التفاسير

< >
عرض

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
٨٢
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ
٨٣
وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ
٨٤
فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٨٥
-المائدة

تفسير المنار

ختم الله هذا السياق في محاجة أهل الكتاب وبيان شأنهم، بهذه الآيات التي بين فيها حالتهم النفسية في عداوة المؤمنين ومودتهم، ودرجة قربهم منهم وبعدهم عنهم، وكذا حالة المشركين فقال:
{ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } العداوة: بغضاء يظهر أثرها في القول والعمل، والمودة: محبة يظهر أثرها في القول والعمل، خلافا للجمهور الذين فسروها بالمحبة مطلقا، وفي كلمة " لتجدن " تأكيدان: لام القسم في أول الكلمة، ونون التوكيد في آخرها، وفي الخطاب بها وجهان أحدهما: أنه للنبي صلى الله عليه وسلم، وثانيهما: أنه لكل من يوجه إليه الكلام، وفي " الناس " الذين نزل فيهم هذا التفصيل قولان أحدهما: أنهم يهود الحجاز ومشركو العرب ونصارى الحبشة في عصر التنزيل، والثاني: أنه عام لكل شعب وجيل، ولكن يرد على عموم الأزمنة ما سيأتي.
وأما صدقه على أهل العصر الأول فظاهر أتم الظهور، ولا سيما إذا جعلنا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أشد ما لاقى بأبي هو وأمي من العداوة والإيذاء قد كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومشركي العرب، ولا سيما مكة وما قرب منها، ولم ير من العداوة مثل تلك العداوة والإيذاء، بل رأى من نصارى الحبشة أحسن المودة بحماية المهاجرين الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام من مكة إلى الحبشة ; خوفا عليهم من مشركيها الذين كانوا يؤذونهم أشد الإيذاء; ليفتنوهم عن دينهم، حتى قال أكثر أهل التفسير المأثور: إن الآية نزلت فيهم أولا وبالذات، ولا ينفي هذا القول كون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسيأتي ما روي في ذلك في آخر تفسير الآيات.
لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتب الدعوة الإسلامية إلى الملوك ورؤساء الشعوب، كان النصارى منهم أحسنهم ردا; فهرقل ملك الروم في الشام حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام، فلما لم يقبلوا لجمودهم على التقليد، وعدم فقههم حقيقة الدين الجديد، اكتفى بالرد الحسن، والمقوقس عظيم القبط في مصر كان أحسن منه ردا، وإن لم يكن أكثر إلى الإسلام ميلا، وأرسل للنبي صلى الله عليه وسلم هدية حسنة، ثم لما فتحت مصر والشام عرف أهلها مزية الإسلام، دخلوا في دين الله أفواجا، وكان القبط أسرع له قبولا.
وقد كان حاطب بن أبي بلتعة رسول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس، وكان مما قاله له بعد أن أعطاه الكتاب: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى 79: 25) فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر بك غيرك، فقال (المقوقس): إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فقد سواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن، إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوما فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به (أي هو الإسلام عينه) فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الخبء، والإخبار بالنجوى، وسأنظر إلخ.
ومما يشهد لما ذكرناه أيضا حديث عمرو بن العاص رسول النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك عمان جيفر بن الجلندى وأخيه عبد بن الجلندى، فإن عمرا عمد أولا إلى عبد ; لأنه أحلم الرجلين وأميلهما خلقا، فبلغه دعوة الإسلام، فقال له عبد: يا عمرو، إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك؟ (قال عمرو) قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ووددت أنه كان أسلم به وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا، فسألني: أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه، قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم، قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح من الكذب، قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا، قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له اليناق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول يا عمرو، قلت: والله صدقتك، قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب، قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، ولو كان أخي يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به، ولكن أخي يضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا، انتهى المراد منه (وقد أسلم الرجلان بعد).
