التفاسير

< >
عرض

قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ
٥٠
وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
٥١
وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ
٥٢
وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ
٥٣
-الأنعام

تفسير المنار

إن الآيات الأربع التي قبل هذه الآيات قد بينت أركان الدين وأصول العقائد، وهي توحيد الله عز وجل، والرسالة أو وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، والجزاء على الأعمال، وقد جاءت الآيتان الأوليان من هذه الآيات الأربع بعدهن مفصلتين لما فيهن من بيان وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله - وإزالة أوهام الناس فيها، ومن بيان أمر الجزاء في الآخرة، وكون الأمر فيه لله تعالى وحده على الوجه الذي يزيد عقيدة التوحيد تقريرا وتأكيدا وبيانا وتفصيلا، وذهب الرازي إلى أن هذا من بقية الكلام على قوله: { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } [الأنعام: 37] وما قلناه أظهر. وقد بدئت الآية الأولى بالأمر بالقول - على ما علمنا من أسلوب هذه السورة في بيان المسائل التي يتعلق بها التبليغ - فقال عز وجل:
{قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} أي قل أيها الرسول الذي لم يبعث إلا كما بعث غيره من الرسل مبشرا من أجاب دعوته بحسن الثواب ومنذرا من ردها سوء العقاب، لهؤلاء الكفار المشاغبين لك بغير علم يميزون به بين شئون الألوهية وحقيقة الرسالة، الذين يقترحون عليك من الآيات الكونية ما يعلمون أن البشر لا يقدرون عليه ; لأنهم - وإن قالوه تعجيزا - يتوهمون أن الرجل من البشر لا يكون رسولا إلا أن يخرج من حقيقة البشرية ويصير إلها قادرا على ما لا يقدر عليه البشر، وعالما بكل ما يعجز عن علمه البشر وإن لم يكن من موضوع الرسالة التي عهد إليه أمر تبليغها، أو يصير ملكا من الملائكة في متعلق قدرته ومتناول علمه ; لأن أمر الرسالة في خيالهم ينافي البشرية التي حقرها في أنفسهم جهلهم وسوء حالهم وفساد أعمالهم -
قل لهؤلاء: لا أقول لكم عندي خزائن الله أتصرف بما خزنه وحفظه فيها من أرزاق العباد وشئون المخلوقات، بمعنى المخزونات، فالخزائن جمع خزينة أو خزانة، وهي ما يخزن فيها الشيء من يريد حفظه ومنع غيره من التصرف فيه
{ ولله خزائن السماوات والأرض } [المنافقون: 7] يتصرف فيها كما يشاء، ولا يقدر أحد من خلقه على التصرف في شيء منها إلا ما أعطاه تعالى إياه، ومكنه من التصرف فيه،
والمتصرف بما يعطى من الخزانة لا يكون متصرفا في الخزانة نفسها، فالمستخدمون عند الملك أو الرجل الغني يعطون أجورهم من خزانته، فيتصرفون فيها دون الخزانة، وجميع الأحياء العاملين يتصرفون بما يعطيهم الله تعالى من خزائن الموجودات، كل بحسب ما أوتي من الاستعداد
في دائرة ارتباط الأسباب بالمسببات، ولا يقدر أحد منهم أن يتجاوز ذلك إلى ما لم يؤته ولم يصل إليه استعداده، فالتصرف المطلق في كل شيء إنما هو لله القادر على كل شيء، وليس من موضوع الرسالة أن يكون الرسول - المبلغ عن الله تعالى أمر دينه - قادرا على ما لا يقدر عليه البشر من التصرف في المخلوقات بالأسباب، فضلا عن التصرف الذاتي بغير سبب الذي طلبه المشركون منه، وجعلوه شرطا للإيمان له، كتفجير الينابيع والأنهار من أرض مكة وإيجاد الجنات والبساتين فيها، وإسقاط السماء عليهم كسفا، والإتيان بالله والملائكة قبيلا، وغير ذلك مما اقترحوه وحكاه الله تعالى عنهم في " سورة الإسراء " وغيرها.
بدأ بنفي القدرة على التصرف فيما ليس من شأن البشر التصرف فيه؛ لعدم تسخير الله تعالى إياه لهم بإقدارهم على أسبابه، وثنى بنفي علم الغيب الخاص بالله تعالى فقال: {ولا أعلم الغيب} أي: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، وهو ما حجب الله علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب العلم به ككونه مما لا تدركه مشاعرهم الظاهرة ولا الباطنة؛ لأنها لم تخلق مستعدة لإدراكه ولا لطرق الاستدلال عليه، أو لأنها مستعدة له بالقوة غير متمكنة من أسبابه بالفعل كعالم الآخرة، فالغيب من جنس المعلومات كخزائن الله من جنس المقدورات، يراد بهما ما اختص بالله تعالى، فلم يمكن عباده من علمه والتصرف فيه، أي: لم يعطهم القوى، ولم يسخر لهم الأسباب الموصلة إلى ذلك.
والغيب قسمان: غيب حقيقي مطلق، وهو ما غاب علمه عن جميع الخلق حتى الملائكة، وفيه يقول الله عز وجل:
{ قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } [النمل: 65] وغيب إضافي، وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض، كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر مثلا،
وأما ما يعلمه بعض البشر بتمكينهم من أسبابه واستعمالهم لها، ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها، فلا يدخل في عموم معنى الغيب الوارد في كتاب الله،
وهذه الأسباب منها ما هو علمي كالدلائل العقلية والعملية، فإن بعض علماء الرياضيات وغيرها يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس، ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بالألوف من الأعوام، ومنها ما هو عملي كالتلغراف الهوائي أو اللاسلكي الذي يعلم المرء به بعض ما يقع في أقاصي البلاد وأجواز البحار التي بينه وبينها ألوف من الأميال،
ومنها ما قد يصل إلى حد العلم من الإدراكات النفسية الخفية كالفراسة والإلهام، وأكثر هذا النوع من الانكشاف لوائح تلوح للنفس لا تجزم بها إلا بعد وقوعها، فما يصل منها إلى حد العلم الذي يجزم به صاحبه لاستكمال شروطه يشبه ما ينفرد بإدراكه بعض الممتازين بقوة الحاسة، كزرقاء اليمامة التي كانت ترى على بعد عظيم ما لا يراه غيرها، أو بقوة بعض المدارك العقلية كالعلماء الذين أشرنا إليهم آنفا،
وأظهر شروط هذا النوع من الإدراك قوة الاستعداد الفطرية في النفس لذلك، وتوجه النفس إلى المدارك توجها قويا لا يعارضه اشتغال قوى بغيرها من المدركات. وكثيرا ما يقع هذا في حال مرض عصبي أو انفعال نفسي قوي يحصر هم النفس كله فيه.
وقد تقدم في تفسير
{ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } [الأنعام: 9] من هذه السورة في هذا الجزء كلام نفيس في هذه الإدراكات الخفية الخاصة. ومن الناس من يعدها من خوارق العادات؛ لخفاء أسبابها عنه، ويرده أنها مما يكثر ويتكرر حتى صار معتادا من أهله الكثيرين المختلفين في الملل والنحل والأخلاق والآداب، وما كان كذلك لا يكون من الخوارق كما قال محيي الدين بن العربي، ولكنا مع هذا نقول: إن بعضه يصح أن يسمى كرامة كما يعلم من تفسيرنا للآية التاسعة من هذه السورة.
