أو ذميين أو معاهدين أو حربيين. كل من قدرنا عليه منهم نحكم بينهم بهذه الآية.
وقد اختلف الفقهاء في تعريف المحاربين فروى ابن جرير وغيره عن مالك بن أنس أنه قال: المحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء، فكان ذلك منه على غير ثائرة كانت بينهم، ولا دخل ولا عداوة، قاطعا للسبيل والطريق والديار، مختفيا لهم بسلاحه، وذكر أن من قتل منهم قتله الإمام، ليس لولي المقتول فيه عفو ولا قود.
وقال ابن المنذر: اختلفت الرواية في مسألة إثبات المحاربة في المصر عن مالك فأثبتها مرة ونفاها أخرى. نقول: والصواب الإثبات; لأنه المعروف في كتب مذهبه، وإنما اشترط انتفاء العداوة وغيرها من الأسباب; ليتحقق كون ذلك محاربة للشرع ومقاومة للسلطة التي تنفذه، وفي حاشية المقنع من كتب الحنابلة تلخيص لمذاهب الفقهاء في ذلك، هذا نصه:
" يشترط في المحاربين ثلاثة شروط:
1- أن يكون معهم سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين; لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، ولا نعلم في هذا خلافا، فإن عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون، وهو المذهب، وبه قال الشافعي وأبو ثور، وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين.
2- أن يكون ذلك في الصحراء، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين في قول الخرقي، وجزم به في الوجيز، وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق; لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولأن في المصر يلحق الغوث غالبا، فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، والمختلس ليس بقاطع، ولا حد عليه، وقال أبو بكر: حكمهم في المصر والصحراء واحد، وهو المذهب. وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور لتناول الآية بعمومها كل محارب; ولأنه في المصر أعظم ضررا فكان أولى.
3- أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهرا، فأما إن أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئا؛ لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم قطاع طريق " انتهى.
قال بعض المفسرين المستقلين بالفهم: إن أكثر الشروط التي اشترطها الفقهاء في هذا الباب، لا يوجد لها أصل في الكتاب ولا في السنة.
ونحن نقول: إن الآية تدل دلالة صريحة على أن هذا العقاب خاص بمن يفسدون في الأرض بالسلب والنهب، أو القتل، أو إهلاك الحرث والنسل، ومثل ذلك - أو منه - الاعتداء على الأعراض إذا كانوا محاربين لله ورسوله بقوة يمتنعون بها من الإذعان والخضوع لشرعه، ولا يتأتى ذلك إلا حيث يقام شرعه العادل من دار الإسلام.
فمن اشترط حملهم السلاح أخذ شرطه من كون القوة التي يتم بها ذانك الأمران إنما هي قوة السلاح، وهو لو قيل له إنه يوجد أو سيوجد مواد تفعل في الإفساد والإعدام وتخريب الدور، وكذا في الحماية والمقاومة أشد مما يفعل السلاح - كالديناميت المعروف الآن - ألا تراه في حكم السلاح؟ يقول: بلى، ومن اشترط خارج المصر راعى الأغلب، أو أخذ من حال زمنه أن المصر لا يكون فيه ذلك. وما اشترط أحد شرطا غير صحيح أو غير مطرد إلا وله وجه انتزعه منه.
أما ذلك الجزاء الذي يعاقب به أمثال هؤلاء المفسدين بالقوة فهو {أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض}. التقتيل: هو التكثير، أو التكرار، أو المبالغة في القتل، فأما معنى التكرار أو التكثير فلا يظهر إلا باعتبار الأفراد، كأنه يقول: كلما ظفرتم بمن يستحق القتل منهم فاقتلوه، وأما المبالغة فتظهر بكون القتل حتما لا هوادة فيه، ولا عفو من ولي الدم، وقد صرح بعض الفقهاء بأن المحاربين المفسدين إذا قدرنا على القاتل منهم نقتله، وإن عفا عنه ولي الدم أو رضي بالدية.