فعلم من هذه الشواهد أن النصارى الذين كانوا مجاورين للحجاز كانوا في زمن البعثة أقرب مودة للمؤمنين، وأقرب قبولا للإسلام، وأن من توقف من ملوكهم عن الإسلام فما كان توقفه إلا ضنا بملكه، وأن النجاشي (أصحمة) ملك الحبشة قد أسلمت معه بطانته من رجال الدين والدنيا، ولكن يظهر أن الإسلام لم ينتشر في الحبشة بعد موته رضي الله عنه، ولم يعن المسلمون بإقامة أحكامهم في تلك البلاد كما فعلوا في مصر والشام مثلا وهذا بحث تاريخي ليس من موضوعنا هنا، ولكن ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم " عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى أبي داود عن رجل من الصحابة وعلم عليه بالصحة،
وقد رواه أبو داود بهذا اللفظ، والنسائي بلفظه في آخر حديث طويل ملخصه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما معناه: إن الله تعالى أراه وهو يحفر في الخندق في وقعة الأحزاب بلاد كسرى فسئل أن يدعو الله تعالى بأن يفتحها لأمته فدعا، ثم ذكر أن الله أراه ملك قيصر وديار الشام فسئل أن يدعو الله تعالى أن يفتحها لهم فدعا، ثم ذكر أن الله أراه الحبشة، وقال هذا الحديث قبل أن يسألوه الدعاء بفتحها.
وجملة القول: أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به رأوا في عصره من مودة النصارى وقربهم من الإسلام بقدر ما رأوا من عداوة اليهود والمشركين، وقد يظن بعض الناس أن سبب ذلك بعد النصارى عنهم، وقرب اليهود منهم في المدينة والمشركين في مكة والمدينة معا، ومن بلغته الدعوة أبى ترك دينه إلى دين آخر من بعيد، لا يعني بعداوة أهلها ومقاومتهم كما يعنى القريب الذي توجه إليه الدعوة مواجهة ومشافهة، ولذلك كان اليهود في الشام والأندلس يعطفون على المسلمين عند الفتح ويرغبون في نصرهم على نصارى الروم والقوط، ثم صار بين المسلمين والنصارى من العداوة على الملك والحروب لأجله ما هو أشد مما كان من عداوة اليهود والمشركين; لسلفهم في أول الإسلام.
والقاعدة لهذا الرأي أن العداوة والمودة كانت ولم تزل أثر التنازع على المنافع والسيادة باسم الدين أو الدنيا، ولا دخل لطبيعة الدين فيها، وقد يؤيد هذا بما يثيره دعاة النصرانية في نفوس المسلمين في هذا الزمان، وما بين الدول الإسلامية والنصرانية من البغي والعدوان، على أنه ليس من بين اليهود والمسلمين من ذلك شيء، ولكن قد يوجد مثله بين مسلمي الهند ومشركيها; لتعارض مصالحهم ومنافعهم فيها، فعلة العداوة والمودة خارجية لا دينية ولا جنسية.
هذا كلام صحيح في جملته لا تفصيله، وينطبق على المختلفين في الدين والمتفقين فيه، فقد حارب نصارى البلقان بعضهم بعضا كما حاربوا العثمانيين، بل أهل المذهب الواحد من النصارى يحارب الآن بعضهم بعضا; كالإنجليز والألمان، وليس هو المراد بالآية، وإنما القرآن يبين هنا معنى أعلى منهم وأعم لا خاصا بالتنازع.
وهو أن العلة الصحيحة لعداوة المعادين ومودة الموادين هي الحالة الروحية التي هي أثر تقاليدهم الدينية والعادية، وتربيتهم الأدبية والاجتماعية، وقد نبه القرآن إلى ذلك في بيان سبب مودة النصارى من هذه الآية، وترك سبب شدة عداوة اليهود والمشركين، لأن حالتهم الروحية مبينة في القرآن أتم البيان في عدة سور، ومن أوسعها بيانا لأحوال اليهود هذه السورة وما قبلها من السور الطوال المدنية، وأوسعها بيانا لأحوال المشركين سورة الأنعام التي تليها، وهي السورة المكية.