فإن قيل: قد علمنا أن الرسالة الإلهية لا تتوقف على إقدار الرسول على التصرف في المخلوقات من غير طريق الأسباب التي سخرها الله للناس؛ لأن موضوعها علمي تعليمي، فهي عبارة عن تبليغ ما علمه الله للرسول بوحيه إليه، وليس من موضوعها تغيير شيء من خلق ; ولذلك لم يعط الله تعالى أحدا من رسله قدرة على هداية أحد بالفعل. قال تعالى لخاتم رسله:
{ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء } [البقرة: 272] وقال له: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [القصص: 56] ولو كان لهم شيء من التصرف في الخلق لجعله نوح - نبي الله - في هداية ولده، وإبراهيم - خليل الله - في هداية أبيه آزر، ولكن علم الغيب من موضوع الرسالة، فإن أصل موضوعها رؤية الملائكة، والتلقي عنهم، وذلك من عالم الغيب الذي أمرنا بالإيمان به اتباعا للرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي رأى بعينيه وسمع بأذنيه ووعى بقلبه،
وقد أثبت تعالى عالم الغيب المتعلق بالرسالة للرسل عليهم السلام، فقال في آخر " سورة الجن ":
{ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } [الجن: 26-28] فكيف أمر رسوله أن يتنصل في هذه الآية من ادعاء عالم الغيب، وأن يستدل على ذلك بعد نفي التصرف بقوله في أواخر الأعراف: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } [الأعراف: 188].
نقول: (أولا) إن ما يظهر الله تعالى عليه الرسل هو من الغيب الإضافي لا الحقيقي المطلق الذي لم يؤت أحدا من خلقه الاستعداد لعلمه. (ثانيا) إن إظهاره تعالى إياهم على شيء خاص من هذا الغيب لا يجعل ذلك داخلا في علومهم الكسبية، فإن الوحي ضرب من العلم الضروري يجده النبي في نفسه عندما يظهره الله تعالى عليه، فإذا حبس عنه لم يكن له قدرة ولا وسيلة كسبية إليه كما يعلم مما ورد في فترات الوحي، وهو مقتضى الإجماع على أن النبوة غير مكتسبة.
نعم قد يكون توجه قلب الرسول إلى الله تعالى عند بعض الحوادث مقدمة لنزول الوحي في الحكم الذي استشرف له وتوجه إلى الله تعالى ليبينه له كما يرشد إليه قوله تعالى:
{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144] إلخ. وكذلك رؤية نبينا - صلى الله عليه وسلم - للملك على هيئته التي خلقه الله عليها مرتين، هي خصوصية لا يعد مثلها من علوم الرسل الكسبية. وأما رؤية الملك متمثلا بصورة بشر أو جسم آخر فهو سبب عام لرؤيته، ولكنه لا يتمثل إلا لأمر عظيم، أو آية لنبي أو صديق.
فعلم مما قررناه أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم الكسبية، كما أنهم لم يعطوا قوة التصرف في خزائن ملك الله، وهي ما لم يمكن البشر من أسبابه فيكون من أعمالهم الكسبية، ولا أعطاهم إياه أيضا على سبيل الخصوصية. كما أظهرهم على بعض الغيب الذي هو موضوع الرسالة.
ونفي ادعاء الرسول لكل من الأمرين يتضمن التبرؤ من ادعاء الإلهية - كما قيل - أو ادعاء شيء من صفات الإله وهو أولى ويستلزم الأول؛ لأن كلا منهما خاص بالإله الذي هو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وقدرته وعلمه صفتان ذاتيتان له، ويتضمن بيان جهل المشركين بحقيقة الإلهية وحقيقة الرسالة؛ إذ كانوا يقترحون على الرسول من الأعمال ما لا يقدر عليه إلا من له التصرف فيما وراء الأسباب، ومن الإخبار بما يكون في مستقبل الزمان ما لا يعلمه إلا من كان علم الغيب صفة له كسائر الصفات، فقد سألوه عن وقت الساعة، وعن وقت نزول العذاب الدنيوي بهم، وعن وقت نصر الله تعالى إياه عليهم، وغير ذلك من أمور الغيب.
وإذا كان الله تعالى لم يؤت الرسل ما لم يؤت غيرهم من أسباب التصرف في المخلوقات ومن علم الغيب، وكان كل من التصرف بالقدرة الذاتية وعلم الغيب خاصا به عز وجل يستحيل أن يشاركه غيره فيه - فمن أين جاءت دعوى التصرف في الكون وعلم الغيب لمن هم دون الرسل منزلة وكرامة عند الله تعالى من المشايخ المعروفين وغير المعروفين، حتى صاروا يدعون من دون الله تعالى لما عز نيله بالأسباب والسنن الإلهية
"والدعاء هو العبادة" كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام؟
وقد قال المفسرون: إن نفي النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذين عن نفسه هو عبارة عن نفي ادعاء الإلهية وبيان لكون ما اقترحوه عليه مما لا يقدر عليه غير الله تعالى. فضلال المشركين في فهم الرسالة وجعلهم إياها شعبة من الربوبية لا يزال منتشرا في أذهان الناس، حتى بعض المؤمنين باسم القرآن المتبركين بجلد مصحفه وورقه وبالتغني به في المآتم وغيرها، الجاهلين بما أنزل لبيانه من توحيد الله تعالى وشئون ربوبيته وألوهيته، ومن حقيقة الرسالة ووظيفة الرسل، ومن معنى الجزاء على العقائد والأعمال. دع ما دون هذه الأصول الثلاثة من أمور الدين، إذ نرى بعض هؤلاء المعدودين في عرفهم وعرف الناس من أتباع القرآن يدعون التصرف في خزائن الله وعلم الغيب لمن دون الرسل كما قلنا آنفا.
ومن مباحث البلاغة في قوله: {ولا أقول لكم إني ملك} أنه أعاد فيه " لا أقول لكم " ولم يعدها في نفي علم الغيب، ونكتة ذلك أن نفي علم الغيب ونفي التصرف في خزائن الله يؤلفان التبرؤ من دعوى واحدة، هي دعوى الصفات الخاصة بالله تعالى، وأما نفي ادعاء الملكية فهو شيء آخر، فأعيد العامل لإفادة ذلك، كأنه قال: إنني لا أدعي صفات الإله حتى تطلبوا مني ما لا يقدر عليه أو ما لا يعلمه إلا الله، ولا أدعي أني ملك - وهو دون ما قبله - حتى تطلبوا مني ما جعله الله في قدرة الملائكة ولم يجعله من مقدور البشر، بل ادعيت أني عبد الله ورسوله، وإنما وظيفة العبد الطاعة، ووظيفة الرسول التبليغ، وعبر عن هذا بقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي: ما أفعل من حيث أنا عبد رسول إلا اتباع ما يوحيه إلى من أرسلني من تبليغ دينه بالتبشير والإنذار والعمل به كما بينت لكم آنفا - أي في الآيتين اللتين قبل هذه الآية.
ثم قال عز وجل: {قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: هل يستوي أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم الذي دعوتكم إليه فلا يميز بين التوحيد الشرك، ولا بين صفات الله وصفات الخلق، المقلد في ضلاله وجهالاته لمن لا علم عنده ولا عقل من آبائه وأجداده، وذو البصيرة المهتدي إليه، المستقيم في سيره عليه، على بينة وبرهان، يجعل ما يرى القلب أوضح مما ترى العينان؟
الاستفهام إنكاري، أي: لا يستويان كما أن أعمى العينين وبصيرهما لا يستويان، بل الفرق بين الأولين أقوى وأظهر، فكأين من أعمى العينين بصير القلب كان من أعلم العلماء وأهدى الفضلاء، وكأين من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من الأنعام ; ولذلك قال مقرعا لهم: (أفلا تتفكرون) أي في ذلك، فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الإسلام، وتفرقوا بين صفات الرب الإله وصفات الإنسان، وتعقلوا حجة الرسالة مما في هذه الأرض من أنواع الهداية والعرفان، وأخبار الغيب التي لم يؤتها إنس ولا جان، على ما فيه من بلاغة البيان، والأسلوب البديع الذي لم يعهدوه قبل الآن. فمتى كان في قدرة مثلي شيء من ذلك، ولقد لبثت فيكم عمرا من قبله يزيد على الأربعين سنة، عاطلا من هذه البلاغة وهذه المعرفة.!.
هذه الآية حجة من حجج الله تعالى للمستقلين في هداية الدين، على المقلدين فيه لآبائهم ومشايخهم الجاهلين.