والتصليب: التكرار أو المبالغة في الصلب، فيقال فيه ما قيل في التقتيل، ويمكن تكرار صلب الواحد على قول من قال: إن الصلب يكون بعد القتل لأجل العبرة، فيصلب المجرم في النهار، وتحفظ جثته ليلا، ثم يصلب في النهار، قال الشافعي: يصلب بعد القتل ثلاثة أيام، والظاهر أنهم يصلبون أحياء ليموتوا بالصلب كما قال الجمهور، وإلا لم يكن الصلب عقوبة ثانية.
وأصل معنى الصلب بالتحريك والصليب في اللغة: الودك {الدهن} أو ودك العظام التي يعد صلب الظهر جذع شجرتها، والصديد الذي يخرج من بدن الميت. قال في اللسان: والصلب مصدر صلبه يصلبه - بكسر اللام - صلبا، وأصله من الصليب، وهو الودك أو الصديد، والصلب هذه القتلة المعروفة مشتق من ذلك، وقد صلبه يصلبه صلبا، وصلبه شدد للتكثير... والصليب: المصلوب. انتهى.
ويعني بالقتلة المعروفة أن يربط الشخص على خشبة أو نحوها، منتصب القامة ممدود اليدين حتى يموت، وكانوا يطعنون المصلوب ليعجلوا موته، والشكل الذي يشبه المصلوب يسمى صليبا.
وأما تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، فمعناه إذا قطعت اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى، وفي هذا نوع ما من التكرار، فصيغة التفعيل فيه أظهر مما قبله. وما قطع من يد أو رجل يحسم في الحال كما جرى عليه العمل.
والحسم: كي العضو المقطوع بالنار أو بالزيت وهو يغلي; لكيلا يستنزف الدم ويموت صاحبه، وفي معنى الحسم كل علاج يحصل به المراد، وربما كان الأفضل ما كان أسرع تأثيرا وأقل إيلاما وأسلم عاقبة، عملا بحديث " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته " رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن شداد بن أوس.
وأما النفي من الأرض فيحتمل لفظ الآية فيه أن يكون عقوبة معطوفة على ما قبلها، وأن يكون " أو " بمعنى " إلا أن " أي جزاؤهم ما ذكر قبل، إلا أن ينفوا من الأرض بالمطاردة، ويخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب التي لا حكم ولا سلطان للإسلام فيها.
وهذا قول ابن عباس، رواه ابن جرير عنه وعن السدي وعن الليث بن سعد ومالك بن أنس أنهم يطلبون حتى يؤخذوا أو يضطرهم الطلب إلى دار الكفر والحرب إذا كانوا مرتدين، وأن المسلم لا يضطر إلى الدخول في دار الكفر،.
والمعنى على القول الأول المختار أن ينفى المحاربون من بلدهم أو قطرهم الذي أفسدوا فيه إلى غيره من بلاد الإسلام; أي إذا كانوا مسلمين، فإذا كانوا كفارا جاز نفيهم إلى بعض بلاد الإسلام وإلى بلاد الكفر; لأن لفظ الأرض في الآية يحتمل أن يكون التعريف فيه لبلاد الإسلام، وأن يكون لما وقع فيه الفساد منها.
وحكمة نفيهم إلى غير تلك الأرض وراء كون النفي عقابا ظاهرة; وهي أن بقاءهم في الأرض التي أفسدوا فيها يذكرهم، ويذكر أهلها دائما بما كان منهم، وهي ذكرى سيئة قد تعقب ما لا خير فيه.
وروى ابن جرير هذا التفسير للنفي عن سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز، وقيل: ينفى إلى بلد آخر، فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وقيل: إن النفي هو السجن، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو أغرب الأقوال، فالحبس عقوبة غير عقوبة النفي والإخراج من الأرض، تحتاج إلى دليل، والمقام مقام بيان حدود الله، لا التعزير المفوض إلى أولي الأمر، وقد ورد ذكر العقوبتين في بيان الله لنبيه ما كان يكيد له المشركون بمكة، وذلك قوله تعالى في سورة الأنفال:
{ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } [الأنفال: 30] روى أصحاب التفسير المأثور "أن عمه أبا طالب سأله: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال صلى الله عليه وسلم: يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني " .
هذه أربع عقوبات للمحاربين المفسدين في الأرض، اختلف علماء السلف في كيفية تنفيذها; فقال بعضهم هي للتخيير، فللإمام أن يحكم على من شاء من المحاربين المفسدين عند التمكن منهم، بما شاء منها، وقال الجمهور: إنها لتفصيل أنواع العقاب لا للتخيير، جعل الله لهذا الإفساد درجات من العقاب; لأن إفسادهم متفاوت; منه القتل، ومنه السلب، ومنه هتك الأعراض، ومنه إهلاك الحرث والنسل; أي قطع الشجر، وقطع الزرع، وقتل المواشي والدواب، ومنهم من يجمع بين جريمتين أو أكثر من هذه المفاسد، فليس الإمام مخيرا في معاقبة من شاء منهم بما شاء منها، بل عليه أن يعاقب كلا بقدر جرمه ودرجة إفساده.
ثم اختلفوا في تقدير هذه العقوبات بقدر الجرائم اختلافا كثيرا، وجاءوا فيه بفروع كثيرة ترجع إلى الرأي والاجتهاد في التقدير ومراعاة ما ورد من الحدود على بعض هذه الأعمال، كقتل القاتل وقطع آخذ المال; لأنه كالسارق، والجمع بين القتل والصلب لمن جمع بين القتل والسلب، والنفي لمن أخاف السبيل ولم يقتل ولا أخذ مالا، وقد روي هذا عن ابن عباس وبعض علماء التابعين.
وأنت ترى أن الآية لا تدل عليه ولا تنفيه; فهو اجتهاد حسن في كيفية العمل بها، ولكنه غير كاف; لأن للمفسدين في الأرض بالقوة أعمالا أخرى أشرنا إلى أمهاتها آنفا، فإذا قامت عصابة مسلحة من الأشقياء بخطف العذارى أو المحصنات لأجل الفجور بهن، أو بخطف الأولاد لأجل بيعهم أو فديتهم، فلا شك أنها تعد من المخربين المفسدين، فما حكم الله فيهم؟.
إن الآية حددت لعقاب المفسدين بقوة السلاح والعصبية أربعة أنواع من العقوبة، وتركت لأولي الأمر الاجتهاد في تقديرها بقدر جرائمهم، فلا هي خيرت الإمام بأن يحكم بما شاء منها على من شاء بحسب هواه، ولا هي جعلت لكل مفسدة عقوبة معينة منها.
والحكمة في عدم تعيين الآية وتفصيلها للفروع والجزئيات هي أن هذه المفاسد كثيرة وتختلف باختلاف الزمان والمكان، وضررها يختلف كذلك، والفروع تكثر فيها، حتى إن تفصيلها لا يمكن إلا في صحف كثيرة.
ومن خصائص القرآن أنه كتاب هداية روحية، ليس لأحكام المعاملات الدنيوية منه إلا الحظ القليل; إذ وكل أكثرها إلى أولي الأمر من المؤمنين، وبين بإيجازه المعجز الضروري منها بعبارة يؤخذ من كل آية منها ما يملأ عدة صحف، كهذه الآية وآيات المواريث، والقاعدة في الإسلام: أن ما لا نص فيه بخصوصه يستنبط أولو الأمر حكمه من النصوص والقواعد العامة في دفع المفاسد وحفظ المصالح. والعلماء المستقلون من أولي الأمر، فلهذا بينوا ما وصل إليه اجتهادهم; ليسهلوا على الحكام من أولي الأمر فهم النصوص، ويمهدوا لهم طرق الاجتهاد.
ولهذا اختلفت الأقوال، ولو كان مسلمو هذا العصر كمسلمي السلف لفعل أئمتهم كما كان يفعل عمر بن الخطاب في خلافته من جمع أولي الأمر {أهل الحل والعقد من العلماء وكبراء الصحابة} للتشاور في كل ما لا نص فيه، ولا سنة متبعة، ولاستشاروهم في تقدير هذه العقوبات بقدر تأثير المفاسد وضررها، وأنفذوا ما يتقرر بعد الشورى في كل ما حدث من فروع هذه المفاسد. راجع تفسير
{ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } [النساء: 59].