كان اليهود والمشركون مشتركين في بعض الصفات والأخلاق التي اقتضت شدة العداوة للمؤمنين; فمنها الكبر، والعتو، والبغي، وحب العلو، ومنها العصبية الجنسية، والحمية القومية، ومنها غلبة الحياة المادية، ومنها الأثرة، والقسوة، وضعف عاطفة الحنان والرحمة، وكان مشركو العرب على جاهليتهم أرق من اليهود قلوبا، وأكثر سخاء وإيثارا، وأشد حرية في الفكر والاستقلال، وما قدم الله ذكر اليهود في الآية إلا لإفادة أصالتهم وتمكنهم فيما وصفوا به، وتبريزهم على مشركي العرب فيه، وناهيك بما سبق لهم من قتل بعض الأنبياء وإيذاء بعض، واستحلال أكل أموال غيرهم بالباطل، وأما ما كان من ضلعهم مع المسلمين في البلاد المقدسة والشام والأندلس فإنما كان لأجل تفيؤ ظل عدلهم، والاستراحة من اضطهاد نصارى تلك البلاد لهم، فهم لم يعدوا في ذلك في عادتهم، ولم يتركوا ما عرف من شنشتهم، وهي أنهم لا يعملون شيئا إلا لمصلحتهم.
ويمكن أن يستنبط ما تركه الله هنا من بيان سبب شدة عداوة هؤلاء وأولئك مما بينه من سبب قرب مودة النصارى بقوله عز وجل: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) أي ذلك الذي ذكر من كون النصارى أقرب مودة للذين آمنوا بسبب أن منهم قسيسين يتولون تعليمهم وتربيتهم الدينية، ورهبانا يمثلون فيهم الزهد، وترك نعيم الدنيا، والخوف من الله عز وجل، والانقطاع لعبادته، وأنهم لا يستكبرون عن الإذعان للحق إذا ظهر لهم أنه الحق، لأنه أشهر آداب دينهم التواضع والتذلل، وقبول كل سلطة والخضوع لكل حاكم، بل من المشهور فيها: الأمر بمحبة الأعداء، وإدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن،
فتداول هذه الوصايا ووجود أولئك القسيسين والرهبان، لا بد أن يؤثر في نفوس جمهور الأمة وسوادها، فيضعف صفة الاستكبار عن قبول الحق فيها، وقد عهد من النصارى قبول سلطة المخالف لهم طوعا واختيارا والرضاء بها سرا وجهارا، وأما اليهود فإذا أظهروا الرضا بذلك اضطرارا، وأسروا الكيد إسرارا، ومكروا مكرا كبارا.
فتلك كانت صفات الفريقين الغالبة لا أخلاق أفراد الأمتين كافة، ففي كل قوم خبيثون وطيبون
{ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [الأعراف: 159] ولكن شريعة اليهود نفسها تربي في نفوسهم الأثرة الجنسية، لأنها خاصة بشعب إسرائيل، وكل أحكامها ونصوصها مبنية على ذلك:
وحكمة ذلك: المراد منها تربية أمة موحدة بين أمم الوثنية الكثيرة بعد إنقاذها من استعباد أشد الوثنيين بطشا، وأضرهم بالاستبداد وهي أمة الفراعنة ولو أذن الله لبني إسرائيل بعد إنجائهم من مصر إلى الأرض المقدسة أن يخالطوا الأمم التي كانت فيها، وجعل شريعتهم عامة مبنية على قواعد المساواة بين الإسرائيليين وغيرهم كالشريعة الإسلامية لغلبت تعاليم أولئك الوثنيين، وشرورهم على الإسرائيليين لقرب عهدهم بالتوحيد مع استعدادهم الوراثي لقبول تقاليد غيرهم والخضوع لهم، ولذلك أمروا بألا يبقوا في الأرض المقدسة نسمة ما ممن كان فيها قبلهم، وكان موسى عليه السلام يحذرهم أشد التحذير من مفاسد الوثنيين بعده.