ومن مباحث استنباط المذاهب في الآية أن المعتزلة استدلت بها على تفضيل الملائكة على الأنبياء والرسل، وناقشهم جمهور الأشاعرة في ذلك لمخالفته لمذهبهم، وقد قرر الطوفي المسألة في تفسيره " الإشارات الإلهية، إلى المباحث الأصولية " عند قوله: (ولا أقول لكم إني ملك) بقوله: يحتج به من يرى الملائكة أفضل من الأنبياء وقد سبق ذلك،
وتقريره هاهنا أن الكفار كانوا يعتقدون أن الملك أفضل من النبي ; ولذلك طلبوا رؤية الملائكة وأن يرسل إليهم ملك، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على هذا الاعتقاد وقال: أنا لا أدعي أني ملك كما يعتقدون في الملك، بل أنا بشر أتبع ما يوحى إلي، وحينئذ يقال: النبي عليه السلام أقرهم على اعتقاد تفضيل الملك، وكل ما أقر النبي عليه السلام عليه فهو حق، وللخصم منع الأولى. انتهى كلام الطوفي، ومراده بمنع الأولى منع المقدمة الأولى من القياس التي يسمونها الصغرى، وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرهم على التفضيل.
وقرر الزمخشري ذلك في ضمن تفسير الآية، فقال: أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله - وهي قسمه بين الخلق أرزاقه وعلم الغيب - وأني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلقه الله تعالى وأفضله وأقربه منزلة منه، أي لم أدع إلهية ولا ملكية؛ لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها، وإنما أدعي ما كان مثله لكثير من البشر وهو النبوة. اهـ.
وقال أحمد بن المنير في تعقبه له: وهو ينبني على القاعدة المتقدمة في تفضيل الملائكة على الأنبياء، ولعمري إن ظاهر هذه الآية يؤيده، فلذلك انتهز الفرصة في الاستدلال بها، ثم ذكر أن لمخالفه أن يجعلها ردا على إنكارهم الشئون البشرية على الرسول كأكل الطعام والمشي في الأسواق، بأن يقال: إنه لم يدع الملكية حتى يستنكر منه ذلك، وهذه التفرقة بين الرسول والملك لا تستلزم تفضيلا، وقد أراد ابن المنير بالقاعدة المتقدمة له ما ذكره في تفسير:
{ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون } [النساء: 172] وقد ذكرنا ملخص ما قرره الزمخشري فيها وما رد به عليه ابن المنير في تفسيرها، وهي في أواخر " سورة النساء " من أوائل الجزء السادس.
وقال الرازي في ذلك: قال الجبائي: الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء؛ لأن معنى الكلام لا أدعي منزلة فوق منزلتي، ولولا أن الملك أفضل لم يتم ذلك. قال القاضي: إن كان الغرض بما نفي طريقة التواضع فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على كونهم أفضل. اهـ.
واختار أبو السعود وتبعه الألوسي ما ذهب إليه ابن المنير من كون نفي دعوى الملكية للرد على استنكارهم أكل الطعام والمشي في الأسواق، وتكليفهم إياه نحو الرقي في السماء وكون هذا لا يقتضي التفضيل فيما هو محل النزاع. قال الألوسي: وهذا الجواب أظهر مما نقل عن القاضي زكريا من أن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - من باب التواضع وإظهار العبودية نظير قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تفضلوني على ابن متى" في رأي، بل هو ليس بشيء كما لا يخفى. وقيل: إن الأفضلية مبنية على زعم المخاطبين، وهو من ضيق العطن. اهـ.
وما نقله الألوسي عن القاضي زكريا لا بد أن يكون غير ما نقله الرازي عن القاضي. وإذا أطلق القاضي عند متكلمي الأشاعرة كالرازي ينصرف إلى أبي بكر الباقلاني، والقاضي زكريا عند المتأخرين. كالألوسي هو زكريا الأنصاري، وقد علمت أن القاضي الذي ذكره الرازي جعل إرادة التواضع بنفي الملكية مقتضيا تفضيل الملك على الرسول، وما نقله الألوسي عن القاضي زكريا ضده.
وقد ذكروا في المقام الفرق بين الانتقال هنا من نفي دعوى الإلهية إلى نفي دعوى الملكية، والانتقال في آية " سورة النساء " من عدم استنكاف المسيح من العبودية لله إلى نفي استنكاف الملائكة عنها على طريقة الترقي، وقد بين المحققون أن كلا من الانتقالين وقع في موقعه الذي اقتضته البلاغة؛ فإن مقام الاستنكاف يقتضي أن يكون المتأخر فيه هو الأعلى؛ لئلا يكون ذكره لغوا، ومقام نفي الادعاء يقتضي العكس لا من لا يتجزأ على دعوى الإلهية قد يتجزأ على ما دونها ولا عكس، أي أن من لا يتسامى إلى دعوى الملكية لا يتسامى إلى ما فوقها من دعوى الإلهية بالأولى. هذا صفوة ما قالوا في هذه المسألة.
والحق أن ظواهر القرآن الواردة في الملائكة والرسل تدل على أن الملائكة أفضل من البشر، ولعله لولا ذلك لما قال تعالى في بني آدم:
{ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } [الإسراء: 70] بل لقال على جميع من خلقنا، ومقتضى ذلك أن خواص الملائكة - كالمقربين - أفضل من خواص البشر كالرسل، ولا يتحتم أن يقتضي كون عوام الملائكة أفضل من خواص البشر كالرسل، وقد ينافيه كون بعض الملائكة مسخرين لمصالح البشر، ولكن ليس في المسألة نص قاطع في المعنى الذي جعلوه محل الخلاف كما قلنا في تفسير آية النساء المشار إليها هنا.
وإن النفي هنا وارد في بيان تحقيق معنى الرسالة ووظيفة الرسول وكونها لا تستلزم أن يقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله، أو أن يعلم بكسبه ما لا يعلمه إلا الله، ولا تستلزم أن يكون من الملائكة؛ يقدر على ما يقدرون، ويعلم ما يعلمون. والأشاعرة لا ينكرون تفضيل الملائكة من هذه الجهة، وإنما يفضلون الأنبياء عليهم بكثرة الثواب في الآخرة لما احتملوه من المشقة في سبيل الله، والأولى أن يفوض هذا الأمر إلى الله تعالى، ولا يجعل محل القيل والقال؛ إذ لا فائدة لنا في ذلك، ولا علم لنا بما يترتب على أعمال الملائكة من الجزاء عند الله تعالى.
واستنبطوا من الآية أيضا أصلين من أصول الفقه وقواعد الشرع، قال الرازي في بيانهما: قوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ظاهره يدل على أنه لا يعمل إلا بالوحي، وهو يدل على حكمين:
(الحكم الأول): أن هذا النص يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام، وأنه ما كان يجتهد، بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي، ويتأكد هذا بقوله:
{ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } [النجم: 3-4].
(الحكم الثاني): أن نفاة القياس قالوا: ثبت بهذا النص أنه عليه السلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه، فوجب ألا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه؛ لقوله تعالى: {فاتبعوه} (6: 153 - 155) وذلك ينفي جواز العمل بالقياس، ثم أكد هذا الكلام بقوله: {قل هل يستوي الأعمى والبصير} وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بالوحي يجري مجرى عمل البصير، ثم قال: (أفلا تتفكرون) والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين، وألا يكون غافلا عن معرفته، والله أعلم. انتهى كلامه.
أقر الرازي هنا هاتين المسألتين وأيدهما أشد التأييد، ولم يحام عن القياس وهو الركن الذي بنى عليه جل فقه أصحابه الشافعية والجمهور، حتى كأنه من غلاة الظاهرية،
وقد حررنا هذه المسألة في هذا الجزء من التفسير (السابع) عند الكلام على قوله تعالى:
{ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [المائدة: 101] بعد كلام في ذلك في الجزء السادس عند تفسير { اليوم أكملت لكم دينكم } [المائدة: 3]
ونقول هنا ردا على المسألتين: إن الآية لا تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يجتهد في الأحكام، وأن جميع أحكامه يجب أن تكون بالنص؛ فإن هذه الآية مكية، نزلت في أوائل الإسلام حيث لا حكومة للإسلام ولا أحكام، وحيث الدعوة الإسلامية قاصرة على أصول الدين وكلياته وهي التوحيد والرسالة والبعث والجزاء، والترغيب في الفضائل والعمل الصالح، والتنفير عن الرذائل وعمل السوء، ولا حاجة إلى الاجتهاد في شيء من ذلك.