وعلم بهذا الذي قررناه أن كل قول قاله علماء السلف له وجه، وإن رد بعضهم قول بعض، فمن قال: إن الإمام مخير فوجهه ما يدل عليه العطف بأو، لا يعني بالتخيير أن له الحكم بالهوى والشهوة، بل بالاجتهاد ومراعاة ما تدرأ به المفسدة وتقوم المصلحة، ولا ينافي ذلك المشاورة في الأمر، كيف وهي القاعدة الأساسية للحكم؟ ومن وضع كل عقوبة بإزاء عمل من أعمال المفسدين فإنما بين رأيه واجتهاده في الحكم الذي يدرأ المفسدة، وتقوم به المصلحة، كما يبينون فهمهم واجتهادهم في غير ذلك من المسائل، ولا يوجبون، بل لا يجيزون لأحد من حاكم أو غيره أن يتخذ فهمهم أو رأيهم دينا يتبع، وإنما هو إعانة للباحث والناظر على العلم، فإن المستقل في طلب العلم إذا نظر في مسألة لم يعرف لغيره رأيا فيها يكون مجال نظره أضيق من مجال من عرف أقوال الناس وآراءهم، وكم من عالم مجتهد قال في مسألة قولا ثم رجع عنه بعد وقوفه على قول غيره من العلماء; إما إلى رأيهم، وإما إلى رأي جديد. وعلى هذه القاعدة كان للشافعي مذهب قديم ومذهب جديد، فلا يغرنك قول بعض العلماء المستقلين إن أكثر ما قالوه ليس له أصل من كتاب ولا سنة.
إذا علمت هذا، فهاك أشهر أقوال الفقهاء في المسألة، قال صاحب {المقنع} من كتب الحنابلة في باب قطاع الطريق: وإذا قدر عليهم; فمن كان منهم قد قتل من يكافئه، وأخذ المال قتل حتما، وصلب حتى يشتهر، وقال أبو بكر (من فقهائهم): يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب، وعن أحمد أنه يقطع مع ذلك. وإن قتل من يكافئه، فهل يقتل؟ على روايتين " إلى آخر ما ذكره، وهو مثل الذي عزوناه إلى ابن عباس مع تفصيل وذكر روايات مختلفة في المذهب، وقال محشيه ما نصه:
قوله وإذا قدر عليه... إلخ، هذا هو المذهب. وروي نحوه عن ابن عباس، وبه قال قتادة وأبو مجلز، وحماد والليث والشافعي، وذهبت طائفة إلى أن الإمام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي; لأن {أو} تقتضي التخيير، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو الزناد وأبو ثور وداود. وقال مالك: إذا قطع الطريق فرآه الإمام جلدا ذا رأي قتله، وإن كان جلدا لا رأي له قطعه، ولم يعتبر فعله " انتهى. أي إن مالكا يعتبر حال قاطع الطريق في العقاب، لا عمله وحده، والجلد: القوي صاحب الثبات، فإذا اجتمعت القوة مع الرأي والتدبير كان الفساد أقوى، والعاقبة شرا. وذكر الشوكاني في نيل الأوطار أقوالا كثيرة للعلماء في ذلك; منها أقوال أئمة الزيدية، فليراجعها من شاء.
قال تعالى: {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} أي ذلك الذي ذكر من العقاب خزي لأولئك المحاربين المفسدين; أي ذل وفضيحة لهم في الدنيا; ليكونوا عبرة لغيرهم من المفسدين، وقال: {لهم خزي} ولم يقل " خزي لهم "; ليفيد أنه خاص بهم، دون الأفراد الذين يعملون مثل عملهم من غير أن يكونوا محاربين، ومغترين بالقوة والعصبية، ثم إن عذابهم في الآخرة يكون عظيما بقدر تأثير إفسادهم في تدنيس أرواحهم وتدسية أنفسهم، ويا له من تأثير !.
{إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} استثنى الله تعالى من المحاربين المفسدين في الأرض، الذين حكم عليهم بأشد الجزاء في الدنيا وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، من يتوبون منهم قبل القدرة عليهم، وتمكن أولي الأمر من عقابهم; فإن توبتهم، وهم في قوتهم ومنعتهم، جديرة بأن تكون توبة نصوحا، منشؤها العلم بقبح عملهم، والعزم على عدم العودة إليه، لا الخوف من عقاب الدنيا.