فإن قلت: إن هذا الإصلاح بتربية أمة واحدة على هذه الطريقة، بمثل هذه الشريعة يترتب عليه مفاسد أخرى في أخلاق هذه الأمة، ولو لم يكن من مفاسده إلا ما هو معروف من أخلاق اليهود إلى الآن، التي كانت سبب اضطهاد الأمم لهم في كل مكان، ومن حرصهم على الانتفاع من غيرهم وعدم نفع أحد بشيء منهم، إلا إذا كان وسيلة لمنفعة لهم أكبر منه، أو دفع ضرر، وتجرد السواد الأعظم منهم عن إيثار أحد غريب عنهم بشيء لكفى، وكان شبهة عظيمة على كون دينهم ليس من عند الله تعالى
{ والله لا يحب الفساد } [البقرة: 105].
والجواب عن هذه الشبهة سهل على المسلمين، وبيانه أن تلك الشريعة كانت مؤقتة لا دائمة، فكانت في العصر الأول هي الوسيلة إلى تكوين أمة موحدة بين أمم الوثنية، وكان المصلحون من الأنبياء صلوات الله عليهم يتعاهدون أهلها زمنا بعد زمن بالإصلاح المعنوي، كإلهيات زبور داود، وأدبيات حكم سليمان عليهما السلام; حتى لا تغلب على القوم المادية وتفسدهم الأثرة، ثم جاء مصلح إسرائيل الأعظم عيسى المسيح صلوات الله وسلامه عليه ينقض ما كانوا عليه من ذلك بدعوتهم إلى نقيضه أو ضده، فقابل مبالغتهم في المادية بالمبالغة في الروحانية، ومبالغتهم في الأثرة بالمبالغة في الإيثار الذي تعبر عنه النصارى بإنكار الذات ومبالغتهم في الجمود على ظواهر الشريعة بالمبالغة في النظر إلى مقاصدها،
فكره إليهم السيادة والغنى، وذم التمتع بنعيم الدنيا، وأمر بمحبة الأعداء وعدم الجزاء على الإيذاء، وكان ذلك كله تمهيدا لإكمال الله تعالى دينه بإرسال خاتم النبيين والمرسلين محمد المبعوث رحمة للعالمين، البارقليط روح الحق الذي يعلمهم ويعلم غيرهم كل شيء، فيجمع للبشر بين مصالح الروح والجسد، ويأمر بالعدل والإحسان لا بالإحسان فقط.
فمن لم يؤثر فيهم إصلاح المسيح من اليهود ظلوا على جمودهم وعصبيتهم، وكانوا أشد عداوة لهذا النبي ومن آمن به ممن أثر فيهم ذلك الإصلاح وكان فيهم بقية من القسيسين والرهبان، سواء كان أصلهم من اليهود أو غيرهم من الأقوام، فكانوا أقرب مودة لهم، وكانوا أسرع إلى الإيمان من غيرهم، فصدق عليهم قوله تعالى:
{ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } [الأعراف: 157] وما كان ذلك الإصر والأغلال إلا شدة أحكام التوراة في الطعام والشراب والأحكام المدنية والجنائية، وشدة أحكام الإنجيل في الزهد وإذلال النفس وحرمانها.