ويقول مثبتوا الاجتهاد له - صلى الله عليه وسلم -: إن الله تعالى أذن له به عند الحاجة إليه، واستدل بعضهم على ذلك بقوله تعالى:
{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء: 105] أي بما أراكه فيه نصا أو دلالة واجتهادا، وبينا في تفسيرها أن المانعين يستدلون بها أيضا، وأنها ليست نصا في المنع ولا الإثبات [راجع ص 322 ج 5 ط الهيئة] وبيناه هنالك أن آية النجم خاصة بالقرآن، إذ لم يقل أحد: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينطق إلا بالوحي، بل ثبت أن الوحي كان ينقطع عنه أياما كثيرة، وقد حكم - صلى الله عليه وسلم - في أسرى بدر باجتهاده، وعاتبه الله تعالى على ذلك ولم يقره عليه. والقائلون بالمنع لا يحصرون الوحي في القرآن. وإذا كان حكمه - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد فيما لا نص فيه من الوحي مبنيا على إذن الله تعالى له بالاجتهاد - يكون متبعا فيه لما أوحي إليه.
وكذلك يقال في القياس: إذا ثبت الإذن به في كتاب الله تعالى أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - يكون الحكم به اتباعا للوحي، وثبوته في السنة يرجع إلى القرآن، إذ أمر باتباع الرسول، وشهد له بأنه لا يتبع إلا ما يوحى إليه، وقد بينا أن القياس المنصوص على علته في الكتاب أو السنة وما قطع فيه بنفي الفارق هو القياس الصحيح الذي لا وجه للخلاف فيه - ومن العلماء من لا يسميه قياسا - وأن قياس الشبه ونحوه من الأقيسة البعيدة عن النصوص لا دليل عليه ولا حجة فيه، وراجع تفصيل القول في ذلك في تفسير الآية الأولى والآية الثانية بعد المائة من " سورة المائدة ".
{وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} أمر الله تعالى رسوله بهذا الإنذار الخاص بعد أمره بتبليغ الناس حقيقة رسالته، وكونها لا تستلزم أن يكون له من التصرف والعلم ما لا يكون إلا لله تعالى، ولا أن يكون ملكا من الملائكة، والمناسبة بينها أن الموصوفين بما ذكر في هذه الآية أجدر من غيرهم بفهم حقيقة الرسالة والانتفاع بنذر الرسول، فهي كقوله:
{ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } [فاطر: 18] وقوله: { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب } [يس: 11] أي: وأنذر بما يوحى إليك جماعة المؤمنين بك، الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، أي: يخافون شدة وطأة الحشر والقدوم على الله عز وجل، وما فيه من شدة الحساب وما يتبعه من الجزاء على الأعمال في يوم { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } [البقرة: 254] { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } [الإنفطار: 19] وكل يأتيه فيه فردا ليس له من دونه ولي ينصره، ولا شفيع يدفع عنه، إذ أمر النجاة متوقف على مرضاته عز وجل،
فإن هؤلاء هم الذين يرجى أن يتقوا الله تعالى اهتداء بإنذارك، ويتحروا ما يؤدي إلى مرضاته، لا يصدهم عن تقواه الاتكال على الأولياء، ولا الاعتماد على الشفعاء؛ لصحة توحيدهم، وعلمهم أن الشفاعة لله جميعا
{ ما من شفيع إلا من بعد إذنه } [يونس: 3] { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } [الأنبياء: 28] وأن نجاتهم وسعادتهم إنما تكون بإيمانهم وأعمالهم وتزكيتهم لأنفسهم لا بانتفاعهم بصلاح غيرهم، أو اعتمادهم على شفاعة الشفعاء لهم، كالمشركين وغيرهم من الكافرين الذين جهلوا أن مدار سعادة الدنيا والآخرة على تزكي النفس وطهارتها بالإيمان الصحيح والأخلاق الكريمة، وما يلزم من الأعمال الصالحة التي يترتب عليها رضاء الله عنها لا على أمر خارج عن النفس لا تأثير له فيها.
هذا ما يتبادر إلى الفهم من معنى الآية مؤيدا بآيات كثيرة أخرى، بل بجملة الدين وكلياته التي أشرنا إليها آنفا، وبنحوه فسرها الحافظ ابن كثير في تفسيره المأثور، وهاك نص عبارته: أي: وأنذر بالقرآن يا محمد الذين هم من خشية ربهم مشفقون، الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، (الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) أي يوم القيامة، (ليس لهم) أي يومئذ (من دونه ولي ولا شفيع) أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم، (لعلهم يتقون) أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله عز وجل، لعلهم يتقون فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه. اهـ.
فالآية قد نزلت في إنذار المؤمنين الذين يخافون الله ويرجونه، وقد روى أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وغيرهم عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت هي وما بعدها في صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين السابقين الأولين، وسيأتي بيان ذلك. ولما كانت نافية للشفاعة عنهم لجأ بعض مفسري الخلف إلى تأويلها،، وذهب بعضهم أنها لا تحتاج إلى تأويل " لأن شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين إنما تكون بإذن الله؛ لقوله:
{ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255] فلما كانت تلك الشفاعة بإذن الله كانت في الحقيقة من الله تعالى " قاله الرازي في وجه نزول الآية في المؤمنين، وذكر فيها وجهين آخرين أحدهما: أنها نزلت في الكفار. وثانيهما: أنها عامة. ومن المعلوم أن كل ما يتعلق بالكفار في هذه السورة فالمراد به مشركو مكة وماحولها، وإنما يدخل فيه غيرهم بدلائل العموم، وكان أولئك المشركون ينكرون الحشر ويثبتون الشفاعة عند الله لآلهتهم وأوليائهم الذين اتخذوا لهم التماثيل والأصنام، كإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، إلا من شذ منهم فقال بالبعث، ولا أذكر الآن أنه كان في مكة أحد منهم عند نزول السورة، ولا يعقل أن تكون الآية نزلت في إنذار هذا الشاذ النادر.
ولكن أبا السعود تنطع في التأويل فذهب إلى أن الإنذار هنا موجه " إلى من يتوقع منهم التأثر في الجملة وهم المجوزون منهم للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالأولين، أو في شفاعة الأصنام كالآخرين، أو مترددين فيهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا، وأما المنكرون للحشر رأسا، والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام، فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم، وقد قيل: هم المفرطون في الأعمال من المؤمنين، ولا يساعده سباق النظم الكريم ولا سياقه، بل فيه ما يقضي باستحالة صحته، كما ستقف عليه " - هذه عبارته -
وقد جعل جملة {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} حالا من ضمير (يحشروا) قال: " والمعنى: أنذر به الذين يخافون أن يحشروا غير منصورين من جهة أنصارهم على زعمهم، ومن هذا اتضح أن لا سبيل إلى كون المراد بالخائفين المفرطين من المؤمنين؛ إذ ليس لهم ولي سواه تعالى يخافون الحشر بدون نصرته، وإنما الذي يخافونه الحشر بدون نصرته عز وجل " انتهى. وقد لخص كلامه السيد الألوسي في " روح المعاني " وقال: " هو تحقيق لم أره لغيره، ويصغر لديه ما في التفسير الكبير، ولعل ما روي عن ابن عباس والحسن - رضي الله عنهما - لم يثبت عنهما فتدبر " انتهى. ومراده بما روي عن الحبر والحسن هو أن الآية نزلت في المؤمنين.