وهب أنه الخوف من عقاب الدنيا، أليسوا قد تركوا الإفساد ومحاربة شرع الله ورسوله، وصاروا كسائر الناس؟ بلى ! وإذا لا يجمع لهم بين أشد عقاب الشرع في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
ولذلك يبين الله تعالى أنهم يصيرون بهذه التوبة أهلا لمغفرته ورحمته، فقال: {فاعلموا أن الله غفور رحيم} أي فاعلموا أنه يغفر لهم ما سلف، ويرحمهم برفع العقاب عنهم، وهل الذي يرتفع عنهم عقاب الآخرة فقط كما قالوا في توبة السارق؟ (وسيأتي حده وحكمه بعد ثلاث آيات) أم يرتفع عنهم حق الله كله من عقاب الدنيا والآخرة، ولا يبقى عليهم إلا حقوق العباد؟ وإذا يكون لمن سلب التائب أموالهم أيام إفساده أن يطالبوه بها، ولمن قتل منهم أحدا أن يطالبوه بدمه، ولهم الخيار كغيرهم بين القصاص والدية والعفو.
أم تسقط عنهم حقوق الله كلها، وحقوق العباد كلها أيضا؟ احتمالات آخرها أضعفها، وأوسطها أقواها، وقد ثبت عن الصحابة إسقاط الحد عمن تاب، ولكن لم يرد أن أحدا تقاضى التائب حقا، ولم يسمع له الإمام. وإذا جاز إسقاط الحد مطلقا عن التائب فلا يجوز إسقاط المال عنه مطلقا؛ بل يتجه أن يقال: إن توبته لا تصح إلا إذا أعاد الأموال المسلوبة إلى أربابها، فإذا رأى أولو الأمر إسقاط حق مالي عن المفسدين للمصلحة العامة وجب أن يضمنوه من بيت المال.
وقد اختلف علماء السلف في هؤلاء التائبين، فقيل إنهم المحاربون المفسدون من الكفار إذا تابوا عن الكفر والحرب والفساد ودخلوا في الإسلام قبل القدرة عليهم، فهم الذين يسقط عنهم كل حق كان قبل الإسلام; لأنه يجب ما قبله مطلقا، رواه ابن جرير عن ابن عباس وعكرمة والحسن البصري ومجاهد وقتادة.
وقيل: إنها في المحاربين من المسلمين، وروى ابن جرير أن حارثة بن بدر كان محاربا في عهد أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، فطلب من الحسن بن علي، ثم من ابن جعفر، عليهم الرضوان، أن يستأمن له عليا، فأبيا عليه، فأتى سعيد بن قيس فقبله. (قال الراوي): فلما صلى علي الغداة أتاه سعيد بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ فقرأ علي الآيتين، فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ قال: وإن كان حارثة بن بدر، قال: فهذا حارثة بن بدر جاء تائبا، فهو آمن؟ قال: نعم. قال: فجاء به فبايعه، وقبل ذلك منه، وكتب له أمانا، ولكن ليس في الرواية ما يدل على إسقاط حقوق الناس.
وقد اشترط بعضهم في التائب أن يستأمن الإمام فيؤمنه، كما فعل حارثة. وقال بعضهم: لا يشترط ذلك، بل يجب على الإمام أن يقبل كل تائب، ورووا في ذلك واقعة محارب جاء أبا موسى تائبا، وكان عامل عثمان على الكوفة، فقبل منه، وواقعة علي الأسدي الذي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم، ثم سمع رجلا يقرأ:
{ ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } [الزمر: 53] الآية، فاستعادها، فأعادها القارئ، فغمد سيفه، وجاء المدينة تائبا بعد أن عجزت الحكومة والناس عنه، فأخذ بيده أبو هريرة وجاء به إلى والي المدينة مروان بن الحكم، وقال له: لا سبيل لكم عليه، ولا قتل، فترك من ذلك كله.
خلاصة الآيتين وقتال البغاة وطاعة الأئمة
قد علم من التفصيل السابق أن هاتين الآيتين خاصتان بعقاب المحاربين المفسدين في الأرض; أي الذين يعملون في بلاد الإسلام أعمالا مخلة بالأمن على الأنفس والأموال والأعراض، معتصمين في ذلك بقوتهم، غير مذعنين للشريعة باختيارهم. فيجب على الأئمة الحكام أن يطاردوهم ويتبعوهم، فإذا قدروا عليهم عاقبوهم بتلك العقوبات، بعد تقدير كل مفسدة بقدرها، ومراعاة المصلحة العامة، وسد ذريعة الفساد، ومن تاب قبل القدرة عليه لا يعاقب بما في هذه الآية، وإنما حكمه حكم سائر الناس.