ومما يدل على كون النصارى أقرب من اليهود إلى الإسلام بطبيعة دين كل منهما - وفاقا لتعليل الآية الكريمة - كثرة من يسلم من النصارى في كل زمان وقلة من يسلم من اليهود، ولولا ضعف المسلمين في هذا الزمان، وإعراضهم عن هداية القرآن، ولولا إهمالهم الدعوة إلى الإسلام، وإبرازه بصورته الصحيحة للأنام، ولولا فساد حكوماتهم وعجز رجالهم في السياسة، وتخلفهم عن مجاراة الأمم في العلم والحضارة، ولولا بلوغ دول الإفرنج النصرانية فيه أوج العزة والقوة، وسبق أممهم في حلبة المدنية والثروة، واستمالتهم لنصارى الشرق وجذبهم إليهم،
واعتزاز هؤلاء بهم، وتلقيهم أساليب التربية الدينية والمدنية عنهم، وجعل الدين فيها من المقومات الجنسية للأقوام والشعوب تربى على أن تحافظ عليها كما تحافظ على لغتها، فلا تستبدل بها غيرها وإن كانت خيرا منها إلى غير ذلك من قوانين هذه التربية وأساليبها ولولا ما أشرنا إليه من التنازع السياسي الدنيوي بين دولنا ودولهم، لولا ذلك كله لكانت المودة بين الفريقين أتم وانتشار الإسلام فيهم أعم، لأن الإسلام إصلاح في النصرانية، كما أن النصرانية إصلاح في اليهودية، فاليهود الذين عادوا النصرانية كانوا أحذر ممن صلحوا بها بعداوة الإسلامية ودين الله على ألسنة موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه جرى مع البشر على سنة الارتقاء، إلى أن بلغ سن الكمال.
فإن قيل: إذا كنت تزعم أن سبب ما ذكره الله تعالى من كون النصارى أقرب الناس مودة للمؤمنين هو تعاليم دينهم وتقاليده، وأنه لذلك يجب أن يكون عاما فيهم، وإن نزل في طائفة معينة منهم، وإذا انتفت الموانع فبماذا تجيب عن الحرب الصليبية التي أوقد النصارى نارها باسم الدين، ولم يلق المسلمون مثلها من اليهود ولا من المشركين، ويقرب من ذلك سائر الحروب بين المسلمين والنصارى؟ فإن عندي جوابين عن هذا السؤال أو جوابا من وجهين:
(أحدهما) أن ما كان عليه المسلمون من الدين القريب من النصرانية، بل الذي هو إصلاح فيها وإكمال لها كما قررنا، لم يكن معروفا عند أولئك الصليبين، بل كان المسلمون صورة في مخيلاتهم غير صورتهم الصحيحة التي طبعها في قلوبهم أعداء الإسلام، صورة وثنية وحشية مشوهة أقبح التشويه، منعكسة عن الكتب والرسائل والخطب التي كان ينشئها بطرس الراهب وأمثاله، ولو وصف المسلمين يومئذ قوم بما وصفهم به مثيرو الحرب الصليبية ودعوا إلى قتالهم لنفروا خفافا وثقالا.
(ثانيهما) أن ما في الإنجيل من روح السلام والمحبة والتواضع والإيثار، والخضوع لكل سلطان، لم ينتصر في أوربة على روح الحرب والأثرة والكبرياء وحب السيادة في الأرض تلك الصفات التي كانت قد بلغت في عهد السلطة الرومانية أشدها، وكانت سبب إبادة الوثنيين من أوربة كلها، ثم سبب الحرب الصليبية، ومحاولة إبادة المسلمين من البلاد المقدسة أو الشرق كله، بل كانت ولا تزال سبب الحروب القاسية بين النصارى أنفسهم بسبب اختلاف المذاهب، أو التنازع على الممالك، وكل هذا من تعاليم روح الشيطان لا من تأثير تعليم روح الله عليه السلام، وإن رووا عنه أنه قال: ما جئت لألقي سلاما على الأرض إنما جئت لألقي سيفا.