ونقول: قد تدبرنا الكلام فوجدنا أن هذا الذي سميته تحقيقا تنطع وتكلف بعيد عن سباق الآية وسياقها، ولولا إعجابك بهذا الرجل واعتمادك عليه في حل تفسيرك لما خفي عن ذهنك المنير تكلفه هذا الذي خالف فيه المأثور المتبادر من النظم الكريم الموافق للحال الذي نزلت فيه السورة، فجعل الإنذار موجها إلى من لا يكاد يوجد أحد منهم في مكة من أهل الكتاب وشذاذ المشركين، ولا حاجة في حال توجيه الإنذار إلى المؤمنين إلى تخصيصه بالمفرطين منهم، ولم يكن في المؤمنين يومئذ مفرط ولا مقصر، بل كلهم سابق بالخيرات مشمر، فهم السابقون الأولون الذين شهد الله تعالى لهم، وأثبت في كتابه رضاءه عنهم. والمأثور أن هؤلاء الذين أمر - صلى الله عليه وسلم - بإنذارهم هم الذين نهى عن طردهم بقوله عز وجل:
{ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} روى أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني وغيرهم، عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده صهيب وعمار وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك، فأنزل فيهم القرآن {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} إلى قوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} وقيل: إلى قوله:
{ سبيل المجرمين } [الأنعام: 55]
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال: مشى عتبة بن ربيعة، وشبية بن ربيعة، وقرظة بن عمرو بن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل في أشراف الكفار من بني عبد مناف إلى أبي طالب، فقالوا له: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد، فإنهم عبيدنا وعسفاؤنا - كان له أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه.
فذكر ذلك أبو طالب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم. فأنزل الله {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} إلى قوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} قال: وكانوا بلالا، وعمار بن ياسر، وسالما مولى أبي حذيفة، وصبيحا مولى أسيد، ومن الحلفاء: ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا} الآية، فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر، فأنزل الله:
{ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } [الأنعام: 54] الآية.
هذا أقوى ما أورد السيوطي في الدر المنثور، واختصر الروايتين في لباب النقول، ولا ينافي هذا نزول السورة دفعة واحدة، وكون هذه الآيات ليست مما استثناه بعضهم وبيناه في الكلام عليها قبل الشروع في تفسيرها ; لأن قولهم إن كذا نزل في كذا يصدق بنزوله وحده وبنزوله في ضمن سورة كاملة أو سياق من سورة، لكن ظاهر ما زاده عكرمة من نزول {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} في عمر يدل على أن نزولها كان بعد اعتذاره، وأن اعتذاره كان بعد نزول ما قبلها. ويعارض هذا الظاهر ما ورد في نزولها دفعة واحدة، وكون هذه الآية ليست مما استثني، وهو أثبت من هذه الرواية، وما ورد في سبب نزول الآية أيضا وسيأتي قريبا، وحينئذ يقال: إما أن الزيادة غير مقبولة، وإما أن ظاهر العبارة غير مراد، وإنما لم نرد الرواية من أصلها مع أن في سندها من المقال ما فيه؛ لأن نزول الآيات الأولى في ضعفاء الصحابة هو الواقع الذي لا مندوحة عنه، والروايات فيه مبنية للواقع، يؤيد فيه بعضها بعضا، فلا يضر في مثله ضعف الراوي ببدعة أو بتدليس أو تحديث بعد اختلاط أو نحو ذلك من العلل التي في رجال هذه الرواية.
أما كون هذا هو الواقع فمعلوم من السيرة النبوية ومن سنة الله تعالى في خلقه المبينة في آيات كثيرة من كتابه، وهو أن أول أتباع خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - كأتباع من تقدمه من إخوانه الرسل - صلى الله عليهم وسلم - أكثرهم من الضعفاء الفقراء، وأن أعداءه كأعدائهم هم المترفون من الأكابر والرؤساء، وأن هؤلاء الأعداء المستكبرين عن الإيمان كانوا يحتقرون السابقين إلى الإيمان ويذمونهم ويعدون أنفسهم معذورين أو محقين بعدم رضائهم لأنفسهم بمساواتهم، وتارة يقترحون على الرسل طردهم وإبعادهم، قال الله تعالى في " سورة سبأ ":
{ وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } [سبأ: 34-35]
وقال تعالى في " سورة هود " حاكيا قول الملأ، أي الأشراف من قوم نوح عليه السلام له:
{ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } [هود: 27] وقوله لهم: { وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم } إلى قوله: { أفلا تذكرون } [هود: 29-30] وقد حكى الله عن كفار قريش أنهم قالوا في هؤلاء الضعفاء السابقين إلى الإسلام: { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } [الأحقاف: 11] وقال في شأنهم من " سورة مريم : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } [مريم: 73-74].
ومعنى الآية هنا: ولا تطرد أيها الرسول هؤلاء المؤمنين الموحدين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، أي في النهار وآخره أو في عامة الأوقات ; لأنه يكنى بطرفي الشيء عن جملته، يقال: يفعل كذا صباحا ومساءا إذا كان مداوما عليه،
وإذا أريد بالغدو والعشي حقيقتهما فيحتمل أن يراد بالدعاء الصلاة؛ لأنها كانت في أول الإسلام صلاتين: إحداهما في الصباح والأخرى في المساء،
وروي عن مجاهد أن المراد صلاتا الصبح والعصر ; وإلا فالدعاء يشمل الدعاء الحقيقي والصلاة والقرآن المشتملين عليه، والغداة والغدوة كالبكرة ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والعشي آخر النهار، وقيل: من المغرب إلى العشاء، وقيل: من بعد الزوال.
وقرأ ابن عامر (بالغدوة) بضم الغين وفتح الواو، ويساعده رسم المصحف؛ لأن الكلمة فيه بالواو كالصلاة والزكاة، والباقون بالغداة بفتح الغين، وقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها حسب القاعدة. واستعملت " غدوة " بالضم - بالتنوين وبغير التنوين كبكرة، ومعرفة بالألف واللام كما نقل سيبويه عن الخليل، فإذا نونت قصد بها صباح يوم غير معين، وإذا لم تنون قصد بها صباح معين، ولعل الأكثر في استعمالها أن تكون بغير الألف واللام، وقد ظن أبو عبيد أن هذا مطرد، ولم يعلم أن قراءة ابن عامر رواية متواترة يثبت بها تعريف الغدوة في أصح الكلام، بل ظن أنها خطأ جاء من جهة الرسم فخطأ من قرأ بذلك، وحسبك في تخطئته هو أن القراءة متواترة، وإن لم ينقل الخليل وكذا المبرد تعريفها عن العرب. والمشهور أن منع صرف (غدوة وبكرة) للعلمية الجنسية، وقيل للعلمية الشخصية.
وقوله تعالى: (يريدون وجهه) حال من ضمير " يدعون "، أي: يدعون ربهم بالغداة والعشي مريدين بهذا الدعاء وجهه سبحانه وتعالى، مبتغين مرضاته، أي يتوجهون به إليه وحده مخلصين له الدين، فلا يشركون معه أحدا، ولا يرجون من غيره عليه ثوابا، ولا يتوقعون به من أحد مدحا ولا نفعا،
فهذا التعبير يدل على الإخلاص لله تعالى في العمل وابتغاء مرضاته به وحده وعدم الرياء فيه، كما قال تعالى حكاية عن المطعمين الطعام على حبه:
{ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } [الإنسان: 9] وكما قال في الأتقى الذي ينفق ماله ليتزكى به عند الله تعالى ويكون مقبولا مرضيا لديه: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى } {الليل: 19-21]
ولعل أصل ابتغاء الوجه بالعمل هو أن يعمل ليواجه به من عمل لأجله، فيعتني بإتقانه ما لا يعتني بإتقان ما يعمل ليرسل إلى من عمل له، أو لأنه مطلوب في الجملة من غير أن يلاحظ العامل أن من يعمل له يراه، فضلا عن كونه هو الذي يعرضه بنفسه على من يريد التقرب إليه به، وذلك أن الأعمال التي تعمل للملوك والأمراء منها ما لا يرونه البتة كأن يكون لما لا يطلعون عليه من أعمال الخدمة في قصورهم، ومنها ما يرونه رؤية إجمالية مع كثير من أمثاله، وما يرونه منها يعرضه عليهم عمالهم وحجابهم، ومنها ما قد يعرضه العامل بنفسه ويقابل وجه الملك به، ولا شك أن هذا النوع من العمل هو الذي يعتنى به أكمل الاعتناء، ولا يفكر العامل له في وقعه عند الحجاب أو الوزراء أو غيرهم من بطانة الملك أو حاشيته ; لعلمه بأنه هو الذي سيعرضه عليه ويلقاه به، فيكون همه محصورا في جعله مرضيا عنده، جديرا بقبوله وحسن الجزاء عليه.