وقد قلنا إن بعض العلماء قال: إن الآية نزلت في الخوارج، وأوردوا في هذا المقام ما ورد من الأحاديث المنبئة بصفات الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في عهد خلافته، ولا يصح ذلك القول بحال من الأحوال، وقد قاتل أمير المؤمنين الخوارج برأي من معه من علماء الصحابة، ولم يعاملهم بعقوبات آية المحاربين المفسدين; إذ لم يكن غرضهم الإفساد في الأرض، ولا تخريب العمران وإزالة الأمن، وإنما هم قوم خرجوا على الإمام العادل بعد البيعة متأولين، زاعمين أنه زل عن صراط الحق، وتجاوز تحكيم الشرع إلى الرأي.
وقد اختلف علماء المسلمين في مسألة الخروج على أئمة الجور وحكم من يخرج; لاختلاف ظواهر النصوص التي وردت في الطاعة والجماعة والصبر وتغيير المنكر ومقاومة الظلم والبغي، ولم أر قولا لأحد جمع به بين كل ما ورد من الآيات والأحاديث في هذا الباب، ووضع كلا منها في الموضع الذي يقتضيه سبب وروده، مراعيا اختلاف الحالات في ذلك، مبينا مفهومات الألفاظ بحسب ما كانت تستعمل به في زمن التنزيل دون ما بعده.
مثال هذا لفظ " الجماعة " إنما كان يراد به جماعة المسلمين التي تقيم أمر الإسلام بإقامة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن صارت كل دولة أو إمارة من دول المسلمين تحمل كلمة الجماعة على نفسها، وإن هدمت السنة وأقامت البدعة وعطلت الحدود وأباحت الفجور، ومثال اختلاف الأحوال تعدد الدول؛ فأيها تجب طاعته والوفاء ببيعته؟ وإذا قاتل أحدها الآخر؛ فأيها يعد الباغي الذي يجب على سائر المسلمين قتاله حتى يفيء إلى أمر الله؟ كل قوم يطبقون النصوص على أهوائهم مهما كانت ظاهرة.
ومن المسائل المجمع عليها قولا واعتقادا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، " وإنما الطاعة في المعروف "، وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد عن الإسلام واجب، وأن إباحة المجمع على تحريمه; كالزنا والسكر واستباحة إبطال الحدود، وشرع ما لم يأذن به الله، كفر وردة، وأنه إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع وحكومة جائرة تعطله، وجب على كل مسلم نصر الأولى ما استطاع، وأنه إذا بغت طائفة من المسلمين على أخرى، وجردت عليها السيف، وتعذر الصلح بينهما، فالواجب على المسلمين قتال الباغية المعتدية حتى تفيء إلى أمر الله، وما ورد في الصبر على أئمة الجور - إلا إذا كفروا - معارض بنصوص أخرى، والمراد به اتقاء الفتنة وتفريق الكلمة المجتمعة، وأقواها حديث: " وألا تنازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا ".
قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومثله كثير، وظاهر الحديث أن منازعة الإمام الحق في إمامته لنزعها منه لا يجب إلا إذا كفر كفرا ظاهرا، وكذا عماله وولاته، وأما الظلم والمعاصي فيجب إرجاعه عنها مع بقاء إمامته وطاعته في المعروف دون المنكر، وإلا خلع ونصب غيره.
ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على إمام الجور والبغي الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمكر، يزيد بن معاوية خذله الله وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب الذين لا يزالون يستحبون عبادة الملوك الظالمين على مجاهدتهم لإقامة العدل والدين.
وقد صار رأي الأمم الغالب في هذا العصر وجوب الخروج على الملوك المستبدين المفسدين، وقد خرجت الأمة العثمانية على سلطانها عبد الحميد خان، فسلبت السلطة منه وخلعته بفتوى من شيخ الإسلام، وتحرير هذه المسائل لا يمكن إلا بمصنف خاص، والسلام على من اتبع الهدى ورجح الحق على الهوى.