فعلم من هذا أن ما كان بين المسلمين والنصارى من عداء فإنما سببه بعد أحد الفريقين أو كل منهما عن هداية دينه، أو جهالة وسوء فهم وقع بينهما، وأمر المتأخر من دولهما ظاهر، ولا ينسبه إلى طبيعة دينهما إلا جاهل أو مكابر، فالدولة العثمانية كانت قد فتحت كثيرا من بلادهم بالقوة القاهرة، فلما دالت لهم القوة تأثروا لأنفسهم، فإن كان الساسة البلقانيون قد هاجوا شعوبهم على قتالها باسم الصليب والمسيح، فلم يلبثوا أن كذب الله تعالى دعواهم المسيحية بإيقادهم نار القتال بينهم، فما زال أئمة السياسة المضلون من الفريقين يتخذون الدين أخدوعة يخدعون بها العامة لتأييد سياستهم، حتى في الجناية على الدين وأهله.
فإن قيل: إن اليهودية أقرب إلى الإسلام من النصرانية لأنها ديانة توحيد، والنصرانية ديانة تثليث، والتوحيد هو أساس دين الله على ألسنة جميع رسله، وهو منتهى الكمال في العقائد ولذلك يغفر الله كل ذنب إلا الشرك.
فالجواب عن هذا: أن عقيدة التثليث الدخيلة في المسيحية لما كانت لا تفهم ولا تعقل لم يكن لها تأثير في أنفس أهلها ببعدهم عن الإسلام، بل ربما كانت من أسباب قبول دعوة الإسلام، وإنما التأثير الأعظم في تقريب الناس بعضهم من بعض أو ضده للأخلاق والآداب. وإننا نرى في كل عصر من المودة بين المسلمين والنصارى ما لا نرى مثله بين غيرهما من المختلفين في الدين، وما ضعفت هذه المودة في بلد إلا بفتن السياسة، وعصبيات أهل الرياسة، فلعنة الله على مثيري العداوة والبغضاء بين عباد الله اتباعا لأهوائهم، أو إرضاء لرؤسائهم.
ومن مباحث الألفاظ في الآية أن الرهبان جمع راهب (كركبان جمع راكب) وهو المتبتل المنقطع في دير أو صومعة للعبادة وحرمان النفس من التنعم بالزوج والولد ولذات الطعام والزينة، فهو من الرهبة بمعنى الخوف، أو من رهب الإبل وهو هزالها وكلالها من طول السير، وأن القسيسين جمع قسيس ومثلها قس وجمعه قسوس وهو رئيس ديني في عرف الكنيسة فوق الشماس ودون الأسقف، مأخوذ من قولهم قس الإبل يقسها من باب نصر قسا (بتثليث القاف) إذا أحسن رعيها وسقيها، والأصل في القسيسين أن يكونوا من أهل العلم بدينهم وكتبهم لأنهم رعاة ومفتون، فيكون ذكر الرهبان والقسيسين جمعا بين العباد والعلماء، وكون الرهبانية بدعة في النصرانية لا ينافي تأثيرها في تقريب النصارى من مودة المسلمين.
وروى أهل التفسير المأثور قولا بأن المراد بالقسيسين والرهبان من آمن بعيسى في عهده كالحواريين وقولا آخر: المراد بهم جماعة النجاشي، وسيأتي بعض ما ورد في ذلك ومن الناس من يجعل هذه الآية آخر الجزء السادس، لأن التجزئة لا تراعى فيها المعاني، ويبدأ الجزء السابع بقوله عز وجل:
{ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } أي وإذا سمع أولئك الذين قالوا إنا نصارى ما أنزل إلى الرسول الكامل محمد صلى الله عليه وسلم الذي أكمل به الدين، وبعث رحمة للعالمين، ترى أيها الناظر إليهم أعينهم تفيض من الدمع، أي تمتلئ دمعا حتى يتدفق الدمع من جوانبها لكثرته، أو حتى كأن الأعين ذابت وصارت دمعا جاريا، ذلك من أجل ما منع غيرهم من العتو والاستكبار، قوله: (من الحق) بيان لقوله: (مما عرفوا) (وقيل: إن " من " فيه للتبعيض، أي إن أعينهم فاضت عبرة ودموعا، عبرة منهم وخشوعا، لمعرفتهم بعض الحق، إذ سمعوا بعض الآيات دون بعض، فكيف لو عرفوا الحق كله بسماع جميع القرآن، ومعرفة ما جاءت به السنة من الأسوة الحسنة البيان
وهذا القول إنما يصح بتطبيقه على واقعة معينة كالذي يسمع في النجاشي وجماعته، وأما ظاهر الجملة الشرطية فهو بيان ما يكون من شأنهم عند سماع القرآن، وهو العبرة والاستعبار، والدموع الغزار.