ولا يغرنك ما تخيله بعض الصوفية من جعل ابتغاء الله تعالى منافيا لابتغاء مرضاته أو ابتغاء وجهه، فالحق أن لا منافاة، وأن الكمال في الجمع بين الأمرين، وأن العمل لأجل الذات التي يفسرون بها الوجه مع عدم قصد الرضاء ولا الثواب من النظريات التي لا يسهل إثبات إمكانها ولا مشروعيتها، ولا ينكر ما يعرض لبعض الناس من الأحوال النفسية التي ينحصر تخيلهم فيها، حتى يظنوا أنها حقيقة ثابتة في نفسها، وصاحب تلك الحال لا يعرف حقيقة الذات، ولا يعقل معنى كون العمل لها، نعم إن من الواقع الذي لا ينكر أن يقصد العامل بعمله النجاة من عقاب النار أو الفوز بنعيم الجنة، وإن هذا حسن ومحمود شرعا، ولكنه دون مرتبة الكمال الذي هدى إليه القرآن، وهو أن يقصد المؤمن بالعمل الصالح تزكية نفسه وتكميلها؛ لتكون أهلا للقاء الله، ومحلا لمرضاته وثوابه في دار كرامته، وأعلى الثواب رضوان الله تعالى، وكمال العرفان والعلم به المعبر عنه في الأحاديث الشريفة برؤية وجهه الكريم، بلا كيف ولا تشبيه ولا تمثيل، وقد قربنا هذا المعنى العالي في باب الفتوى من المنار فيراجع فيه، ولعلنا نعود إليه في التفسير.
{ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم} أي ما عليك شيء ما من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، لا على دعائهم ولا على غيره من أعمالهم الدينية - كما تدل على ذلك صلة الموصول - وإلا فظاهر تأكيد النفي عمومه. كما أنه ليس عليهم شيء ما من أمر حسابك على أعمالك حتى يمكن أن يترتب على هذا أو ذاك طردك إياهم بإساءتهم في عملهم أو محاسبتك على عملك، فإن الطرد جزاء، وإنما يكون على عمل سيئ يستوجبه، ولا يثبت إلا بحساب، والمؤمنون ليسوا عبيدا للرسل ولا أعمالهم الدينية لهم، بل هي لله تعالى يريدون بها وجهه لا أوجه الرسل، وحسابهم عليه تعالى لا عليهم، وإنما الرسل هداة معلمون، لا أرباب ولا مسيطرون
{ فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر } [الغاشية: 21-22] وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على الناس ومحاسبتهم على أعمالهم الدينية فليس للناس عليهم هذا الحق بالأولى،
والمأثور عن النصارى أن المسيح عليه السلام كان يسمى معلما، وأن أتباعه في عهده كانوا يسمون تلاميذ. وأما أتباع نبينا - صلى الله عليه وسلم - فقد اختار لهم كلمة الأصحاب الدالة على المساواة تواضعا، على أن من أصول شريعته الكاملة أنه - صلى الله عليه وسلم - مساو في أحكامها لسائر المؤمنين فيما يجب ويندب ويحل ويحرم ويباح ويكره إلا ما خصه الله تعالى به من الأحكام، ولم تكن تلك الأحكام الخاصة من قبيل ما يعهد الناس من امتياز الملوك على الرعايا من أمور الأبهة والزينة والعظمة الدنيوية والنعيم، بل هي أحكام شاقة لا يقوى على القيام بها غيره - صلى الله عليه وسلم - كوجوب قيام الليل عليه، وكون ما يتركه صدقة للأمة لا إرثا لذريته، وكفالته عدة أزواج من الأرامل أكثرهن مسنات يساوي بينهن وبين عائشة الجميلة الصورة البارعة الذكاء في كل ما يملك من نفسه وذات يده (وحكمة تعددهن قد فصلناها في تفسير آية تعدد الزوجات من أول " سورة النساء " [راجع ص 287 وما بعدها ج 4 ط الهيئة] ثم زدناها بيانا في المنار).
وقيل: إن المراد هنا الحساب على الرزق إذ زعم المشركون أن أولئك الضعفاء ما آمنوا به - صلى الله عليه وسلم - إلا لأنهم يجدون عنده رزقا، وأنهم ليسوا بصادقين في إيمانهم فكأن الله تعالى يقول له ليس عليك من حساب رزقهم ولا عليهم من حساب رزقك شيء وإنما يرزقكم الله جميعا، وحمل الآية على هذا ضعيف، وإن نقل عن ابن زيد، والأول منقول عن عطاء، وعليه الجمهور.
وإذا صح أن كبراء المشركين طعنوا في إيمان ضعفاء المسلمين فالأقرب أنهم قصدوا بذلك الكيد؛ للتفرقة بينهم وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصد سائر الضعفاء عنه بأن عاقبتهم الطرد والإبعاد، كما يصدون الأقوياء والكبراء بإثارة الحمية والكبرياء، فإن كان فيهم من أساء الظن ببعض أولئك السابقين الكرام لاحتقارهم إياهم، فإنما كان في أول العهد بإسلامهم، قبل أن كان ما كان من فتنتهم، فقد فتنوهم بأنواع من العذاب ليرجعوا إلى الشرك كالجوع والحبس، والضرب، بل كانوا يكوون بعضهم بالنار كما فعلوا بآل ياسر، أو بوضعهم عراة الأبدان على الرمل المحمى بهجير الصيف كما فعلوا ببلال.
وقوله تعالى: {فتكون من الظالمين} جواب للنهي عن الطرد، وأما قوله قبله: (فتطردهم) فهو جواب لنفي الحساب تنتهي به الجملة الاعتراضية المعللة لعدم جواز الطرد ببناء نفيه على نفي سببه الذي يتوقف جوازه عليه. وجوز الزمخشري وغيره عطف الثاني على الأول، وأورد عليه إيرادات أجيب عنها بسهولة، وجوز بعضهم كون الأول جواب النهي والثاني معطوفا عليه، وأوردوا عليه ما لا يجاب عنه إلا بتكلف.
والمعنى على الأول - وهو الصحيح - لا تطرد هؤلاء فتكون بطردك إياهم من جنس الظالمين ومعدودا في زمرتهم ; لأن طردهم لا يكون حقا وعدلا إلا إذا كان جزاء على إساءتهم في الأعمال التي يعملونها لمن له حق حسابهم وجزائهم عليها، ولست أنت بصاحب هذا الحق حتى يتأتى أن تجري فيه على صراط العدل، ذلك بأن عملهم هو عبادة الله تعالى وحده يريدون بها وجهه، فحسابهم وجزاؤهم عليه وحده، كما قال نوح عليه السلام:
{ إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } [الشعراء: 113]
فوجه الكون من الظالمين أن الطرد لو حصل يكون حكما غير جائز ممن لا يملك الحكم لذاته
{ إن الحكم إلا لله } [الأنعام: 57] والله لم يفوض إليه هذا النوع منه، ثم إنه جائز في موضوعه، مع كونه غير جائز في صورته وشكله ; إذ هو ظلم للمحكوم عليهم؛ لأنهم أولى الناس بقربه - صلى الله عليه وسلم - والاستفادة منه، وظلم لنفس الحاكم - وحاشا أن يقع منه - لأنه ينافي مصلحة الدعوة، فلما كان ظلما من الجهات الثلاث قال: (فتكون من الظالمين) ولم يقل: فتظلمهم، أو: فتكون ظالما، أو: فيكونوا من المظلومين.
والآية متممة لبيان وظائف الرسول من الجهة السلبية ; إذ صرح فيها بأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يملك حساب المؤمنين ولا جزاءهم بعد أن صرح بأنه لا يملك التصرف في الكون، ولا يعلم الغيب، وبأنه ليس ملكا، وليس الغرض منها التشديد في تنفير النبي - صلى الله عليه وسلم - عن طرد المؤمنين ; لأنه كان رضي بذلك كما زعم بعض المفسرين، وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - أن يرضى بذلك أو يميل إليه بعد أن عاتبه ربه على الإعراض والتلهي عن الأعمى (عبد الله بن أم مكتوم) لما جاءه يطلب العلم والهدى منه وهو - صلى الله عليه وسلم - متصد لدعوة بعض كبراء قريش، طامع في هدايتهم، وخاف أن يفوته ذلك بإقباله على ذلك الأعمى الفقير، كما هو مبين في أول سورة
{ عبس وتولى } [عبس: 1] والمروي أنها نزلت قبل " سورة الأنعام "،
وقد اغتر من زعم ذلك برواية منكرة باطلة، وهي ما رواه ابن أبي شيبة، وابن ماجه، وابن جرير، وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، وغيرهم، عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي - صلى الله عليه وسلم - حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا ; فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإن نحن جئنا فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: " نعم " قالوا: اكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة، ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية، فرمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيفة ثم دعانا فأتيناه.
قال الحافظ ابن كثير بعد إيراده لسنده عند ابن أبي حاتم: ورواه ابن جرير من حديث أسباط به، وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر. اهـ.
وأقول: إن هذه الرواية باطلة من وجوه؛ منها ما ذكره الحافظ ابن كثير من تأخر إسلام الأقرع وعيينة، وظاهر ما في الإصابة أن الأقرع بن حابس أسلم قبيل فتح مكة، وصرح الحافظ الذهبي بأنه أسلم بعد الفتح، ويؤيده ما في السير. وأما عيينة فقد أسلم سنة خمس، ولم يعرف الرجلان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل إسلامهما، ولم يكونا من أشراف مكة، بل كانا من جفاة الأعراب، ولما أسلما كانا من صنف المؤلفة قلوبهم، ومنها أنهما ذكرا قدوم الوفود على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن ذلك في مكة، بل كان الناس فيها يصدون عنه صدودا، وإنما كان في أواخر عمره - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة، ومنها ما تقدم آنفا من عدم جواز إجابته - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا الطلب، ولو مع القصد الحسن بعد قوله تعالى له: (كلا) في " سورة عبس "،
وقد استشكل بعض المفسرين قوله تعالى: {وما من حسابك عليهم من شيء} بناء على أن تعليل نفي ملك النبي - صلى الله عليه وسلم - لطردهم يتم بنفي كونه يملك شيئا من حسابهم، وأن هذه الزيادة وإن كانت حقا لا يظهر لها دخل في التعليل. ويجاب على طريقتنا بأن طرد القوي للضعيف أو الكبير للصغير قد يترتب على محاسبة كل منهما للآخر، فكم من قوي حاسب ضعيفا على عمل وجازاه عليه بالطرد، وكم من ضعيف حاسب قويا على حقه وطالبه به، أو على حق من حقوق أمته فطرده القوي لمناقشته إياه الحساب، فلما بين هاهنا أنه لا حق لأحد الفريقين في حساب الآخر على شيء ما، علم أن القوي منهما لا حق له في طرد الضعيف بحال من الأحوال، فإذا لا يكون طرده إياه - إن وقع - إلا ظلما، وعلى تقدير التسليم يقال: إنه لا يستنكر في الكلام المراد به الهداية والإرشاد أن يزاد فيه من الفوائد الاستطرادية ما يناسب المقام.
فلما بين تعالى للرسول أنه لم يجعل من حقه على المؤمنين أن يحاسبهم على أعمالهم الدينية ويجازيهم عليها ; لأن هذا من حق ربهم وإلههم، لا من حق رسولهم - بين له أيضا أنه لم يجعل من حق المؤمنين على الرسول أن يحاسبوه على شيء من أعماله الخاصة به ولا العامة كتبليغ الدين وبيانه، ولو شاء لفعل، كما جعل حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لبعض المؤمنين على بعض، سواء في ذلك أئمتهم ورعيتهم، فالإمام (السلطان) راع، وهو مسئول عن رعيته، لأهل الحل والعقد من الأمة أن يحاسبوه كما يحاسب هو من دونه من العمال،
وليس لأحد من الناس أن يحاسب الرسول على سياسته أو تبليغه دعوة ربه، ولكن للرسول أن يحاسب الناس على معاملة بعضهم لبعض عندما يكونون أمة مقيدة في أعمالها الدينية بشريعة ذلك الرسول، ولما نزلت سورة الأنعام لم يكن المسلمون كذلك، والظاهر أن عموم النفي فيها قد خصص بعد الهجرة عند من فهم منه العموم، وعندنا أن المراد منه في الأصل خصوص العبادة والإخلاص فيها، وهو محكم باق على عمومه،
وقال الزمخشري في نكتة ضم الجملة الثانية إلى الأولى: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنى في قوله:
{ ولا تزر وازرة وزر أخرى } [الأنعام: 164] ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه. اهـ. أي لا يؤاخذ أحد منكما بحساب الآخر. وقال أبو السعود وذكر قوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} مع أن الجواب قد تم بما قبله للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه - صلى الله عليه وسلم - بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، وهو انتقاء كون حسابه عليه السلام عليهم على طريق قوله تعالى: { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [الأعراف: 34]. اهـ. ثم زعم أن ما قاله الزمخشري غير حقيق بجلالة شأن التنزيل، وتبعه الألوسي كعادته ولم يعز الكلام إليه هنا. ولعل المتأمل يرى أن ما قلناه هو الحقيقي بجلال شأن التنزيل؛ لأنه - على كونه هو المتبادر من الكلام - مبني على التأسيس، وبقائه محكما لم يطرأ عليه نسخ ولا تخصيص، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قال الألوسي: وتقديم خطابه - صلى الله عليه وسلم - في الموضعين قيل: للتشريف له - عليه أشرف الصلاة وأفضل السلام - وإلا كان الظاهر: وما عليهم من حسابك من شيء، بتقديم على ومجرورها كما في الأول، وقيل: إن تقديم عليك في الجملة الأولى للقصد إلى إيراد النفي على اختصاص حسابهم به - صلى الله عليه وسلم - إذ هو الداعي إلى تصديه عليه الصلاة والسلام لحسابهم. اهـ.
والصواب أن التقديم في الموضوعين جاء على الأصل العام في اللغة، وهو تقديم الأهم بحسب سياق الكلام، والأهم في الأول النفي، وفي الثاني المنفي، أعني الأهم في كل موضع ما يتعلق به - صلى الله عليه وسلم -. لأنه تعليل لانتفاء عمل له (وهو الطرد) مترتب على ذلك النفي، ولو كان الثاني تعليلا لعمل لهم لقال: وما عليهم من حسابك من شيء فيطردوك، وما شرحناه في تفسير الجملتين يغني عن التفصيل في بيان هذا المعنى.