ثم بين تعالى ما يكون من مقالهم، بعد بيان ما يكون من حالهم فقال: { يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين } أي: يقولون هذا القول يريدون به إنشاء الإيمان، والتضرع إلى الله تعالى بأن يقبله منهم ويكتبهم مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين جعلهم الله تعالى كالرسل شهداء على الناس، وإنما يقولون ذلك لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم، أو مما يتناقلونه عن سلفهم، أن النبي الأخير الذي يكمل الله به الدين يكون متبعوه شهداء على الناس، أو المعنى أنهم بدخولهم في هذه الأمة يكتبون من الشاهدين، فذكر الله الأمة بأشرف أوصافها،
قال ابن عباس رضي الله عنه إن الشاهدين هنا هم الشهداء في قوله تعالى:
{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [البقرة: 143] وروي عنه أنه قال: هم محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، أنهم شهدوا أنه قد بلغ، وأن الرسول قال: " قد بلغت " كأنه يقول: إن الشهادة للرسل تستلزم الشهادة على من خالفهم، وإلا كان هذا التفسير غير ظاهر; لأن الشهادة على المرء ضد الشهادة له،
والحق أن الشهادة هنا يراد بها أن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم القيامة، وتكون حجة على المشركين والمبطلين لكونها مظهرا للدين الحق الذي جحدوه أو ضلوا عنه، وقد حققنا القول في بيان معنى الشهداء في تفسير
{ لتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143] في (ص 5ج 3ط الهيئة) { ومن يطع الله والرسول } [النساء: 69] في (ص 197 ج5 ط الهيئة).
{ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين }. هذا تتمة قولهم، والمعنى: أي مانع يمنعنا من الإيمان بالله وحده وبما جاءنا من الحق على لسان هذا الرسول، بعد أن ظهر لنا أنه البارقليط روح الحق الذي بشر به المسيح، والحال أننا نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، والذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة، والفضائل الكاملة، والعبادات الخاصة، والمعاملات المستقيمة، وهم أتباع هذا النبي الكريم، الذين رأينا أثر صلاحهم بأعيننا بعد ما كان فسادهم في جاهليتهم ما كان؟ أي لا مانع من هذا الإيمان بعد تحقيق موجبه، وقيام سببه، فسروا القوم الصالحين بأصحاب الرسول، وهو متعين بالنسبة إلى من آمن من نصارى الحبشة، وكل من سار على طريقهم يعد منهم ويحشر معهم.
{ فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين } أي فجزاهم الله تعالى وأعطاهم من الثواب بقولهم الذي عبروا به عن إيمانهم وإخلاصهم بساتين وحدائق في دار النعيم تجري من تحت أشجارها الأنهار يخلدون فيها، فلا هي تسلب منهم ولا هم يرغبون عنها ويتركونها، وذلك النوع من الثواب جزاء جميع المحسنين في سيرتهم وأعمالهم من أهل الإيمان، وقد علم من الآيات الأخرى أن في تلك الجنات، الدور والقصور والنعيم الروحاني والرضوان الإلهي ما لا يمكن أن يعبر عنه الكلام ويحيط به الوصف في هذا العالم المخالف لذلك العالم في حقيقته وخواصه
{ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } [السجدة: 17].
وهناك ما ورد في أسباب نزول هذه الآيات عن أهل الأثر:
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } قال: هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: ما ذكر الله به النصارى قال: هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين، فلذلك لهم.
وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع }.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم سورة مريم فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم: { ولتجدن أقربهم مودة } إلى قوله: { مع الشاهدين }.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلا اختارهم من قومه الخير فالخير في الفقه والسن، وفي لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلا، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة " يس " فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } الآية، ونزلت هذه الآية فيهم أيضا:
{ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } [القصص: 52] إلى قوله: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } [القصص: 54].
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عروة قال، كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في النجاشي (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) قال: إنهم كانوا برايين يعني ملاحين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم عن دينكم" فقالوا: لن ننقلب عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول }.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش وخمسون من الأشعريين، منهم أربعة من عك أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر، فذكر لنا أن قريشا بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، فأتوا النجاشي فقالوا: إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم، فأرسل إليهم فجاءوا فسألهم، فقالوا: بعث الله فينا نبيا كما بعث في الأمم قبلنا يدعونا إلى الله وحده ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بالصلة وينهانا عن القطيعة، ويأمرنا بالوفاء وينهانا عن النكث، وإن قومنا بغوا علينا وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به، فلم نجد أحدا نلجأ إليه غيرك، فقال معروفا،
فقال عمرو وصاحبه: إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول، قال: وما تقولون في عيسى؟ قالوا نشهد أنه عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ولدته عذراء بتول، قال: ما أخطأتم. ثم قال لعمرو بن العاص وصاحبه: لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما، وذكر لنا أن جعفرا وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، قال قائل: لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن فاضت أعينهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلا سبعة قسيسين وخمسة رهبانا ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه وقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا وأنزل الله فيهم: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس، قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ذكروا أنهم سبقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فقالوا: إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها زعم أنه نبي، وأنه بعث إليك رهطا ليفسدوا عليك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون،
فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا إلى باب النجاشي قالوا: استأذن لأولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحبا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك أنا صدقناك وأنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها، فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة،
فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قالوا: يقول عبد الله ورسوله وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول، قال فأخذ عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغيرت له وجوههم فقال: هل تقرءون شيئا مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: فاقرءوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى فجعلت طائفة من القسيسين والرهبان كلما قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، قال الله تعالى: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق }.
هذا وإن المحدثين يجمعون بين أمثال هذه الروايات بتعدد الوقائع، فإن لم يمكن الجمع اعتمدوا على ما كان أقوى سندا.
ذكر هذه الروايات الحافظ السيوطي في الدر المنثور، وذكر رواية أخرى أخرجها الطبراني مختصرة والبيهقي في الدلائل مطولة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في سبب إسلامه،
ملخصها أنه كان مجوسيا وظفر ببعض عباد النصارى المنقطعين في بعض الجبال وسافر معهم من بلاده إلى الموصل، وهناك اتصلوا بعباد مثلهم ولقوا رجلا كان منقطعا للعبادة في كهف عظموه كثيرا، ووعظهم هو وعظا بليغا، ذكر فيه أن عيسى كان رسولا لله وعبدا أنعم عليه فشكر ذلك له، وكان الرجل لا يخرج من الكهف إلا يوم الأحد، ثم سافر العابد وسافر معه سلمان إلى بيت المقدس، وهناك شفى الله على يده مقعدا، وقد وعظ سلمان قبل فراقه فذكر الجنة والنار وبعثة نبي من تهامة صفاته كيت وكيت وأوصاه بالإيمان به، ثم فارقه فلم يستطع إدراكه، فلقي ركبا من الحجاز حملوه إلى المدينة فباعوه فيها، ولما لقي النبي صلى الله عليه وسلم ورأى العلامات فيه آمن وكاتب وساعده صلى الله عليه وسلم بالمال على شراء نفسه، وأن الآيات نزلت في أصحابه الذين صحبهم، والرواية ضعيفة وحمل الآيات عليها بعيد.