والآية تدل على نفي الرياسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى، وهي سيطرة رؤساء الدين على أهل دينهم في عقائدهم وعباداتهم ومحاسبتهم عليها، وعقاب من يرون عقابه منهم حتى بالطرد من الدين والحرمان من حقوقه، ويجب في بعض تلك الملل أن يعترف كل مكلف من ذكر وأنثى للرئيس الديني بأعماله النفسية والبدنية، وللرئيس أن يغفر له ما يعترف به من المعاصي، ويعتقدون أن مغفرة الله تعالى تتبع مغفرته،
وإذا كان الله تعالى لم يجعل للرسول الذي أوجب طاعته حق محاسبة الناس على أعمالهم الدينية ونيتهم فيها، ولا حق طردهم من حضرته - دع حق طردهم من الدين - فكيف يمكن أن يكون لمن دونه من الأمراء أو القضاء أو غيرهم من الرؤساء مثل هذا الحق؟! ويستنبط من الآية ألا يجوز لرؤساء المدارس الدينية ولا ينبغي لغيرهم - عقاب أحد من طلاب العلم بالحرمان من بعض الدروس فضلا عن طرده من المدرسة، وحرمانه من تلقي الدين والعلم ألبتة، ولكن قد يجوز ذلك بمقتضى نظام لا لأجل الانتقام. وقد كان من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - تأليف قلوب ضعفاء الإيمان حتى بعد قوة الإسلام وإعزازه، بل كان يعامل المنافقين بما يقتضيه ظاهر إسلامهم، عملا بقاعدة بناء الأحكام على الظواهر، وأن الله هو الذي يتولى السرائر فأين هذا من طرد كملة المؤمنين السابقين الأولين، الذين لم يكن لهم حظ دنيوي من إسلامهم إلا الصبر والبلاء المبين؟.
{وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي: ومثل ذلك الفتن - أي الابتلاء والاختبار العظيم الذي دل عليه النظم الكريم بمعونة وقائع الأحوال، وما كان عند نزول السورة من التفاوت بين المؤمنين والكفار، فتنا بعضهم ببعض، أي جعلنا - بحسب سنتنا في غرائز البشر وأخلاقهم - بعضهم فتنة لبعض تظهر به حقيقة حاله غير مشوبة بشيء من الشوائب التي تلتبس بها في العادة، كما يظهر للصائغ حقيقة الذهب والفضة يفتنهما بالنار أو بعرضهما على الفتانة (حجر الصائغ)
{ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} أي ليترتب على هذا الفتن أن يقول المفتونون من الأقوياء المستكبرين، في شأن الضعفاء من المؤمنين: أهؤلاء الصعاليك من العبيد والموالي والفقراء والمساكين من الله عليهم فخصهم بهذه النعمة العظيمة من جملتنا ومجموعنا أو من دوننا؟ المن: الإثقال بنعمة عظيمة أو نعم كثيرة، والاستفهام للإنكار والتعجيب، يعنون أنه لا يتأتى ذلك لأنهم هم المفضلون عند الله تعالى بما أعطاهم من الغنى والثروة والجاه والقوة، فلو كان هذا الدين خيرا لمنحهم إياه دون هؤلاء الضعفاء، قياسا على ما أعطاهم قبله من الجاه والثراء، ومن شواهد هذا القياس ما حكاه الله عنهم في قوله:
{ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } [الزخرف: 31] إلخ. قال المفسرون: أي عظيم بالمال والجاه كالوليد بن المغيرة المخزومي من مكة وهي إحدى القريتين، أو عروة بن مسعود الثقفي من الطائف وهي القرية الأخرى، وقيل: المراد بعظيم مكة أبو جهل، والشواهد على هذا القياس الحملي كثيرة عنهم وعن غيرهم.
وقد رد الله تعالى عليهم بقوله: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} وهذا الاستفهام التقريري على أكمل وجه؛ لبنائه على إحاطة علمه تعالى، ووجه الرد أن الحقيقي بمن الله وزيادة نعمه إنما هم الذين يقدرونها قدرها، ويعرفون حق المنعم بها، فيشكرونها له باستعمالها فيما تتم به حكمته وتنال مرضاته - لا من سبق إنعامه عليهم فكفروا وبطروا، وعتوا عن أمره، واستكبروا بل هؤلاء جديرون بأن يسلب منهم ما كان أنعم به عليهم، وبهذا مضت سنته في عباده، ولولا ذلك لكانت النعم خالدة تالدة لا تنزع ممن أوتيها، بل تزاد وتضاعف له وإن كفر بها، وإذا لما افتقر غني، ولا ضعف قوي، ولا ذل عزيز ولا ثل عرش أمير، وهل الحق الواقع إلا خلاف هذا؟ وهل فتن أولئك الكبراء إلا بالواقع لهم من الغنى والقوة، فظنوا لقصر نظرهم، وغرورهم بحاضرهم، وجهلهم بسنة الله في أمثالهم - أنه تعالى ما أعطاهم ذلك إلا تكريما لذواتهم، وتفضيلا لهم على غيرهم، حتى إن أحدهم ليحسب أن هذا حق له على ربه في الدنيا والآخرة، وإن كان لا يؤمن بالآخرة، كما بين تعالى ذلك بقوله:
{ ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } [فصلت: 50] وأنزل في العاص بن وائل من طغاة قريش { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا } [مريم: 77] أي في الآخرة - الآيات. وقال بعض المغرورين بهذا القياس:

لقد أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي.

وقد كشف الله تعالى هذا الغرور في آيات كثيرة وضرب لأصحابه الأمثال كمثل ذي الجنتين في سورة الكهف، وزجر أهله وأضدادهم في سورة الفجر، وفصل لهم الحقيقة في سورة الإسراء، بقوله: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء } [الإسراء: 20].
وهذا الرد على المشركين هنا يدل على أنه لا يدوم لهم من النعم، ما اغتروا به، ولا يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه، بل لا بد أن تنعكس الحال، فيسلب أولئك الأقوياء ما أعطوا من القوة والمال، وتدول الدولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين فيكونوا هم الأئمة الوارثين؛ لأن الله تعالى وفقهم للإيمان، وأودع في أنفسهم الاستعداد للشكر وهو يوجب المزيد
{ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } [إبراهيم: 76] وكذلك كان،
وصدق وعد الرحمن وظهر إعجاز القرآن، وما بعد بيان الله تعالى من بيان، وإننا نرى الناس عن هدايته غافلين، وبوجوه إعجازه جاهلين، حتى إن فيمن يسمون المسلمين منهم من يفتتن بشبهة أولئك المشركين الداحضة، فيجعلها حجة ناهضة؛ تارة على تفضيل الأغنياء على الفقراء، وتارة على تفضيل الأمم القوية على الأمم الضعيفة، جاهلين أن الفضيلة الصحيحة في شكر النعم باستعمالها فيما يرضي الرب لا في أعيان النعم التي ترى في اليد. فرب غني شاكر، ورب فقير صابر، وكم من منعم سلب النعمة بكفرها، وكم من محروم أوتي النعم بالاستعداد لشكرها، ثم زيدت بقدر شكره لها، وكم من قوي أضعفه الله ببغيه، وكم من ذليل أعزه الله بإيمانه وعدله.
هذا وإن ظاهر حكاية قول المفتونين يدل من المشركين على أن المراد بقوله: {فتنا بعضهم ببعض} فتنا كبراء المشركين بضعفاء المؤمنين - أي اختبرنا به حالهم في كون تركهم للإيمان لم يكن إلا جحودا ناشئا عن الكبر والعلو في الأرض، لا عن حجة ولا شبهة مما يظهرونه، ومفهومه أن ضعفاء المؤمنين السابقين لم يفتتنوا بغنى كبراء المشركين وقوتهم، وقد زعم بعض المفسرين أنهم فتنوا وإن لم تبين الآية كيف كان ذلك، إذ لم تحك شيئا عن لسانهم.
وقد ورد في الاختبار العام قوله تعالى في سورة الفرقان:
{ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } [الفرقان: 20] أي جعلنا كلا منكم اختبارا للآخر في اختلاف حاله معه بالغنى والفقر، أو القوة والضعف، أو الصحة والمرض، أو العلم والجهل، أو غير ذلك - هذا يحتقر هذا ويبغي عليه، وهذا يحسد هذا ويكيد له. فاصبروا فإنه لا يسلم من هذه الفتن إلا الصابرون. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين.